حول حكاية الاستثناء المغربي
دليل
الريف : محمود بلحاج
في خضم اندلاع الثورة في كل من تونس ومصر، وامتدادها في ما بعد إلى ليبيا والبحرين واليمن وسوريا برز الحديث في الوسائل الإعلام الدولية، ومنها العربية بالخصوص، عن "الربيع العربي"، بينما برز الحديث في بلادنا بعد ظهور حركة عشرين فبراير المباركة عن " الاستثناء المغربي" ، ومفاده أن الوضع المغربي في مجمله يختلف عن الوضع السائد في البلدان التي اندلعت فيها الثورة، ومنها دول تامازغا (= شمال أفريقيا)، وخاصة على المستوى السياسي والديمقراطي والحقوقي، فما حقيقة هذا الادعاء؟.
وكنتيجة لهذا الوضع- أي نتيجة الوضع " الاستثنائي" الذي تعيشه بلادنا - مقارنة مع الوضع " العربي" برمته في نظر القائلين بهذا الكلام، فإن مسألة اندلاع الثورة في بلادنا على غرار ما حدث في بلدان شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط، غير واردة بالمرة. لكن أين تكمن المعضلة في عدم قيام الثورة في بلادنا، هل في عياب شروط قيامها (= الثورة) أم أنها تكمن في الوضع " الاستثنائي" لبلادنا كما يقال؟.
وزيادة على هذا، هل يشكل الوضع المغربي الراهن بالفعل " استثناءا " أم أنه مجرد خطاب لا أساس له من الصحة؟ وما هي سمات هذا الاستثناء إذا كان موجودا بالفعل؟.وإذا كان الوضع المغربي يشكل الاستثناء في المنطقة " العربية " فلماذا يرتعش المخزن من احتجاجات حركة عشرين فبراير؟.
وربما، من المفيد الإشارة في البداية إلى أمرين أساسين في الموضوع، أولهما هو أنه من الناحية الشكلية يمكن لنا بالفعل الحديث عن شيء اسمه " الاستثناء المغربي"، وهو استثناء بكل المقاييس والمعاير، فليس هناك مجال للمقارنة بتاتا بين الوضع السياسي والحقوقي والديمقراطي بين المغرب وليبيا والسعودية والسودان وسورية وتونس والجزائر وموريتانيا وغيرها من الدولة التي تسمى تعسفى بالدول العربية، أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فلا نرى اختلافا جوهريا وعميقا، وبالتالي لا يمكن لنا الحديث عن الاستثناء، فالوضع بشكل عام متشابه جدا إلى أقصى التشابه والتطابق أحيانا، سواء على مستوى ارتفاع البطالة والأمية والأجرام والزبونية وغيرها من الظواهر الاجتماعية. وثانيهما هو أن مقارنة الوضع السياسي أولا، وحجم التطور الديمقراطي والحقوقي في بلادنا ثانيا، مع الوضع في كافة الدول " العربية "( باستثناء لبنان والأردن والكويت) هي مقارنة غير موضوعية وغير صائبة نهائيا في اعتقادنا. فالوضع المغربي رغم كل مظاهر الفساد السياسي والأخلاقي والمالي والإداري الذي قد يلاحظه ويسجله المرء عليه (= الوضع المغربي) يظل متقدم جدا من الناحية السياسية والقانونية والمدنية مقارنة مع وضعية باقي دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط ، فعلى سبيل المثال فقط هناك فرق شاسع جدا بين واقع الحرية والديمقراطية والمساواة بين المغرب والسعودية والسودان وليبيا وغيرها من الدول. يمكن ملاحظة هذا الأمر في عدة أمور ومنها: وضعية حرية التجمع، وحرية الصحافة، وحرية العمل النقابي، وحرية العمل السياسي، وكذلك وضعية المرأة والأجانب وغيرها من المجالات، ففي بلادنا مثلا تتوفر المرأة والأجانب على وضعية متميزة مقارنة مع وضعية المرأة والأجانب في السعودية واليمن والصومال وليبيا وقطر والبحرين ..، كما أن النظام السياسي في بلادنا رغم طبيعته الاستبدادية، فانه يوفر مجال لا باس به للتباري السياسي بتعبير المرحوم عابد الجابري، وهذا ما لا نجده في معظم الدول " العربية " بما فيها تلك التي تعتبر نفسها علمانية وتقدمية، ومنها ليبيا وسورية والجزائر والعراق سابقا.
علاوة على هذا ينفرد الوضع المغربي بوجود حراك سياسي واجتماعي مستمر مند فترة الاستقلال الشكلي سنة 1956 إلى الآن، فجميع القطاعات والمجالات الحيوية في الدولة والمجتمع المغربي ( الأطباء، الأساتذة، الطلبة والنقابات ..) تشهد تحركات احتجاجية مستمرة غير موجودة في معظم بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، هذا رغم شراسة القمع الذي تعرضت له القوى الديمقراطية المغربية خلال العقود الماضية، كما أن طبيعة النظام السياسي الموجود في بلادنا وطبيعة تكوينه السياسي والمدني جعلته ينفتح على المتغيرات التي يشهدها المجتمع المغربي من جهة، والمجتمع الدولي من جهة ثانية.
الأكيد، إن الوضع السياسي والحقوقي في بلادنا عرف تطورا ملحوظ خلال بداية العقد الأخير من تاريخنا المعاصر، هذا بغض النظر عن الظروف والسياقات الوطنية والدولية التي ساهمت في تحقيق هذا التطور الملحوظ كما قلنا، وهو ما جعله يحقق مجموعة من الانجازات والمكتسبات الحقوقية، ومنها إطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفيين. ومن جانب آخر تم توسيع هامش الحريات؛ خاصة حرية الصحافة، وإعادة الاعتبار للغة والثقافة الأمازيغيتين، وتعديل مدونة الأسرة وغيرها من الأمور التي نسجلها بايجابية رغم تحفظنا على بعض التفاصيل والجزئيات.
وفي سياق محاولة توطيد هيمنته المطلقة؛ أي هيمنة المخزن، على كافة المجالات والميادين، وخاصة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والمدني بادر المخزن "الجديد" بإطلاق مجموعة من المشاريع السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية القاضية إلى بسط نفوذه الكاملة على الحياة العامة للمغاربة، نذكر منها على سبيل المثال فقط تأسيسه: هيئة الإنصاف والمصالحة، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للمهاجرين وغيرها من المجالس والهيئات التي أسسها المخزن من أجل امتصاص غضب الجماهير، بل وتمييع النضال الديمقراطي إن لم يستطيع احتواه والتحكم في مجرياته كما هو الحال مع الأمازيغية والهجرة. غير أن فشل هذه المشاريع في تحقيق الأهداف التي من اجلها وجدت أدت مع مرور الأيام / السنوات إلى عودة المخزن إلى طبيعته القديمة والجديدة معا، المتمثلة في الاعتقالات والمنع والعنف وفتح معتقلات سرية جديدة، وعلى صعيد آخر تم إغراق المشهد الحزبي بالمزيد من الأحزاب الإدارية. (انظر في هذا الصدد التقرير السنوي الصادر عن منشورات وجهة نظر تحت عنوان: حالة المغرب 2007 – 2008).
على ضوء هذه المعطيات، السالفة الذكر، هل يمكن لنا الحديث عن " الاستثناء المغربي" ؟ والى متى سيصمد هذا الحديث/ الخطاب أمام حقيقة الوضع القائم في بلادنا على جميع المستويات والأصعدة، خاصة أننا نلاحظ ارتفاع سقف مطالب حركة عشرين فبراير؟.
وخلاصة القول، نعتقد أن الملك قد ضاع فرصة تاريخية في انضمامه إلى صفوف الشعب المغربي، والى صفوف الجماهير التي كانت تنادى بإسقاط الحكومة( الفاقدة للشرعية أصلا) ومحاربة الفساد فقط، قبل أن تطالب بإسقاط النظام، لكنه( = الملك) اختار الانحياز إلى صفوف النخبة القديمة التي يطالب الشعب برحيلها من المشهد السياسي، وهذا الاختيار يجعل كل الاحتمالات واردة في المستقبل.
محمود بلحاج/ فاعل أمازيغي
للتواصل: www.tifawin@hotmail.com
17.09.2011. 19:49
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب