فصل الفن عن الدين الجـزء 2: العقل المحتضر والروح الذابلة
دليل
الريف : حكيم السكاكي
إن تابوت الموكب الجنائزي هو المصير الحتمي لعشاق
الرؤية الأحادية كما أن فقدان شخص عزيز حد ث يستحق التعزية والسلوان.لكن من يستحق
فعلا أقصى درجات العزاء والسلوان هو ذلك اليتيم الذي ترك روحه تذبل في صحراء
الشخصية الحائرة المنفصمة وسط عواصف المادية المصلحية الحبلى بعناصر الجشع الذي
أعمى بصيرة رؤيته برمال النرجسية وحب الذات المضطربة وتزداد الصورة قتامة و لعنة
كلما قامت هذه الروح الذابلة بسجودها الكاريكاتوري أمام وهم اسمه صنم العلم العاجز
عن قهر اعتباطية الطبيعة و كوارثها المهولة التي رفعت شعار التحدي ضدا على كل
مقومات الكبرياء العلمي البشري فجعلت الإنسان يشعر بسبب عجزه عن تحقيق انتصار حاسم
و مطلق’ أنه مجرد حشرة لا حول لها ولا قوة أمام هذا العملاق الكوني الذي خلقه الله
.أما اليتيم الآخر الذي يستحق الشفقة والرثاء فهو الذي ترك عقيدته تغرق في بركة
الغباء والفهم السطحي .فيتخبط عقله على سرير الإحتضار بعدما تلوث الدماغ بالرؤية
الضيقة المتحجرة و إصابة الفطرة النقية العفوية بتعقيدات تافهة لا مكان لها بين
الينبوع الديني الصحيح والمستجدات الحضارية العالمية
إذااقتفينا خطوات الغرفة الضبابية التي يحاول فيها بعض من تقيأ عليهم غول التعنت
العقيم التغريد خارج سرب الأغلبية و تعقيد معادلة وضع نقط الإنصاف على حروف الفن (
الغنائي الموسيقي بالخصوص كونه هو النموذج الفني المستهدف بامتياز ).حتى لا تبقى
هذه الحروف المظلومة صلعاء وبدون قبعة كي تحمي نفسها من ضربات شمس التهم الباطلة في
إطار الدين...سنجد أنفسنا حتما في مواجهة بطارية طاقة تفكيرية مهترئة
فارغة المحتوى وهي تحاول عبثا= 1 ...معانقة روح ذابلة سلمت نفسها واستسلمت لإجراءات
طلاق قسري مصطنع بين الدين و الدنيا(والفن مظهر مهم من مظاهرالدنيا) أوتحاول عبثا=
2... معانقة عقل محتضر يجتر رواسب مآزق فكرية متناقضة تقفز عن متطلبات الفطرة
ومقتضيات الواقع الراهن لإنقاذهما من موت محقق..فتسقط الروح العلموية الذابلة في
كوميديا العدم والضحك على ذقن العلم من منطلق وهمي يجحد وجود العالم الغيبي وليبقى
في آخر المطاف مثل الديك الذي فقد رأسه عند ذبحه فأخذ يتخبط خبط عشواء في اختيار
الوجهة الهدفية ان هو وجدها وإلا فانه سيكون فريسة سهلة لصقر الإنتهازية والتلون
الحربائي في المواقف كي يستقر في آخر المطاف في محطة نخبوية كئيبة تحمل في حقيبتها
تصورا خبزويا بارد الإحساس الوجداني و حاملا معه الرؤية الدرهمية ذات الأهداف
القصيرة المدى والمنحصرة وظيفتها في كيفية لم شتات ما تبقى من ثروة حلبها من عرق
المقهورين والشباب المغسولي الدماغ.كل ذلك يتم في ظل الادعاء الديموقراطي والتبجح
الحقوقي و باسم المبدأ الميكيافيلي القائل..(الغاية تبرر الوسيلة) .أما العقل
المحتضربسبب تنطعه المتشدد فيفقد فرامل رشده و يتجاوز بذلك الخطوط الحمراء للفردوس
الموعود فيسقط في المصير الجهنمي المأساوي الذي طالما كان يحتاط أن لا يسقط فيه وهو
في غضون صياغة عملية الانغلاق على الذات و درء الشبهات وقتل روح الإبداع بحجة أنه
بدعة وليس سنة ومحاولة فهم الدين بسطحية ظاهرية تشبه فهم الصبيان له ..كل هذا جعله
يسقط في موقف الشذوذ الأقلياتي وفخ الإنخداع بسحر الرؤية الأحادية الضيقة.
لقد عملت متاهة التناقض الذاتي بتفاهاتها الحائرة في فرض نفسها المغرورة على حساب
تضليل أولئك المتلقين السذج الذين يتلقون خطابا يريد إقناعهم اما بتهميش الدين واما
بتهميش الدنيا.وكلاهما على خطأ لأنهما يعملان على تغييب خريطة الأهداف الوجودية
الرامية الى المساهمة بفعالية في الإعمار الايجابي للكون و دعم مستقبل الحضارة
الانسانية...وبالتالي و بعد هذا التهميش سيتم إجهاض حماس الذات العاشقة للسؤال
المشروع وهو يغازل علامة التعجب حول برنامج الأهداف المسطر في سجل الوجود من طرف
الخالق سبحانه و تعالى
والغريب في الأمر برمته هو أن الروح الذابلة/ العقل المحتضر يغادر جلبابه المعرفي
العالمي مجانا أو
أو نفاقا,ليلبس بعد ذلك أسمال التخريف الضيق الأفق ويصفق للأسف للموكب الجنائزي
القادم بتوابيته المشؤومة لقمع العرس الحيوي للإبداع الروحي والفني .إن الروح
الذابلة/العقل المحتضر لا يريد أن ياخذ الأمور بعين التبصرالرؤيوي الفسيح
الأبعاد.ويفهم الحياة حقا ومن وجهة نظر منطقية بعيدا عن تسلم تذكرة
التحليل الحماري الاعتباطي وعن منأى من استلا م عربون ارتشائي وتملق رمزي لفيلق
بشري يريد من الأصوات الواعية والأدمغة الحرة أن تبقى في ظلال التبعية حتى تتقن
مهنة الصمت عوض تفجير قنبلة البوح والجهر بالحق في حالات الطوارئ..وبالتالي هناك من
الكسلاء من يرفض استثمار الاهتمامات الشبابية لأنه
ينظر اليها بعين اللا مبالاة كون الشباب مكلفا ومسؤولا .مما يعني إبعاده عن منطقة
اللعب والترفيه و ممارسة تذوق وابداع الفن حتى لا يهوى التفاهات ويدمن عادة تضييع
الوقت سدى .هذه المادة الغالية والعنصر الخام المشكل للنسيج العام لحياتنا القصيرة
الأمد على هذه الأرض التي تعتبر بدورها بمثابة ذرة غبارصغيرة في هذا الكون الفضفاض
الذي لم يخلقه الله صدفة وعبثا.
لقد تقادم الزحف الزمني لصدأ التفكير المعوج.فأضفى انعكاساته السلبية على العقل
المحتضر.الشيء الذي أنبت أشواك طابوهات مفتعلة وعقدة ذنب وهمبة.ساهمت بشكل لاشعوري
في تغطية القلوب بطبقة من الضبابية الغامضة.علما ان هذه القلوب المؤمنة المخلصة قد
برمجت نفسها مسبقا على رصيد مهم من الحذر من الدنيا واغواءات الحياة بكل ما تحتويه
من محتويات ممتعة.وذلك عبر وضع هاجس الموت المفاجىء نصب الأعين في كل لحظة.وهذ ما
يسمى بقمة التعقل والفطنة.لأن اتخاذ الاجراءات والاستنفار المبكر من خصائص الأذكياء
لا الأغبياء المغرورين الذين لا يعون إمكانياتهم المحدودة في إيداع رصيد كاف ببنك
السعادة المطلقة مع انعدام أية وسيلة للحصول على الأبدية الدنيوية وانغلاق كل الطرق
التي تؤدي الى الخلود في هذه الحياة الخاضعة لأبعاد الزمن المؤقت.إن الأخذ بعناصر
الحيطة ضروري لكل عاقل يعرف أنه وسط معركة رمزية بين الخير والشر في الخضم
الكوني.نهايته الفناء ثم تصفية الحساب الأخروي لتحقيق ارادة العدل واسترجاع حقوق
المظلومين.وبما أن الحياة الدنيا في القاموس الاسلامي هي مزرعة مؤقتة وحقل تجارب
تدريبية قصد النجاح في
التقاط ماتبقى من ثمار الخلاص الفردي والجماعي من محرقة بشرية قادمة.وما في ذلك شك
في قلب فطن يتمتع بذرة من الذكاء.ويعرف أن فرصة الخلاص الأبدي تدق باب صاحبها مرة
واحدة ولا تعود بعد ذلك الا في صورة ندم يرقص حزنا و حسرة .
إن الدروب التي تدب فيها كائنات الحق والحكمة.حتما ستكون مرتعا لإشارات الاهتداء
نحو كوخ البساطة الذي يضم ثنائية التعلم والمتعة ..و داخل هذا الفضاء التلقائي يغدق
إلهاما تربويا مصحوبا بحس الدعابة الترفيهي.و بعيدا كل البعد عن سيناريوهات الإتهام
المجاني والتعقيدات الموبوءة .يعتبر الفن الغنائي والموسيقي جهادا حقيقيا بالكلمة
المحترمة والصوت الرائع والنغمات الساحرة .ولا يضاهيه فن آخر في درجة تأثيره على
أغلبية أفراد المجتمع
23.02.2011. 02:09
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب