أي دور للتنوع في إغناء الثقافة المغربية ؟
دليل
الريف : محمد لمرابطي
لا يمكن للثقافة اليوم أن تكون أروبية ، فرنسية أو
إنجليزية ، ولا حتى عربية ، بل هي متعددة وهجينة ، ثمرة للتبادل والتلاقح ، وتكون
أكثر عطاء بفضل الاتصال بين الرجال والنساء المنتمين إلى أقطار متنوعة وبعيدة ،
والموقف الذي يصدر عن الأستاذ المحترم علي أمليل في كتابه "السلطة الثقافية ،
والسلطة السياسية ، وسؤال المثقف " ، يحتاج إلى تمعن ونقاش مركز، فهو يؤكد على أن
مصطلح الثقافة مفهوم حديث ورد علينا من أوروبا في القرن الثامن عشر، ويتعلق بالكاتب
الفرنسي باعتباره صانعا للأفكار وحاملا للحداثة ، وبالتالي فإن المثقفين العرب
والمسلمين لا سند ولا مرجعية لهم في تراثهم الثقافي، وإن كانوا يدعون لأنفسهم دورا
في هذا المجال، ففي منظوره أن السلطة الثقافية في الماضي كانت دائما للفقيه صاحب
العلم الديني، في غياب تام لباقي أصناف المعرفة الأخرى التي يشكلها كل من الكتاب
والفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة .
ونرجع للقول أن مفهوم الثقافة في أوروبا في القرن الثامن عشر، يختلف عنه في بداية
القرن الواحد والعشرين ، بل إن مفهوم الثقافة بعد الحرب العالمية الثانية تطور
سريعا وبشكل كبير، مقارنة عما كان عليه الوضع قبل الحرب، وعليه فإن مفهوم الثقافة
الجديد أخذ أبعادا أخرى غير التي يحاول المعرفون لكلمة الثقافة أن يضعوها فيها،
ورغم الصعوبات الموجودة بشأن تقديم تعريف دقيق وشامل للثقافة ، فإنه من باب الأجدى
العمل على تبني تعريف الأنتروبولوجي" تايلور" الذي أورده في كتابه " الحضارة
البدائية " والذي يعتمد عليه الكثيرون اليوم ، فقد عرف الثقافة بقوله : " الثقافة
بمعناها الإثنوغرافي الواسع هي ذلك المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن
والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث
هو عضو في المجتمع ..."
فمن خاصيات الثقافة أنها لا تنتقل بالوراثة أو عبر الموقع الاجتماعي والاقتصادي ،
وإنما تكتسب بالمؤهلات والاستعداد ، وبالتعلم والاهتمام المتواصل، بل إنها تأتي
كنتيجة لعدد من أنماط وآليات التعلم والمتابعة الدقيقة للشأن الثقافي والمساهمة في
تطويره ، كما أن الأمر يطرح علينا بقوة ونحن نعالج موضوع الثقافة وأوضاعها
الاجتماعية أن نضعها منذ البداية في قلب الحقل التواصلي على صعيد المجتمع ، وأن لا
يتجه اهتمامنا فقط إلى ثقافة مغربية محددة في إقليم سياسي تجسده ترابيا ومؤسساتيا
ما يسمى بالدولة القومية ، بل إننا نطمح أكثر من ذلك إلى ثقافة كونية شاملة ، على
الرغم من أهمية الثقافة الوطنية والقومية التي تنضح بالخصوصيات المتميزة .
وعلى مستوى المظهر الخارجي ، يبدوكما لو أن مفهوم الثقافة يجسد سوسيولوجيا
وأنتروبولوجيا بنية اجتماعية متجانسة ، يرافقها إرث مادي ورمزي جماعي لا غبار عليه
، ولكن ليس بنفس الوضوح ، وفي السياق نفسه صرح الكاتب السوسيولوجي " ألفين توفلر"
في بحث له بناء على طلب خاص من منظمة اليونسكو للثقافة " إن مجتمعا وطنيا متجانسا
على المستوى الثقافي ، هو بالتحديد ، مجتمع ضد الديمقراطية " حيث يذهب بعض الباحثين
المغاربة وطنيا إلى القول بأن المجتمع المغربي يعتبر منذ تاريخه العريق بلدا عربيا
، فارضين بذلك أحادية مطلقة على مستوى الثقافة واللغة ، مع إقصاء ذلك التنوع
الإيجابي والغني الذي يحبل به المغرب ، والذي يشكل صمام أمان قوي ، ورافدا من روافد
تحصين الهوية المغربية وتمتينها ، من قبيل العنصر: الأمازيغي والصحراوي والإفريقي
والأندلسي واليهودي ... سابحين بذلك حتى ضد تيار المكاسب الهامة التي تحققت بإنشاء
المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، وإقرار حرف تيفيناغ ، وإدراج اللغة الأمازيغية
في المنظومة التربوية والتعليمية ببلادنا ، وصولا إلى إعطاء الضوء الأخضر للمعهد
الملكي للثقافة الأمازيغية في مجلسه الإداري ، لمناقشة إدراج الأمازيغية كلغة رسمية
في الدستور.
ويحضرني في هذا الصدد رؤية لأحد المؤرخين الغربيين الفرنسيين : h.terrasse" " الذي
يذهب إلى اعتبار المغرب قد خدم الإسلام ودافع عنه على حساب شخصيته الأمازيغية
الأصلية ، وهي نظرة أحادية متسرعة تلتقي مع الموقف الأول السابق ، فالأمازيغ
تلقائيا وبمحض إرادتهم كانوا من المبادرين الأوائل إلى اعتناق الإسلام ، ومن أشد
المدافعين عنه ، إضافة إلى أن تعامل أمازيغ شمال إفريقيا مع الإسلام لم يكن أبدا
مبنيا على خلفية علاقة ذات طابع استعماري ، بقدرما كانت انسجاما متلاحما مع دعوة
دينية تنادي بالحرية والخير، وتنبني على مبدأ الكرامة والوحدة المناهضة للتمزق
والتطاحن ، والمشجعة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي .
وفي إطارا لدور الذي يلعبه دائما العامل الثقافي واللغوي في تطوير الأوضاع
الاجتماعية والاقتصادية وتنميتها ، مع ضرورة التشبث بالأصول الثقافية واللغوية
الوطنية ، فإننا نضع نصب أعيننا نموذج المغرب منذ حصوله على الاستقلال بعد أواسط
الخمسينات ، وهيمنة الثقافة الفرنسية بالنسبة لغالبية النخبة المغربية ، والتي
أصبحت أداة التواصل في الأوساط العلمية والميدان المالي والأعمال الإدارية ،
ومحاولة المغرب بعد التوتر الذي حدث في 1965 و1966 العمل على كسر هذا الاحتكار
الفرنسي ، والتوجه إلى الانفتاح على الدول الاشتراكية الشرقية ، وإبرام عدد من
اتفاقيات التعاون الثقافي والعلمي معها ابتداء من 1966 ، وبالنسبة للثقافة
الإسبانية فقد كان تواجدها ضعيفا في المنطقة الشمالية من المغرب ، نظرا للأوضاع
السياسية والاقتصادية المتردية التي كانت تمر منها دولة إسبانيا خلال عهد فرانكو ،
غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلا ، فقد تدعم لاحقا الحضور الثقافي واللغوي الإسباني
بالشمال من خلال مؤسساته التعليمية ، والمراكز الثقافية التي تسمى " سيرفانتس "
وحضور المتخصصين اللغويين الإسبان لدعم لغتهم وتشجيعها ، وخاصة في المنظومة
التربوية المغربية .
إن ما يهمنا في تحليلنا للثقافة ، ليس فقط وصف أوضاعها ، أو تتبع تنظيمها على مستوى
التحديد الكرونولوجي ، ورصد صخبها في المهرجانات ، وحجمها كمعطيات حسابية ، لأن
الثقافة لا تشتغل بطريقة الأرقام ، فالذي يهم بالدرجة الأولى هو الثقافة ذاتها ،
وبعدها بشكل أساسي الحقل الثقافي ، بمعنى سياسة التدبير الثقافي لا التعبير الثقافي
فقط ، بل الطرق والوسائل والتقنيات التي يتم عبرها وضع خطة قواعد الممارسة
الاجتماعية والسياسية داخل الحقل الثقافي مع توضيح آليات وقنوات توزيع الثروة
والتراث الثقافيين .
وهناك دراسات تحسم بكون الثقافة المغربية تنتمي في جزء كبير منها إلى الماضي لا إلى
الحاضر، وهي أفكار صحيحة مسلم بها ، فالمجتمع المغربي مجتمع موغل في ما هو تقليدي ،
وفي نفس الوقت لا يزال فتيا ، وقد عاش مرحلة بوارق التحديث اليبرالي الأول أثناء
فترة الحماية ، وما قبلها بقليل ، عندما بادرت الأنتلجانسيا المغربية المتنورة ،
وخريجي جامعة القرويين من العلماء والمثقفين إلى وضع دستور 1908 ، وضمنهم الزعيم
التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي المنحدر من شمال المغرب ، في حين بدأت المرحلة
الثانية من التحديث منذ الاستقلال الذي يمر على تحققه ما يزيد عن خمسين سنة .
ولابد من الإشارة أن وزارة الثقافة ليست المسؤولة وحدها عن معضلة الكتاب والقراءة
ومشكل القراء في المغرب ، بل يتعلق الأمر بخيارات سياسية واجتماعية ، وإرث سيكولوجي
ولساني ، لغوي و بيداغوجي ثقيل ما فتئ يرخي بكل أعبائه على صدر الثقافة المغربية ،
ولاشك أيضا أن للموضوع علاقة وثيقة بواقع المؤسسة التربوية والتعليمية في بلادنا ،
وفي هذا الصدد نجد أنه من المشروع جدا السؤال عن المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم
الممتد من سنة 2009 إلى 2012 ، وعن مدى إمكانية مساهمته بالفعل في حل بعض من أطراف
هذه الإشكالية الثقافية ، لارتباطها بمصير ومستقبل بلادنا ؟
ولن يكون من الغريب في شيء ، أن نجد بعض الدراسات في فرنسا ، تنص على إمكانية أن
تكون الثقافة بديلا عن السياسة في معالجة المشاكل والأزمات العالمية ، ويشكل هذا
المفهوم عاملا قويا وجديدا في العلاقات الدولية ، يتمثل في إعلان الحق في الثقافة و
الحق في المبادلات الثقافية ، والنتيجة التي توصلت إليها هذه الدراسة ، كون أن
السياسة بوحدها لن تستطيع أن تحل جميع مشكلات الشعوب ، فلابد إذن أن تساعدنا
الثقافة في الحلول المبحوث عنها ، والسعي نحو تطوير العلاقات الثقافية وتبادل القيم
الثقافية بين الدول ، وليس بالضرورة فرض حرب ثقافية وحضارية في المستقبل بين هذه
الشعوب ، كما يذهب إلى ذلك صامويل هنتنغتون الأمريكي في نظريته الخاطئة .
ومن هنا فبلدنا المغرب ، من الأحسن أن لا يبقى مجرد متلقف ومستهلك للثقافات
الأجنبية ، دون تمكنه من إغناء ثقافته وتطويرها ، والعمل بعد ذلك عندما تتهيأ
الشروط على تصدير ثقافته الوطنية ، والاتجاه من ناحية أخرى إلى الفعل والمساهمة في
إغناء الثقافة الكونية والإنسانية .
31.01.2011. 23:04
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب