سعيد العمراني : حول انحرافات الثورة الليبية
دليل
الريف : بروكسيل/سعيد العمراني
إن ابرز ما ميز الثورة الليبية عن باقي ثورات دول المنطقة هو سيادة سياسة الانتقام
و التصفية الجسدية الخارجة عن القانون، كان أخرها تصفية العقيد معمر القدافي نفسه و
نجله المعتصم، وقبلها تصفية القائد السكري السابق للثورة.
فإذا كان كل الديمقراطيين في بقاع العالم ساندوا الطموحات المشروعة للشعب الليبي في
التغيير و التخلص من الحكم الفردي، باعتبار أن لا احد يمكن أن يقبل رئيسا يحكم
ليبيا لمدة 42 سنة بالحديد و النار، إلا أن مناضلي حقوق الإنسان و معهم الرأي العام
الدولي بقوا مذهولين أمام الصور و المشاهد المرعبة التي تناقلها جل وسائل الإعلام
الدولية و ما صاحبها من تصفيات جسدية خارجة عن القانون و التمثيل بجثت القتلى. مما
يعني أن الثورة الليبية لبست لباسا انتقاميا، و بدأت تستعمل نفس أساليب معمر
القدافي الذي كان يسب علانية الليبيين و يتهموهم بالجرذان و العملاء...الخ.
ثورة الانتقامات
انتقام القدافي من الثوار: فمنذ بدايات الثورة، وعد القدافي المنتفضين سلميا بتطهير
ليبيا منهم شبر شبر، و ملاحقتهم دار دار، إذ كان مستعدا على تدمير ليبيا و ثوارها
بكل ما أوتيت له من قوة.
انتقام الغرب: إن سرعة تدخل الغرب في شخص الحلف الأطلسي كان حاسما لقلب موازين
القوى لصالح الثوار. فتدخل الغرب لم يكن دافعه إنساني بحث، و لو كان كذلك لتدخل
الحلف الاطلسي في الصومال و اليمن و البحرين و سوريا. إن تدخل الغرب كان يحمل في
طياته أحقاد تراكمت من جراء سياسات و مناورات معمر القدافي المبنية على اللا وضوح و
المشاكسة للغرب و عرقلة مصالحها في أفريقا و أمريكا الجنوبية و اتهامه بمعاداة
سياسات الغرب مما كلفه سنوات من الحضر بسبب حادثة طائرة لوكيربي مثلا.
انتقام أعضاء المجلس الانتقالي
إن جل أعضاء المجلس الانتقالي الليبي، هم من الخدام الأوفياء السابقين لآل القدافي.
فمنهم من همش، و منهم من طرد و منهم من عوقب. و أمام الفراغ السياسي الناتج عن غياب
أي تاطير سياسي للشارع الليبي، فان المنشقين عن النظام و على رأسهم مصطفى عبد
الجليل، لعبوا دور المؤطر السياسي للثورة في غياب أي بديل اخر.
انتقام الشعب: إن أغلبية الشعب الذي عانى من سياسة الإقصاء و القتل و الجهل و
التهميش، و جد نفسه أمام فرصة تاريخية للانتقام من أسرة آل القدافي مما جعل البعض
يسرق حتى الأغراض الشخصية للقدافي و كتائبه و ما تجريد القدافي من ملابسه و خاتمه
الشخصي لخير دليل على ذلك.
من يزرع الريح يحصد العاصفة
إن الطريقة الانتقامية التي صفي بها القدافي، تدل بكل وضوح بأنه أدى ضريبة طريقة
تدبيره لليبيا و سياساته التجهيلية و الاستبدادية لمدة 42 سنة. إن منع الأحزاب و
النقابات و الجمعيات لا تنتج إلا الجهل و الرأي الواحد المبني على فلسفة الحقد و
الكراهية و الدمار. بمعنى أن طريقة تصفية القدافي و ابنه المعتصم و التمثيل
بجثتيهما لا يمكن فهمه إلا في سياق انتشار الجهل و عدم التسامح و غياب ثقافة حقوق
الإنسان لدى المواطنين. و هذه الأفعال هي أفعال إجرامية يعاقب عليها القانون
الدولي. كما قد تكون أيضا من أفعال أشخاص مؤطرين بإيديولوجية القاعدة. و ما يفسر
هذا هو أن احد ابرز القادة العسكريين للثورة متهما من طرف العديد من وسائل الإعلام
الغربية بأنه كانت له علاقات بالقاعدة.
إن طريقة التصفيات الجسدية المتبادلة بين الثوار و نظام القدافي المنهار أمر مدان و
يجب محاربته بكل قوة. فأي قانون في الدنيا - إلا قانون الغاب- يشرعن تصفية خصم و
عدو أسير؟
هل يمكن معالجة أخطاء القدافي بأخطاء مماثلة و بنفس البشاعة ، من طرف أولئك الذين
أتوا لتحرير ليبيا من الديكتاتورية؟؟؟؟؟؟؟؟
خطاب التحرير
كنا نعتقد بان بعد عقود من المعانات و القهر قد تتجه كلمة مصطفى عبد الجليل
في خطاب التحرير، نحو تأسيس دول مدنية، يحترم فيها التعدد الفكري و السياسي و
الثقافي و اللغوي و العقائدي للشعب الليبي. و تحترم فيها الحقوق الإنسان كما هو
متعارف به دوليا و على رأسها احترام الحق في الحياة، لكن خطاب التحرير لرئيس المجلس
الانتقالي الليبي جاء صادما، ففي الوقت الذي كان ينتظر منه أن يتحدث عن كيفية صياغة
الدستور الجديد و كيفية بناء دولة المؤسسات، و عن تصور دولة الثورة لتدبير الثروات
الوطنية و سياساته الاقتصادية و الاجتماعية المقبلة، فوجئ الليبيون و معهم الرأي
العام الدولي ، بتقزيم أهداف الثورة لجعلها تكتفي بالسماح بتعدد الزوجات و ان
الشريعة الإسلامية ستكون مصدر التشريع في ليبيا.
إن جعل أول خطاب التحرير يقتصر على تعدد الزوجات، بعد آلاف الشهداء و الجرحى و
المعطوبين يعد انحرافا خطبرا وجريمة في حق الثورة. كما أن فتاوى عبد الجليل و فرضه
أسلوبا للحكم قبل اللجوء إلى انتخابات حرة و ديمقراطية، يعد استمرارا لثقافة
القدافي في تدمير الحكم لكن هذه المرة بكتاب احمر و ليس بكتاب اخضر.
الثورة الليبية إلى أين؟
بعد القضاء على القذافي و نظامه، نعتقد أن ليبيا الجديدة لا يمكن لها أن تخرج من
سيناريوهات ثلاثة:
السيناريو الأول: و هو السيناريو الأكثر احتمالا هي سيادة الفوضى و سياسة
الانتقامات على الطريقة الأفغانية و العراقية و الصومالية. و هذا السيناريو يبرره
تدمير الجيش الليبي و الأجهزة الأمنية و كل مؤسسات الدولة الليبية و بنياتها
التحتية.
السيناريو الثاني: و هو السيناريو لا يختلف كثيرا عن السيناريو الأول، و يكمن في
امكانية دعم المجلس الانتقالي الحالي من الغرب في مواجهة الإسلاميين المؤطرين
بإيديولوجية القاعدة. و كان واضحا من طريقة تدبير الحرب من طرف المجلس الانتقالي،
إذ كان لا يقوم إلا بتوفير الغطاء السياسي للثوار الميدانيين. و هذا العمل كلف
المجلس الانتقالي توقيع شيكات على بياض للغرب لاستغلاء آبار النفط الليبية.
السيناريو الثالث: و هو السيناريو الديمقراطي، أن يشرع اليوم في التحضير لمجلس
تأسيسي لصياغة دستور جديد يجسد التضحيات الجسيمة للليبيين و يساهم في صياغته كل
الليبيين بتعدد لغاتهم و قبائلهم و أديانهم المختلفة عبر أجراء مصالحة حقيقة تتجاوز
مخلفات الماضي و سياساتها التدميرية، ثم الالتجاء إلى صناديق الاقتراح.
و في انتظار ذلك نظم صوتنا إلى المنظمات الحقوقية الدولية المطالبة بفتح تحقيق حول
التصفيات الجسدية في ليبيا الثورة من أي جهة كانت.
25.10.2011. 01:34
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب