مواطن درجة ثالثة
دليل
الريف : محمد جوهرتي
بين الكفر والإيمان شعرة ، وبين السلم والحرب شعرة ، وبين الخير والشر شعرة ،
وبيننا وبين الديمقراطية شعر كثيف ، إذ أن المواطن في بلادنا طبقات ، مواطن فوق
المواطنين ، أولئك ما أكثرهم ، تعرفونهم بسيماهم ، ببطونهم الممتلئة وكروشهم الضخمة
وملامحهم التي لا تعرف النور ، أولئك لم يخلق القانون لأجلهم ، يسنون القوانين
بالطريقة التي تلائمهم ، يعيشون غالبا في الظلام ، لا يدفعون الضرائب ، يحتكرون كل
شيء ، والقانون لا يطبق عليهم .
طبقة المواطن الموظف الذي يرزح تحت ثقل الديون ، أولئك الفخورون بوظائفهم ومداخيلهم
، ورواتبهم الهزيلة ، يهرعون الى النظام ولا يهرع هذا الاخير اليهم ، يدفعون كل
الضرائب ، يعيشون حياة وسطا بين البساطة والرغد ، ويمشون على الأرض مرحا .
شبه مواطن أنا ، أضرب في بلدي ، أصفع على يد رجال أمن بلدي ، أهان من مسؤولي بلدي ،
أنام على الرصيف ، أعيش الفقر والعوز والجوع والعطش ، أنا المواطن الثالث ، أنا
الذي وضع القانون ليسوسني ، أنا الذي أضرب بالهراوات في الشوارع ، وأقمع في
المظاهرات ، أنا الذي تكسر أسنانه إن فتح فمه بالصراخ ، أنا الذي نخر البرد جسدي ،
وجسد بلدي ، خيراتي منهوبة ، وثرواتي مقسومة ، ودرجتي في الحياة مواطن درجة ثالثة .
أنا الذي ينكل بي في كل مكان لمجرد أنني من الريف ، الريفي ديرو وراك ومديروش قدامك
، أو كما يقولون ، ما أبعد الريف عما يقولون يحز كثيرا في النفس أن نكون أحرارا ،
ممتهنين ، ما معنى أن تهان أم وأطفالها في عقر دار السلطة؟
ما معنى أن تطرد مواطنة من حرم السلطة شر طردة ، وأن ينكل بها وتشتم
وترمى لخارج مقر الباشوية؟
ما الباشا؟ ما الوالي؟ ما الوزير ؟ ما الحاكم إذا لم يكن في خدمة المواطن
والمواطنين؟ قال هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، صدقنا يظهر في تآزرنا ، في تلاحمنا
، في يدنا الواحد في قبضات سواعدنا الفتية ، برهاننا يتجلى في مئات الحناجر الشابة
المدوية وسط صمت ليل الريف الشامخ ، نحن أحفاد محمد بن عبد الكريم الخطابي لم نأتي
إلى هذه الدنيا عالة عليها ، لنا حقوق في هذه الأرض قبل الباشا وأعوان المخزن ، لنا
جذور ضاربة في التاريخ ، وعلم المغرب الأحمر صبغ بدم الشهداء الذين وهبوا حياتهم
لمجد وعلياء هذه الأمة ، ضحوا بالغالي والنفيس كي لا تهان كرامة أمي وأمك في
الشوارع ، كي لا تراق دماءنا سهلة ، كي لا تحرق جثثنا وترمى في الأبناك ، تعددت
الأسماء والموت واحد ، إذا مات الأب فدا وطن ما أحلى عيش الأيتام.
سامحني أيها الريف ، سامحني واسمح لي أن أقبل تراب أرضك الندية ، ما زال فيك خير
كثير ، وما زلت أفتخر بأبناءك يجولون المدينة عند الفجر أفواجا أفواجا ، بحناجهم
المدوية وأصواتهم الفتية ينشدون والعصافير فجر يوم جديد من أيام رمضان ، بطعم الحب
والإخاء والروح الواحدة ، أصابتني قشعريرة البارحة وأنا أسمع أحدهم يصرخ : هل ستنام
هذه الأم وحيدة في الشارع هذه الليلة؟
عشرات الغاضبين صرخوا : أبـــــدا ...
هنا أبتسم ، ما زال فيك خير يا بلدي ، ومازال شبابك على العهد
27.08.2011. 20:45
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب