الرسائل المتضمنة في الإجراءات التي طالت عددا من مسؤولي الحسيمة
دليل
الريف : صحف
ما لم يستوعبه كثيرون في الإجراءات التي طالت عددا من المسؤولين في الحسيمة هو أن
الأمر لا يتعلق برد فعل غاضب إزاء ما تناهى إلى علم السلطة العليا، وإنما يجسد
مفهوما جديدا في التعاطي مع ما يختلج في نفوس الرأي العام، أي الاقتراب أكثر إلى
الواقع الذي يحاول البعض أن يخفيه بالمساحيق. حين يكون هناك واقع سياسي أو اقتصادي
أو اجتماعي يجري التستر عليه، ضمن ما يعرف ب«مؤامرة الصمت»، فإن مخاطر هذا التستر
الذي يشبه الإيحاء بأنْ لا غبار تحت السجاد، تكمن في ترسيخ اليأس والحد من الآمال
والطموحات. ودور الحكومات الديمقراطية المنبثقة من صناديق الاقتراع أن تميط اللثام
عن ذلك الواقع، مهما كان مأساويا ولا يبعث على الارتياح، لا أن ترش المساحيق وتستظل
تحت الهواء المكيف، هروبا من حرارة الشارع الملتهبة تحت الشمس. ومن غير المفهوم أن
يكون مسؤولون كثيرون تعاقبوا على الحسيمة، دون اللجوء إلى دق ناقوس الإنذار...
ثبت من خلال الإجراءات الجريئة التي اتخذت لمعاقبة المسؤولين الذين أخلوا بالواجب،
أنْ لا وجود بعد اليوم لاحتكار القرار مركزيا، فأبعد منطقة عن العاصمة الرباط هي
أقرب في الواقع إلى عقول الناس، وهم يعاينون نهاية فترات التمييز بين الأقاليم،
وربما لهذا السبب اتخذ القرار في مدينة طنجة ليشمل تغيير واقع مدينة ساحلية أخرى هي
الحسيمة، على الامتداد المتوسطي للضفة الجنوبية للبحر الأبيض، فالمكان هنا له
دلالات بالغة أقربها أن البعد أو القرب إلى العاصمة لا يكون بالمسافة، وإنما
بالقدرة على الامتثال لواجب المسؤولية.
وقد آن الأوان لإعادة النظر في انتشار الموظفين العاملين في مختلف الإدارات على
معيار الكفاءة والنزاهة، وليس المواقع التي يردد عامة الشعب أنها تباع وتشترى، حسب
قربها أو بعدها عن مناطق تهريب السلع والمنتوجات المختلفة.
نحن الآن بصدد تكريس مفهوم جديد لعلاقة الإدارة بالمواطنين، وحين تحدث «هزة» مثل
تلك التي عرفتها الحسيمة، فإن ذلك يعني أن الرأي العام بات واقعا ملموسا وأن نجاعة
القرار تقرن بمدى الاستجابة لمطالبه وتطلعاته، وليس بالقرارات الإدارية التي
تُتَّخذ في الغرف المكيفة. وما من شك في أن الارتياح الذي خلَّفه القرار يتجاوز
نطاق إنصاف السكان المتضررين من نفوذ الموظفين الفاسدين، نحو إعادة الاعتبار لمفهوم
الرأي العام، الذي يشكل الإحساس بما يخالجه أعلى درجات المسؤولية والأمانة.
سيكون مثال الحسيمة رادعا لا شك في ذلك، غير أن الأهم ليس هو الانشغال بسقوط أسماء
ووجوه، لأنه لو لم يكن هناك من يحمي هؤلاء المسؤولين الفاسدين، لما استمروا في
عبثهم. فالمسألة تشبه العلاقة المتداخلة بين الراشي والمرتشي، وقديما قيل إن لم يكن
هناك من يقدم الرشوة، لما كان هناك من يقبضها، غير أن العبرة في استخلاص الدروس لا
تكون بتبريرها، بل برفع الأسباب التي تصنعها، فالمواطن المسكين الذي يضطر إلى تقديم
رشوة لموظف ما، يفعل ذلك من أجل أن ينجز ذلك الموظف وثيقة أو إمضاء أو ما شابه ذلك،
وبالتالي فإن الاستخفاف بواجب المسؤولية هو مصدر الداء في تفشي الفساد، سواء كان
كبيرا في حجم إبرام الصفقات غير القانونية وتوزيع الغنائم على الأهل والأقارب، أو
من خلال استشراء مظاهر استغلال النفوذ التي تجعل الأصابع تشير إلى مسؤولين كانوا،
قبل توليهم المسؤولية، لا يملكون قوت يومهم وأصبحوا أثرياء انضموا إلى نادي كبار
الأغنياء، في ظرف وجيز. أبعد من قرارات الإقالة والمتابعة القضائية التي ستعطي معنى
قانونيا لتلك الإجراءات أننا بصدد تجربة جديدة، لن تكتمل معالمها دون الانتقال إلى
إشراك الرأي العام في صنع القرارات، فقد انبرت أقلام للحديث عن ظاهرة العزوف عن
الإقبال على صناديق الاقتراع، لكنها توقفت عند جوانب حزبية وسياسية ولم تنفذ إلى
عمق الأشياء، ومن ذلك أن فقدان الثقة الذي يتم التعبير عنه عبر العزوف الانتخابي
مصدره عدم معاينة ثمار الممارسات الديمقراطية، لكونها ليست انتخابات وخرائط
وبرلمانات وغرفا مهتمة ومجالس محلية فقط، ولكنها رافد محوري في نقل ما يفكر فيه
الناس وما يريدون تحقيقه من وراء خيار التداول على السلطة، طالما أنه الخيار الذي
لا يوجد بديل عنه في الفكر السياسي الذي انبثق عن صانعي المذاهب والنظريات. وحين لا
يعاين الرأي العام تلك التمارين التي يفترض أن تنعكس إيجابا على حياته العامة، فإن
ثقته في الديمقراطية تنحصر وتتراجع، وبالتالي فإن الإعداد الحقيقي لأجواء الممارسات
الديمقراطية الحقة يكمن في اختيار النخب المناسبة التي تتولى تدبير الشؤون المحلية
وتمارس على صعيد المؤسسة التشريعية مسؤوليات كاملة في رقابة العمل الحكومي.
اليوم يبدو جليا أنه لا المجالس المنتخبة ولا المؤسسة التشريعية ولا الجهاز
التنفيذي قامت بواجبها حيال الممارسات التي تسيء إلى صورة البلاد وإلى العلاقة التي
يجب أن تطبع المعاملات بين المواطنين والإدارة. وهذا اختلال كبير في الأدوار يعيد
طرح إشكاليات الواقع الحزبي والممارسات السياسية وكذا دور الإدارة الذي يجب أن
يتكامل مع المفهوم الجديد للسلطة، الذي كان أبرز القرارات التي اتخذها الملك محمد
السادس بعد اعتلائه عرش البلاد.
في المغرب، لم تعد هناك عاصمة سياسية بالمفهوم التقليدي للعواصم ولم يعد تدبير
الحلقات يقتصر على الدراسات والتنظيرات، ولكننا صرنا بالضرورة أمام واقع متحرك آخر،
وإن لم يكن من نتائجه سوى الإطاحة بقلاع ظلت بمنأى عن المسألة وتقديم الحساب، فإن
ذلك يعتبر عنوانا لمرحلة جديدة، لم يعد فيها التعايش مع العناد والتساكن مع رموزه
واردا، وأي تأخير في فهم الآليات التي تحرك الرأي العام يبعد المسؤولين أكثر عن
الإحاطة بالمعاناة الحقيقية للفئات العريضة من الشعب، ولعل في القرار الصريح بأن
الروافد التقليدية لنقل هذه المعاناة والملفات والقضايا التي تشكل متاعب حقيقية
للشعب المغربي، في مقدمة الأسبقيات التي يتعين طرحها والعبر التي ينبغي
استخلاصها.
إن تعابير مثل «ّغضبة الملك» تخفي حقيقة أنه في السياسة لا مكان للغضب، بل هي
قرارات تفرضها المرحلة، استجابة لرغبات الفئات الواسعة من الشعب... وهذه هي
المنهجية الأقرب إلى تشكيل رأي عام حيوي ومتحرك، لا يسوده الخمول واليأس.. ومن الآن
يمكن أن نتحدث عن رأي عام جديد في طريقه نحو التبلور، وهو وحده القادر على وضع حد
لكل أشكال التسيب والاستهتار واستغلال النفوذ.
عن جريدة المساء
27.07.2010. 19:28
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب