مشكل الهوية و الاندماج عند الشباب من أصل مغربي بأوروبا
دليل الريف : سعيد العمراني /
بروكسيل
لم تعد الهجرة المغربية في أوروبا تقتصرعلى الشباب القادم من المغرب فحسب،
فبالرغم من استمرار نشاط الهجرة السرية، بل أصبحت الهجرة المغربية تتوالد داخل
بلدان الإقامة، إذ أصبحت بعض الدول تعرف جيلها الرابع كفرنسا وبلجيكا مثلا. فإذا
كان الشباب القادم من المغرب يبحث عن الاستقرار بدءا من تسوية وضعيته القانونية، و
وصولا إلى بحثه عن الشغل والسكن و العيش الكريم فان الشباب من الجيلين الثاني
والثالث تختلف أوليا تهم جذريا عن القادمين من المغرب. باعتبار أن مشكل الاستقرار
لم يعد مطروحا بالنسبة لهم، بل أصبحت الأغلبية منهم تحمل جنسية بلد الإقامة. لكن
الشيء الغريب هو أن هؤلاء يحذوهم أحاسيس خاصة بهم، فكثيرا ما يعبرون صراحة بأنهم
يشعرون بالغربة سواء في بلدان الإقامة أو بلدهم الأصلي. بل يعتبرون أن الجيل الأول
لا يعاني إلا من غربة واحدة، فهم مهاجرون فقط في بلدان الإقامة، أما هؤلاء الشباب،
فهم غرباء هنا وهناك ، إذ يشعرون ب"الحكرة"، نظرا لما يتعرضون له من عنصرية و تهميش
وإقصاء متعمد أحيانا في بلدان الإقامة، بالرغم من انهم أجيال ولدوا في هذه البلدان
وترعرعوا فيها، و درسوا في مدارسها ويحملون جنسياتها، كما انهم أيضا يشعرون بنفس
الشعور كلما وطئت أقدامهم ارض أجدادهم (المغرب)، حيث ينعتون بنعوت تكرس ذلك الإحساس
بالنقص، ك "أصحاب الخارج " أو "ازماكرية" أو "ماشي مربيين" أو "امفشحين" أو "جالوق"...الخ.
أضف إلى ذلك تعامل بعض الإدارات المغربية و تعقيداتها وكذا تصرفات بعض رجالات شرطة
الحدود التي تكرس لهم صورة الغرباء قي بلدهم المغرب و الذي له قوانينه وتقاليده و
سننه السلبية منها و الإيجابية.
إن ما يوحد كال الأجيال الأول والتاني و الثالث، مهما بلغت درجات اندماجهم في بلدان
الإقامة، هو شعورهم بالغبن و الغربة ناهيك عن معاناتهم مع العنصرية و التهميش.
فالعنصريون لا يفرقون بين الأجيال آو بين مستواهم الدراسي، الثقافي و المعرفي أو
بين المندمج منهم و الغير المندمج، بل يعتبرون كل من له لون أو شعر اسود وكل من
يحمل اسما غير أسماء أبناء عيسى هم دخلاء و يجب طردهم بل التضييق عليهم باستمرار في
مقرات عملهم وتهميش أدوارهم السياسية و المهنية. إلا أن هذه المعانات كثيرا ما
تتحول إلى مصدر قوة و خاصة عندما تتوحد كل هذه الأجيال لمواجهة العنصريين فكريا،
سياسيا و نضاليا، وبذلك يفتخرون بوحدة الانتماء بالرغم من تعدد تجاربهم.
إذا كان الجيل الأول يعانى من مشكلة اللغة و الاندماج لكن أجيال الشباب من اصل
مغربي لهم مشاكل ذات نكهة خاصة. فحسب تعبير المختصين فان هذه الأجيال يعانون من
مشكل "الهوية و الانتماء"، و يفتقدون إلى مرجعية فكرية و دينية و ثقافية. فهم
مغاربة لان أجدادهم كذلك، لكن هم أيضا أوروبيين، لأنهم يتكلمون لغاتها، و ولدوا
فيها و يعيشون فوق أراضيها ، يدرسون في مدارسها و يشتغلون في معاملها ويشاهدون
برامج تلفازها و يدخلون مسارحها...الخ.
إن التناقض بين تربية الأباء وما يتعلمونه في المدارس و الشوارع، يشكل أم المشكلات
بالنسبة للأجيال الجديدة. ففي المنازل كل شيء مصمم على الطريقة المغربية التقليدية
من ديكور إلى فصل بين الذكور و الإناث، وسيادة سلطة الأب ثم الذكور، أما في المدارس
فان قوانين البلد هي المتحكمة، بكل ما تحملها من ضوابط و أدوار تربوية منها و
الجزرية، تصل أحيانا إلى منع حمل "الفولارة" أو الحجاب في المدارس و الوظائف
العمومية بالنسبة للفتيات المتحجبات مثلا، كما يصل إلى حد تطبيق "العقوبة المزدوجة"
على الشباب من اصل مهاجر. هذه الوضعية تربك اختيارات الطفل و نموه الفكري و
العقائدي. الشيء الذي يؤدي بالعديد منهم إلى وقف الدراسة في مهدها أو التمرد على
الآباء. يضاف إلى هذه المشكلة سياسات بعض الدول التي تحشر أبناء المهاجرين في "غيتوهات"
أو مدارس خاصة بهم كمؤسسات التعليم المهني مثلا.
في خضم تكون شخصية الطفل و نموها، فان هذا الأخير يبقي محتاجا إلى توجيه و تاطير.
إن التناقض الحاد بين العائلة و المدرسة، يدفع بالطفل و خاصة عندما يصل سن المراهقة
إلى البحث عن مرجعيات أخري لإشباع رغباته و غرائزه الفكرية منها و السياسية.
فبالرغم من الأدوار التي تلعبها بعض الجمعيات لمساعدة هؤلاء الشباب، والتي كثيرا ما
تقوم بأدوارمهمة، كتقوية الدروس و تنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية
...الخ، فإنها تبقى غير كافية لتلبية كل رغبات الشباب وطلباتهم، كما يصعب عليها
أداء دور غير أدوارها و ملئها للفراغ الروحي و المادي لهم. لذلك فكثيرا ما يكون
هؤلاء الشباب عرضة لبعض الممارسات الشاذة كالادمان المخدرات و غيرها. كما يقدمون
أنفسهم كضحايا مجتمع لم يختارونه هم بأنفسهم، الشيء الذي يدفعهم أحيانا للحقد على
الجميع، بما فيهم المغاربة القادمين من المغرب إذ يعتبرونهم منافسين لهم.
و كثيرا ما تكون للصدف أدوارا حاسمة في تحيين شخصية الشباب. لملئ فراغهم الروحي
عندما يلتجئ البعض من هؤلاء الشباب إلى بعض المساجد. وأمام غياب التاطبر الديني
يصبح هؤلاء الشباب عرضة لأفكار التطرف القادمة من الشرق العربي. فالعديد من الشباب
يحاولون إيجاد مبررات لتهميشهم في بلدان الإقامة إلى ما يقع في الشرق الأوسط
ويحاولون إيجاد الحلول لها في فلسطين و العراق بدل الاشتغال مع منظمات المجتمع
المدني الأوروبي وأحزابها الديموقراطية لمناهضة كل أشكال التهميش و الإقصاء
والعنصرية. و هذا لا يمنع في أي حال من الأحوال حق التضامن مع الشعوب المضطهدة
أينما كانت.
05.01.2010. 17:57
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب