حوار مع الدكتور محمد بودرا حول الأحداث الأخيرة بإقليم الحسيمة
دليل
الريف : حوار
س : ما هي آخر التطورات التي يشهدها الإقليم بعد الأحداث
الأليمة (20 فبراير)، هل عادت الأمور إلى وضعها الطبيعي؟
ج: أود في البداية أن أتقدم بشكري الجزيل إلى شبكة
دليل الريف على المستوى الجيد الذي أبانت عنه في التعامل مع كل ما يهم الريف
وساكنته. وجوابا على سؤالكم، أرغب في أن أوضح بأن الأمور لا شك أنها ستعود لمجاريها
الطبيعية؛ باستثناء وضعية الأمهات والآباء والعائلات التي رزئت في فقدان فلذات
أكبادها؛ وبالمناسبة أتقدم لكل هؤلاء بمواساتي وتعازي الحارة، راجيا من الله أن
يلهمهم الصبر والسلوان. الأمور المادية يمكن تعويضها لكن فقدان البشر لا يعوض. كما
أشير إلى أن هناك وثائق وملفات ببلدية الحسيمة ـ بعضها يرجع إلى عهد الحماية
الإسبانية عندما كانت تسمى "بيا سان خورخو" ـ تم إتلافها وإحراقها بطريقة هوجاء،
تحز في النفس حقيقة وتثير الكثير من الاستغراب، خاصة وأن الأمر يتعلق في نهاية
المطاف بإحراق لجزء مهم من ذاكرتنا وتاريخنا، وأنا أعي جيدا المشاكل التي ستعاني
منها العديد من عائلات ساكنة الحسيمة حينما ستلجأ إلى البلدية للحصول على وثائقها
فتواجه بالجواب: إنها أحرقت وأتلفت في اليوم المعلوم. فكيف سيكون رد فعلها؟
س : ما قراءتكم لما وقع بالحسيمة يوم 20 فبراير؟
ج: في تقديري الشخصي، هناك فئتان شاركت في هذه
المسيرة: فئة تعبر عن مطالب مشروعة وعادلة، ونحن نتقاسم معها العديد من الأمور. لكن
هناك فئة أخرى انتهزت الفرصة لأجل تصفية حساباتها، بحيث أن بعضها يصفي حساباته داخل
أجهزة الدولة، وبعضها مع الريف وأبنائه، وبعضها مع الأحزاب السياسية؛ كما أن البعض
حاول الانتقام من الانتخابات السابقة التي أفضت به إلى التهميش والتواري عن المشهد
السياسي المحلي؛ إضافة إلى أن البعض الآخر يشتغل وفق أجندة سياسية مع أجهزة داخلية
وأخرى أجنبية؛ دون أن نتناسى أن هناك أفرادا ناقمين وساخطين بسبب الأوضاع
الاجتماعية المتردية التي يئنون تحت وطأتها؛ وكذا بعض المصابين بمرض الحقد
والكراهية وهم في كل واد يهيمون ويقومون بما لا يشعرون؛ دع عنك بعض الذين لا زالت
تساورهم أحلام الزعامة وقيادة الثورة... وبين هذا وذاك، تبقى الضحية الأولى
والأخيرة هي مدينتنا الجميلة ومنطقتنا الغالية/الريف بصورة عامة.
س : مباشرة بعد هذه الأحداث، فاجأتم الرأي العام بتقديم
الاستقالة من رئاسة الجهة تراجعتم عنها في وقت لاحق، ما هي الدوافع الحقيقية وراء
تقديم هذه الاستقالة؟
ج : أحسست يومئذ بالعجز، العجز أمام الفوضى والنيران
التي تأتي على الأخضر واليابس بمدينتنا، العجز أمام الترويع الذي ابتلي به الصغار
والكبار، النساء والشيوخ... من غير أن أقدر على فعل أي شيء، وأنا الذي لا سلطة لي
غير تلك التي منحها إياي هؤلاء الأبرياء؛ وأمام انقطاع خطوط التجاوب من قبل
المسؤولين مع صرختي، شعرت بالمرارة في دواخلي.. فكان أن تقدمت باستقالتي كمحاولة
للاحتجاج على الجريمة التي تواطأ فيها الجميع.
