مظاهرة الدار البيضاء، دولة ضد حزب أم حزب ضد الدولة
دليل
الريف : بروكسيل/سعيد العمراني
تظاهر يوم الأحد 28 نونبر 2010، ما يقارب 3 ملايين مغربي بالدار البيضاء تنديدا
بالحزب الشعبي اليميني الاسباني، جندت لإنجاحها إمكانيات ضخمة، وخصصت لها وسائل
الإعلام المغربية تغطية إعلامية واسعة و مباشرة لم يشهد لها مثيل منذ سنوات
السبعينات. مظاهرة تطرح أكثر من تسائل. ففي الوقت الذي يريد من خلالها المخزن و
أغلبية الأحزاب الممثلة في البرلمان إعادة إحياء شعار"الإجماع الوطني" المتهرئ، فان
أسئلة عديدة مشروعة تظل دون جواب، إن كنا حقا في دولة ديمقراطية، تؤمن بحرية
التعبير و التناوب على السلطة.
فمن الأسئلة الأكثر اشتعالا، هي متى سيحاسب المسئولين عندما يقودون المغرب إلى
الهزائم الدبلوماسية أو الكوارث الاقتصادية و الاجتماعية، أو عندما ينهبون خيرات
البلاد في واضحة النهار و يكرسون الفوارق الاجتماعية و يقسمون المغرب إلى نافع و
غير نافع.
لإزالة اللبس فإنني كأي مواطن مغربي حر، يرفض التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية
للمغرب كيفما كانت نوعها، و يسجل انزلا قات بعض وسائل الإعلام الاسبانية التي كانت
بعيدة عن روح المهنية و أخلاق الصحافة في تناولها لأحداث مدينة العيون باستغلالها و
لاستعمالها لبعض صور الأطفال الفلسطينيين، و ضحايا جريمة البيضاء و غيرها، لكن
كمواطن مغربي يحق لي كما يحق للعديد من للمواطنين المغاربة أن تكون لهم نضرة نقدية
للأشياء و ينتقدون أي "إجماع و طني" مغشوش الذي يراد منه باطل.
أن أي قراءة موضوعية لأحداث العيون، يقر بان ما حدث هو تحصيل حاصل لسياسة أمنية و
تدبيريه لمنطقة متنازع عنها و في غاية الحساسية بالنسبة للمغاربة. إذ يعرف الجميع
بان هناك من اغتنى من وضعية تدبير مشكلة الصحراء، ف" العائدون" و شيوخ القبائل و
الأعيان يتمتعون بكل الامتيازات، في حين أغلبية الناس البسطاء يعيشون أوضاعا مزرية
دفعتهم إلى الاعتصام و الاحتجاج السلمي في مخيم "اكديم ايزيت" لعدة أسابيع. فمن هو
المسئول عن هذه الوضعية؟ ومن ترك آلاف الأسر الصحراوية تتجمهر بشكل "غير قانوني"؟ و
أين كانت أعين السلطة التي لا تنام و تتفنن في قمع المعطلين و الحركات الاحتجاجية
في المغرب ككل؟ من تفاوض من تنسيقية المخيم؟ و لماذا فشل؟ من أعطى أوامر الهجوم على
المخيم على الساعة الرابعة صباحا في حين تركت مدينة العيون فريسة للمحتجين؟
هذه الأسئلة تجرنا للحديث حول تدبير ملف اميناتو حيدر، عندما طردت من مدينة العيون
إلى لاس بالماس و عادت إليها بطلة، في الوقت الذي لم يكن يسمع عنها احد لا في
الصحراء و لا في المغرب ككل و حتى في الخارج.
عندما تقع مثل هذه الأحداث في الدول الديمقراطية، فالرأي العام يطالب بالكشف عن
المسئول أو المسئولين عن الخلل في تدبير الملف و يحاسبهم الشعب و يسائلهم البرلمان
و يستقلون أو يتم إقالتهم و محاسبتهم حتى أمام القضاء إن دعت الضرورية، لكي يكون
درسا لكل المسئولين الذين يدبرون شؤون البلاد و العباد بشكل سيئ. لكن للأسف، في
وطننا العزيز المغرب، لازال بعيدا كل البعد عن هذا التقليد الديمقراطي، لأنه بكل
اختصار لا يتمتع بفصل حقيقي للسلط و لا استقلالا للقضاء، فالحكومة لا تحكم و
البرلمان لا سلطة له. فكل شيء خاضع للتوجيه و التعليمات بما فيه مظاهرة البيضاء
كأننا في بلد الحزب الواحد.
لو وقع ما حدث في العيون في أي بلد أوروبي، لسئلت الحكومة ولأستقل وزير الداخلية
على الأقل، أو الوزير الأول أو أقيلا، لكن في المغرب للأسف نبحث دائما عن الأسباب
الخارجية لنمسح فيها أخطائنا، في حين نتجاهل كليا الأسباب الحقيقة إلى أدت إلى
احتجاج سكان العيون، و هي بإقرار الجميع بما فيها اعتراف السلطات، كانت مطالب
المعتصمين مطالب اجتماعية و اقتصادية محضة، قبل أن تتطور إلى اصطدامات عنيفة بين
الشرطة و المعتصمين. كمثل فقط على ذلك، ففي بلجيكا استقال وزير الداخلية بمجرد أن
توفت مواطنة نيجيرية مقيمة بدون أوراق "سميرة ادامو" عندما حاولا شرطيين إدخالها
بالقوة في الطائرة لطردها إلى نيجيريا. كما استقال وزير العدل بمجرد أن هرب المجرم
"مارك ديترو" ساعات قليلة من احد السجون البلجيكية. أين إذن نحن من كل هذا؟
إن تهييج الناس و تشحينهم دون البحث عن حلول للمشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و
السياسية لسكان الصحراء و لعموم المغاربة، ما هو إلا استمرار لسياسة الهروب إلى
الأمام التي نهجها المغرب إبان سنوات الرصاص و مازال، بدل إعادة النضر في شؤون
تدبير البلاد وخاصة عندما يتعلق الأمر بالملفات الحساسة. كما بإمكانها الزيادة في
زرع الأحقاد ليس مع جيراننا فحسب بل مع سكان الصحراء أنفسهم. أن مثل هذه المظاهرات
الموجهة لن تحل المشكلة في شيء، و تظهر المغرب بمظهر الحزب الواحد، بالرغم من
التعددية الشكلية التي يتمتع بها.
إن اختصار الأزمة في الصراع مع الحزب الشعبي الاسباني، هو استهزاء و احتقار لذكاء
الناس. فاسبانيا تماما كالجزائر لهما أطماع اقتصادية و جيو استراتيجيه في المغرب،
تهدف إلى إضعافه للحفاظ على تفوقهما الاستراتيجي والعسكري و الاقتصادي، لكن من يا
ترى يعطي بعض الأوراق بالمجان لخصوم المغرب الحاليين لاستعمالها ضده.
صحيح أن الحزب الشعبي الاسباني "البي بي"، يستعمل هذا الملف كورقة انتخابية رابحة،
وصحيح أن هذا الحزب يكن حقدا للمغاربة و لليسار و لعموم المهاجرين، كما يحمل رواسب
سياسية و حمولات فكرية فرانكاوية و ديكتاتورية، لكن لا ننسى بان هذا الحزب تجمعه
علاقات وطيدة مع حزب الاستقلال المغربي الحاكم في المغرب و تجمعهما علاقات في إطار
الأحزاب اليمينية الليبرالية الدولية. فأين هي إذن قوة حزب الاستقلال في الأممية
الليبرالية و لماذا لم يوظف علاقته بالأحزاب اليمينية العالمية للضغط على الحزب
الليبرالي اليميني الاسباني أو استعمال علاقته لمنع صدور قرار البرلمان الأوروبي؟
كان من المفروض على حزب الاستقلال الذي يترأس الحكومة أن يكون محط تسائل، إن كان
فعلا يحكم، لكن للأسف في المغرب تنعدم المسائلة و يتمتع بعض المسئولين بحق الإفلات
من العقاب مهما كانت الجرائم التي اقترفوها، سياسية كانت أم اقتصادية أو ثقافية. و
أكثر مثال على ذلك هو ترقية صاحب فضيحة سفينة النجاة الإماراتية،فبدل محاسبته عندما
كان وزيرا للتشغيل و كذب على آلاف المعطلين و طالبي الشغل المغرب، تم ترقيته إلى
وزير أول. فهل بهذه الطريقة يمكن حل مشاكل المغرب؟ هل بالفساد الإداري و السياسي
يمكن حل مشكلة الصحراء و قضايا المغرب.
وفي انتظار ذلك ألا يحق للمغاربة أن يتمتعوا بحكومة تحكم حقا، و مسئولة أمام
البرلمان وتنبع من صناديق الاقتراع. و أن يتمتع المغاربة بدستور ديمقراطي يقر بفصل
السلط و استقلال القضاء.
أما حساباتنا مع اسبانيا فتمتد إلى عهود سابقة، فنذكرها فقد هنا باسم الأمير محمد
بن عبد الكريم الخطابي و ببطولاته، ليتأكدوا بان المغرب الذي أنجب الخطابي، سينجب
لا محالة العديد من أمثاله. كما نذكرها فان مطالب الريفيين و المغاربة تجاههم
عديدة، فلن ننسى التقتيل الجماعي الذي ارتكبوه في حق الريفيين بدم بارد مستعملين في
ذلك الأسلحة المحظورة دوليا، و ذلك بقنبلتهم للريف بالقنابل الكيماوية و بتسميمهم
لمجاري المياه و خزائن المؤن في العشرينات من القرن الماضي. فالتاريخ لن يغفر لهم
عن ما اقترفوه من جرائم في حق الريفيين. كما أن ملف سبتة و مليلية و الجزر المجاورة
لها سيظل يطاردهم عبر الزمن القريب و البعيد حتى ينصف أهل الريف و يرد الحق
لأهله.......وما ضاع حق ورائه مطالب طال الزمن أو قصر.
29.11.2010. 23:42
أضف تعليق
هام : المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....
التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ، ولا تخص إدارة شبكة دليل الريف
اضغط هنـا للكتابة بالعربية
شروط نشر التعاليق بشبكة دليل الريف
للاستفسار حول ردودكم وتعاليقكم يرجى مراسلتنا على البريد الالكتروني التالي
dalilrif@gmail.com
* = حقل مطلوب