س : أشرتم في نص الاستقالة إلى أن تحالفات غريبة لتصفية
الحسابات بين المسؤولين كانت وراء ما وقع بالحسيمة. ما قصدكم من خلال هذه العبارة؟
ج: نعم تحالفات غريبة وغير متجانسة، وكنت أرمي إلى أنه حصل نوع من التقاطع
والالتقاء في المصالح بين بعض الأجهزة الداخلية والخارجية، وبين بعض المرضى
النفسانيين، لأجل إبراز الريف كمنطقة لعدم الاستقرار وإظهار الريفيين بمظهر الجحود
واللاثقة.
س : في بيان له بعد الأحداث، اتهم حزبكم "الأصالة والمعاصرة"
جهات وصفها بالمعروفة وراء أحداث يوم الأحد، فذهبت أغلب القراءات إلى أنكم تقصدون
حزب الاستقلال. هل هذا صحيح ؟ وما الدور الذي لعبته هذه الجهات في الأحداث؟
ج : عليكم أن تدركوا أولا، أنه بالرغم من كل الخلافات
السياسية التي تميز علاقتنا بحزب الاستقلال، إلا أني أستنكر التخريب الذي طال مقره
خلال هذه الأحداث، فمهما كانت الخصومة لا ينبغي أن يصل بنا الأمر إلى إيذاء الآخرين
المختلفين معنا بتدمير مقراتهم أو بيوتهم...وعموما يجب أن نفكر كيف نطيح بالأفكار
والسياسات البالية وليس بالبنايات الصماء. ومن جهة أخرى، فإن حزب الأصالة والمعاصرة
لم يمر على تأسيسه إلا سنتان، فكيف يريدنا البعض أن نصدقهم حين يجعلون منه مشجبا
تعلق عليه كافة المشاكل والمعضلات التي يعاني منها المغرب؛ علما أن هذا الحزب وحده
من فتح الباب على مصراعيه لأبناء الريف، حيث أن مكتبه الوطني تتوفر داخله تمثيلية
مهمة للريفيين، وهذا شيء نعدمه عندما يتعلق الأمر بأحزاب أخرى، وبالتالي من حقي أن
أتساءل: ألا يشكل هذا الأمر مصدرا حقيقيا للتكالب المسعور الذي بات يتعرض له هذا
الحزب؟ قد يجد البعض فيما أقوله الآن فرصة مواتية لاتهامي من جديد بنوع من
"الطائفية" أو ما شابه ذلك، لكني أؤكد أنها الحقيقة مع كامل الأسف، لأن المسألة
الحزبية في المغرب بنيت على هذا الأساس، والريف والريفيون غائبون ولا صوت لهم داخل
هذه الأحزاب، والبعض يريدونهم أن يظلوا كذلك، أي على الهامش، دائما وأبدا.
س : اتهمتم السلطات الأمنية بالتقصير في حماية ساكنة الحسيمة،
أين يتجلى هذا التقصير؟
ج : أنا أتساءل لماذا كل هذا التقاعس، من قبل السلطات
الأمنية والوقاية المدنية، في إنقاذ الحسيمة وأبنائها؟ هل يتعلق الأمر بتنفيذ
للأوامر؟ أم أن هناك من يحاول تصفية حساباته معنا ونحن أبرياء براءة الذئب من دم
ابن يعقوب؟
س : ما هو ردكم على من اتهم المناطق المجاورة لمدينة الحسيمة
كإمزورن وبني بوعياش وتماسينت بالوقوف وراء أعمال التخريب التي صاحبت مسيرات 20
فبراير بالحسيمة؟
ج : أنا أشكركم على طرح هذا السؤال، لأني بحاجة ماسة
إلى توضيح بعض الأمور، إذ علينا أن نعي جيدا السموم التي تتغذى منها بعض الجهات،
فلا ينبغي أن ندع هذه الجهات تعود بنا للوراء، فسكان الريف ـ من كافة القبائل
والمناطق ـ كلهم إخوة وأحبة وأنا أكن لهم نفس الدرجة من الاحترام والتقدير. كما أني
أعلم أن "المرضى" موجودون في كل مكان، وبالتالي من العيب واللاعقل أن نسقط في هكذا
نعرات فارغة. وللتذكير، فقد كنت أول المتضامنين مع ساكنة تماسينت حين تعرضها للقمع
أثناء مسيرة سلمية بعد زلزال فبراير 2004، وسأكون بالمرصاد دائما لأي محاولة لبث
التفرقة بين الإخوة الريفيين والمغاربة بوجه عام. وأنا هنا أريد طرح سؤال واحد موجه
للذين يعنيهم الأمر: هل تم إحراق البلدية كعقاب للذين اشتغلوا، خلال العشرية
الأخيرة، بجدية وحيوية قل نظيرهما؟
س : يراج أن تناطحات سياسية بين حزب الاستقلال وحزب الأصالة
والمعاصرة هي التي أدت إلى وقوع الأحداث الأخيرة، ماردكم؟
ج : في عمر حزب "الأصالة والمعاصرة" سنتان فقط، وله
تمثيلية مهمة على مستوى القيادة الوطنية، وشخصيا أرى بأن مصلحة إقليم الحسيمة
والريف عموما يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات السياسية والحزبية، كيفما كان هذا
الحزب.. هذا هو جوابي.
س : طالب حزبكم بضرورة إيفاد لجنة لتقصي الحقائق في تلك
الأحداث، هل هناك استجابة لمطلبكم هذا؟
ج : يهمنا كثيرا أن نعرف من هي الجهات التي استهدفت
الحسيمة بالتحديد، فكانت الكارثة المعلومة: إحراق وإتلاف وتدمير وترويع وسقوط ضحايا
أيضا... ويهمنا أن يقدم المسؤولون، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين عاديين، إلى
العدالة وتتم محاكمتهم طبقا للقوانين الجاري بها العمل في هذا البلد العزيز. لذلك
طلبنا بإيفاد لجنة لتقصي الحقائق وما زلنا ننتظر.
س : ما هي خطتكم كمجلس جهة من أجل تجاوز مخلفات أحداث 20
فبراير بالإقليم؟
ج : أعتقد أن هناك خللا كبيرا في التواصل بيننا
كمسؤولين وبين فئات عريضة من الشباب، كما أن هناك غيابا للتواصل والحوار بين أفراد
العائلة الواحدة، ومن جهتي سأبذل قصارى جهدي لتقويم هذه الوضعية الشاذة؛ كما سأكثف
جهودي لأجل الإسراع بتنفيذ المخطط الجهوي للتنمية.
س : كيف تقيمون تعامل منابر الإعلام الرسمية وغير الرسمية مع
هذه الأحداث؟
ج : يبدو لي أن ثمة قصورا واضحا في التحقيق الميداني
واستطلاعات الرأي على الصعيد المحلي، إذ لم تتح لنا بعد فرصة الاستماع إلى آراء
الأفراد والعائلات الحسيمية بشأن كل ما حصل، وهذا الأمر في غاية الأهمية، لأن
الحقيقة توجد في قلوب هؤلاء الناس الذين ليس بمقدورهم أن يصدروا بيانات الاستنكار
والشجب وما إلى ذلك.
س : كلمة أخيرة في حق شبكة دليل الريف؟
ج : أعتبر أن هذا الموقع الإعلامي من خيرة المواقع
الإلكترونية المحلية، وأنا مواظب على زيارته وأتمنى له التوفيق والاستمرار، مع حثي
المشرفين عليه توخي المزيد من الاحترافية للمساهمة في النهضة الريفية المنشودة.
01.03.2011. 00:43
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب