English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

5.00

  1. عصابة "اودي" المغربية تواصل غارتها على الابناك الهولندية (5.00)

  2. انتشال جثث مهاجرين سريين غرق قاربهم بسواحل الحسيمة (فيديو) (0)

  3. الأمطار تحول شوارع بن طيب إلى برك من الأوحال (0)

  4. مدريد متخوفة من تغيير ديموغرافي لصالح "القومية الريفية" في مليلية (0)

  5. الحسيمة.. معاناة المشردين تزداد خلال فصل الشتاء (فيديو) (0)

  6. عمال معمل الحليب المطرودين يمددون اعتصامهم امام عمالة الحسيمة (0)

  7. الحسيمة..هيئات ترسم صورة قاتمة للوضع الصحي ببني حذيفة (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | التمثلات الثقافية لعقد العمل بالمغرب

التمثلات الثقافية لعقد العمل بالمغرب

التمثلات الثقافية لعقد العمل بالمغرب

إن الممارسات الإسلامية الشعبية المغربية، بما في ذلك البقايا الوثنية، وقوة استمرار المعتقدات الشعبية المارابوتية في ما وراء الطبيعة، و الممارسات السحرية قصد السيطرة على المصير،  توفر تربة خصبة تستطيع من خلالها  أشكال متعددة من الاستغلال الرأسمالي العثور على موطأ قدم سهل وإحكام قوتها على جماهير اليد العاملة.  و يتم توجيه الارتباط الاجتماعي بين المجالات الدينية والاقتصادية من خلال الخطاطات الثقافية السلطوية التي تعتمد التبادل الثقافي للهدايا، والتي يتم نقلها من السياقات الدينية والثقافية إلى علاقات العمل الرأسمالي، وذلك لترسيخ المواقف اللينة و المروضة من لدن السلطة، و لقبول التوزيع غير العادل والمحتوم للثروة الذي يصبح أمرا مقبولا و ملائما، للتكيف مع متطلبات العمل المأجور.

ويتم فتح الخزانات الثقافية الضخمة لما قد نطلق عليه "الروح الإسلامية للرأسمالية"، عن غير قصد وبشكل غير رسمي،   كما أن منشأ هذا الإنتاج الرخيص  لقوة عاملة طائعة سلسة ووديعة، لا يدين بشيء للتكوينات الثقافية الرأسمالية الغربية، وفي هذا السياق، نورد نموذجا من دراستنا لوضعية الشغل بالمغرب، إذ تبين  لنا هذه المقاربة مدى تعقيد الأشكال الدينية والثقافية التي قد "تتسامح"، في أحسن الأحوال، مع متطلبات الحداثة، بدلا من أن تتكيف معها أو تقبل بها بمعايير اشتراطيه. و يبدو أن هناك عوامل ثقافية موجودة من قبل، وهي مستمرة ومنفصلة المسار، إذ تساعد على "التغاضي" عن تطبيق شروط الرأسمالية والتسامح معها، و لهذا لا يتم تعيين اتجاه التغيير بشكل رئيسي من قبل "الحداثة. " وهذا لا يمنع المصالح الرأسمالية من الاستفادة من وسائل التوفيق والتسوية والتسهيل الخفية الغامضة التي تزخر بها متاهات التقاليد الدينية الشعبية الحية، بالرغم من أن المستثمر الأجنبي قد لا  يفهم الظروف التي تجعل ذلك ممكنا. 

إننا في الحالة المغربية نقوم بتحديد نطاق أوسع  لهذا النوع من الممارسات والخطاطات  الثقافية السلطوية التاريخية الاجتماعية التي تستنسخ السلطة في مستوياتها الميكروية، حيث يخضع الأعضاء الاجتماعيون للسلطة في صمت ويستجيبون لأوامرها، كما يعتقدون في شرعية أي تكوين معين للسلطة . إن كلا من الفئات الاجتماعية السائدة والخاضعة معا تتبنى خطاطات ثقافية تكرس الهيمنة، وبالتالي، تستمد الأسس الثقافية للخطاطات السلطوية شرعيتها  من الأداء الطقوسي الجماعي الذي يعمل على ترسيخ الفكر الإيديولوجي الشريفي ، والسلطاني، و المارابوتي . إن  هذه الممارسات والمعتقدات الثقافية الإسلامية الشعبية توفر الخطاطات الثقافية الجاهزة لإنتاج العلاقات الاجتماعية التسلسلية الهرمية وإعادة إنتاجها، مثل نموذج الشيخ والمريد، والولي  و المتوسل، و عندما تطبق هذه النماذج في نطاق أوسع،  يضم علاقات العمل الرأسمالية،   تبدو أنها قطعت شوطا بعيدا نحو تفسير المواقف المنقادة والخنوعة لمعظم الطبقات العمالية الكادحة، على الرغم من ظهور بعض بذور المقاومة  والتصدي الحقيقيين المحتملين.

وما  يوضع على المحك في ممارسات الإسلام الشعبي هو محاولة التأثير السحري في مسار الحياة بشكل عام، وليس في علاقات العمل بشكل خاص، ومع ذلك فالآثار المترتبة عن مفهوم العمل، خاصة بالنسبة للتأقلم مع العمل الرأسمالي المأجور، تبدو عميقة، وقد تم إغفال دراسة جوانبها. و في هذا السياق، نجادل بأن الخطاطات الثقافية السلطوية المحولة السالفة الذكر، فضلا عن مختلف الممارسات المرتبطة بما نسميه "الخلاص السحري"، تسهل التكيف مع العمل الرأسمالي المأجور، وتعمل على تلطيف آلام هذا النوع من التعاقد ومحنه.

و أهم نتيجة  توصلت إليها دراستنا تتجلى في أن عالم العمل وعالم  السحر عالمان  منفصلان، وليسا بالضرورة تعبيرا عن تجربة متداخلة، لكنهما يؤثران في بعضهما البعض، ليس فقط بحجب المعاني الأساسية التي تحكم علاقات العمل، ولكن أيضا بتشجيع المواقف القدرية غير المتفحصة تجاه الممارسات القمعية أثناء العمل و ما يترتب عنها من معاناة. 

يبدو أن الحياة في أسفل الهرم الاجتماعي بالمغرب ترزخ تحت هيمنة  المصائب  والعوائق، و تعبث بشتى الطرق  في اتجاهات متعددة، لصد سوء الحظ ، وعتمة المصير الناتج عن الانزلاقات الخطيرة والمتقلبة لعجلة القدر . وتوجد طريقتان أساسيتان  لعقد الأمل في حياة أفضل، أو في ملاذ يقي  من التقلبات و الدوران غير المستقر لعجلة الحياة،  و تكمن الطريقة الأولى في البحث عن "سخاء "رموز السلطة، كالسلطان، أو الولي أو الشريف (سليل النبي) ، فتبدو التبعية حتمية في هذا السياق، إذ أن العضو الاجتماعي الذي يتقمص  دور المطيع الخنوع سواء ظاهريا أم عن اقتناع، سوف يجني منافع مادية من وراء ذلك . إن  قبول الأدوار الاجتماعية الذليلة المتمثلة في محاكم الأخر القوية، وأداء فروض الطاعة لأولئك الذين يمتلكون الثروة، قد يعود على الذات الاجتماعية في المقابل ببعض البركة، و ذلك  بانخراط نسبي لأصحاب النفوذ  الذين يحمونها ماديا.

و في حالة علاقات العمل الرأسمالية، قد يصبح رب العمل بؤرة هذا العقد غير الرسمي، ويحصل على بعض الامتيازات، فضلا عن الالتزامات، التي تسند إلى السلطان أو الشريف  أو الولي، إذ  يضحي مركز توزيع الصدقات والبركات.  وتمنح الصدقات في الإسلام،  ليس من باب المجاملة، بل كواجب ديني.  إن الله أوجب على جميع المؤمنين مساعدة بعضهم البعض، وأكد النبي   )ص) في أحاديث مختلفة عن وجوب الصدقات،  وحث المسلمين على الكرم ومؤازرة الفقراء . و تاريخيا، وإلى حد ما في الوقت الحاضر، يتم تنفيذ الالتزام الديني الخيري من لدن المسلمين، ليس فقط على مستوى الأفراد،  ولكن أيضاً على مستوى المؤسسات.

لقد اندمجت العلاقات الاقتصادية الرأسمالية خلال القرن العشرين والواحد والعشرين في أشكال ثقافية و دينية، يتم من خلالها تفسير أحداث الحياة اليومية.  إن معادلات التصدق الخيري، و العلاقة البنيوية بين الدعم المادي والواجب الأخلاقي، تتخلل جميع أشكال التبادل التجاري في المغرب. و كما يتوقع المتوسلون أن يكون المركز المارابوتي لتوزيع  البركات أو الولي أو السلطان سخيا، وأن يغدق عليهم بالصدقات، و يوفر لهم الحماية والطعام، ويسهل لهم مسار الحياة، فإن العمال (كالميكانيكيين، وسائقي سيارات الأجرة، والحرفيين، و صغار التجار...) ينتظرون، ليس فقط من أرباب العمل، ولكن أيضا من العملاء والزبناء، أن يظهروا صفات الكرم والسخاء معهم . إن توزيع إكراميات أو بقاشيش على  العاملين في قطاعات مختلفة يعتبر جزءا من عقد الاستهلاك بين العامل والزبون، حيث يواجهك البعض بكلام من قبيل "تهللى فينا"/ (كن سخيا معنا)، "تعاون معنا" (ساعدنا)، أو "بغينا ناكلوا معك طريف ديل الخبز" (نريد أن نأكل معك كسرة  خبز) . و بعد ما يحصل العامل على بعض البقشيش، يجيبك بالعبارة النمطية المألوفة: "الله يخلف" (عوض الله لك!) ، و تستخدم هذه العبارة أيضا في السياق الثقافي للضيافة، حين ينتهي  الضيوف من أكل الولائم، كما يستخدمها المتسولون، دون استثناء، للتعبير عن الشكر عند تلقيهم للصدقات.

و يتم تنظيم المحلات الرئيسية لبيع وإصلاح السيارات التابعة لشركات مثل رونو أو بيجو بطريقة رسمية، كما هو الحال في الغرب، إذ يجب على الزبون أن يدفع الفواتير للعامل ذي الياقة البيضاء في المكتب، لكن عند استلام السيارة، من الضروري تقديم بعض البقشيش للميكانيكي، ويجب أن تكون سخيا معه) تهللى فيه(، وإلا  فإنك في المرة القادمة ستفاجأ بالمرأب مشغولا لأسباب مجهولة، أو قد يكون العامل غير متقن لوظيفته، أو قد يصيب سيارتك عطب  بدون سبب واضح، لكن إذا كنت سخيا، و خصصت بعض الإكراميات للعمال، سينظر إليك كشخص كاريزمي يراعي ظروف العمال، ويحس بمعاناتهم،  ويوزع الإكراميات متحليا بالشهامة والرجولة والنبل والكرم (ولد الناس)، وفي هذه الحال، سيعمل المستخدمون بالشركة في المرة القادمة على تزويد الخدمات وتكثيف الجهود، و تضاف خدمات جديدة دون طلب منك، وسيتم تنظيف سيارتك وتلميعها أيضا.

وحينما يشتغل عمال البناء في ورشتك،  قصد بناء طابق أو منزل للسكن، من الحكمة أن يؤدي  صاحب الملك البقشيش، لأن  الإكراميات تفتح شهية العمال لبذل مجهود أكثر، وإتقان الخدمات لتجنب التشطيبات غير المتقنة، والتي تعتبر خطرا دائماً  في أعمال البناء بالمغرب . و في هذا السياق، يوضح عامل بناء أنه يحب أن يتجاوز الزبون سعر العقد الرسمي الذي ابرمه معه، ويقول إن دخله منخفض جدا، ولهذا يحتاج إلى المساعدة، و الناس الذين يقدمون إليه يد المساعدة، عن طريق تسليمه بعض الإكراميات يستحقون أن يخدمهم بإخلاص: "هو يتهللى فينا تا انا نتهللى فيه"، وقد تبتدئ الإكرامية من 20 درهم إلى 100 درهم  حسب الخدمة التي يقدمها العامل ، أما بالنسبة للأجانب، فقد ترتفع فاتورات أداء البقشيش إلى 200 درهم أو أكثر    .

إن العامل و صاحب العمل يتفاعلان في إطار ثقافي لتبادل الهدايا، وهذا الإطار كما يرى حمودي "يسمح بالزيادة في الرتبة، ويعدل لاحقا في الوضعية الاجتماعية" (1999, 138)، إن تبادل الهدايا يستنسخ وضعا علائقيا غير متكافئ بين المشاركين في العملية الإنتاجية، فالعامل ملزم بخدمة رئيسه وطاعته.  و من خلال تبادل رموز محددة (كالمال، والملابس، والمواد الغذائية، وكلمات الترحيب، والبركة)، يعرض الطرفان موافقتهما على شروط القيام بالأدوار التسلسلية للسلطة التي تؤكد عدم المساواة بين  أوضاعهما الاجتماعية ، كما يعتبر الزبون أيضا رب عمل بموجب عقد قصير الأمد، مقابل توفير الرعاية و الحماية من طرف هذا الأخير.

و في القطاع العام، يتم الانخراط في النظام الثقافي نفسه لتبادل الهدايا، خصوصا عندما يحتاج العضو الاجتماعي إلى وثيقة إدارية موقعة من مسؤول، إذ تغلف العملية في الخطاطة الثقافية لتبادل الهدايا، إلى درجة أن يسمع المرء الإشارة إلى"حلاوة" (التحلية)، "كويميلا" (القدر؛ كناية عن الطعام) ،"قهيوة" (تصغير للقهوة)، ولكن إذا رفضت أن تشارك في اللعبة الاجتماعية، سوف لن تقدم إليك الخدمات في الوقت المناسب، أو تقدم إليك بطريقة المماطلة التي توقعك ضحية العراقيل و التأخير المتكرر. وإذا تم توقيفك من قبل الشرطة لأداء مخالفة قانون السير، فإكرامية" القهيوة "تعتبر  بالتأكيد أرخص من غرامة أو عقوبة رسمية . إن اختيار مجموعة من العبارات الملطفة للرشوة تظهر تشكيلات و ترسبات تاريخية عبر قنوات مقبولة ثقافيا لفهم وممارسة مبدأ المعاملة التبادلية التي تتحدى اسم "الفساد". و في هذا الكون المليء بالمعاني، ليس من المستغرب أن نتوقع من رب العمل أن يكون بمثابة "مركز مارابوتي  لتوزيع البركات" أو أن يشبهه على الأقل في سلوكياته وتوقعاته، و يمكن لرب العمل أن يعمل على تطوير وتعزيز وضعه الاجتماعي باعتباره "ولد الناس" من خلال تبني مجموعة من الممارسات الخيرية بما في ذلك:

- توزيع إكراميات على العمال خارج نطاق العمل

- مساعدتهم ماليا خلال الأزمات وفي أوقات الشدة: المرض، وفاة أحد الأقارب

- مساعدتهم في مناسبات الطقوس مثل شهر رمضان، وعيد الأضحى

- مساعدتهم في بداية العام الدراسي عن طريق شراء الكتب المدرسية لأطفالهم

- إرسالهم إلى الحج

- توظيف أحد أقاربهم

- استخدام النفوذ المؤثر لإنقاذ قريب عامل من السجن، أو مساعدة عامل أو أحد أقاربه لتلقي الرعاية الطبية في المستشفى الحكومي.

و من خلال تبني مجموعة من الممارسات الشبيهة، قد يضمن رب العمل ولاء القوى العاملة التابعة له، وهكذا سيقوم العمال، عن طيب خاطر، بمهام إضافية و دون شكوى، لأنهم يشعرون بأن له أياد بيضاء عليهم، مما يجعلهم يخلصون له الولاء. نحن نجادل بأن الذات الاجتماعية تفعل الخطاطة الثقافية للخضوع، حينما تعتقد أنها في حضور السلطة، وهذا ينطبق كذلك على العمال، إذ من المرجح أن تحدث سلوكيات مماثلة في حضور السلطة المستمدة من العلاقات الرأسمالية.  و سيكون من السذاجة والتبسيط القول إن رب العمل يحتل حرفيا موقع الولي أو السلطان، لكن يبدو أن الشركات يمكن أن تنظم، باعتبارها منمنمات (صورا مصغرة)  للعالم الاجتماعي الذي يعيش فيه العامل، ويمكن القيام بذلك عن وعي، كما يمكن أن يتحقق بشكل لاواع من خلال الاستمرارية  والتماثل الثقافي.

إن الشركات متعددة الجنسيات تحاول بالتأكيد أن تكيف نفسها مع الأشكال الثقافية المغربية المحلية، فيما يتعلق بخصوصيات المظاهر الخارجية وسلوكيات التلطيف، لذلك يتم الاحتفاظ بهذه الأشكال والممارسات ونقلها بالتسلسل الهرمي نفسه، وبنماذج اجتماعية معينة. إن أرباب العمل المغاربة  يمتحون من عالم مارابوتي يضم كلا من العاملين وأصحاب العمل الذين من المرجح أن ينظروا إلى أنفسهم كنوع خاص من "مركز لتوزيع البركات"، و في هذا الإطار، تعتبر شروط العمل القانونية وعلاقته التي تتم  بموجب" عقد العمل" الغربي أقل أهمية مما يمكن التفكير فيه، باعتباره عهدا غير مكتوب يربط الأفراد داخل العلاقات الاجتماعية والثقافية بالامتثال المعنوي، والواجب الأخلاقي، والكرامة والاحترام والنزاهة، و هذه القيم  تعتبر جزءا من المعجم المغربي، وتتلخص في  العهد، و هو الكلمة الملزمة (الكلمة) أو الصدق (المعقول).

تعتبر علاقة العمل هذه بمثابة ابنة عم للخطاطة الثقافية السلطوية التي نوقشت سابقا، وينبغي أن تفهم على أساس أنها تضمين نموذجي أصلي للعلاقة الاقتصادية داخل نموذج ثقافي محلي معقد. ولا يتم التعاقد مع العامل على أساس تقييم عقلاني أو بيروقراطية تعتمد على المهارات فقط، بل يتم الاعتماد أكثر على مفهوم "الخيرية"، و "العمل الشريف ." فمن وجهة نظر العامل، يترتب على هذه الإجراءات، رؤية إلى العمل باعتباره واجبا، ليس ذا طابع اقتصادي أو قانوني  فقط، بل نوعا اجتماعيا، ثقافيا دينيا، أخلاقيا، ملزما.  هذا النموذج الثقافي لتبادل الهدايا يتميز بالالتزام، و بعدم المساس بالسلطة التي وفرت له الحماية الاجتماعية: "لا يجب أن تعض اليد التي تطعمك"، و خلال المقابلات التي أجريناها مع بعض  العمال المغاربة، تبين لنا أن الكثير منهم يقدسون هذه الروابط الأخلاقية والدينية والثقافية، و يولونها أهمية كبيرة، كما تتداخل هذه الروابط بطرق محددة للغاية مع أنظمة أخلاقية أوسع من الإيمان والتبعية والدين. ونسوق هنا مثالا لعامل بناء تمت مقابلته حول  موضوع رئيسه السابق الذي  يكن له المرؤوس تقديرا كبيرا  :

قال : كان الرئيس يدفع لنا ثمن الساعة فقط، وهي ساعات عملنا في الواقع، لا يؤدي لنا عن العطل وليست لدينا امتيازات ... لكنه كان رئيساً جيدا، وهو "ولد الناس"، أعطاني المال (دور معيا)  في العيد الكبير، و اشترى لي أضحية العيد.. و كان إذا رآك تعمل، وأتيت إلى العمل في وقت مبكر، وضع يده في جيبه وأعطاك عشرين درهما، جميل حين يكرمك رب العمل بسخاء من هذا القبيل.

هذه تصريحات نموذجية عن الصورة النمطية  لرب العمل الذي يعتبره العمال "ولد الناس"، وعن علاقة العمل التي تنبني على تبادل الهدايا الثقافي المضمن، ومن المؤكد أن هناك أنواعا كثيرة من  العمالة أتت بها الشركات متعددة الجنسيات، و من المرجح أن تقدم علاقات العمل التعاقدية  فوائد وامتيازات واستحقاقات وعطل معلنة، لكن تعتبر أيضا علاقة عمل دخيلة  ثقافيا واجتماعيا، وإن كانت لا تزال تستفيد بشكل كبير من التوقعات المرتبطة بعقود العمل التقليدية.

و يجب ذكر نموذج آخر أقل توازنا وأكثر استغلالا لعلاقة العمل، يقول احد العمال، وهو غاسل أطباق في إحدى المطاعم التابعة لسلسلة فنادق متعددة الجنسيات (مازكان)، إنه ترك وظيفته بسبب العمل الشاق غير المنظم، إذ كان يعمل عن طريق أديكو، وهو خريج  بدبلوم كهربائي، لكن كان يعمل في الفندق باعتباره غاسل أطباق . و يفسر نظام العمل، إذ يقول: هناك فريقان، الفريق الذي يدخل في الساعة 7 ، ويخرج في 4 ، والفريق الذي يدخل في 4 ويخرج في الساعة 1:00 بعد منتصف الليل. هناك وقفة لمدة ساعة: المشكلة هي عندما يكون هناك الكثير من العمل، وفريق 04:00 يبقى حتى 07:00 ومن ثم يخرج لمساعدة النوادل في المطعم. ونحن لا نخرج أبدا في الوقت المحدد، لان هناك ضغطا وعملا كثيرا، ونحن نبذل الجهد ونشتغل ساعات إضافية كثيرة و مجانا، ولذا تركت العمل.  ما يزعجني هو أنني لا أفهم ذلك، إن إدارة المؤسسة تتكون من "اﯕور" (الأجانب)، وهم يعرفون قانون العمل وحقوق الناس، وعندما يأتون هنا إلى المغرب، لماذا يتصرفون كالمغاربة، و يفعلون مثلهم؟

و مثل هذه التصريحات المتكررة التي تم جمعها من ميدان البحث، تشير إلى أن الشركات متعددة الجنسيات قد تختار أيضاً، ربما بشكل افتراضي، التعاقد من الباطن، معتمدة على الأرضية الثقافية المشتركة،  فتمارس  ما نصطلح عليه  "بعمالة القراصنة"، إذ أن "الرئيس القرصان" يؤجر ببساطة عمالا مياومين بأدنى الأجور الممكنة ويستغلهم إلى أقصى درجة، على الرغم من أنه قد تكون هناك مظاهر علاقة خيرية شكلية ، تحاول أن تحاكي بعض جوانب الخطاطات الثقافية التقليدية . ومع ذلك، ففي  أسفل الهرم الاجتماعي، يقبع الجزء الأكبر من العمال الذين لا يزالون يعانون من الإكراه المباشر من رئيس سلطوي مستبد، مع قليل من الإعفاءات الاجتماعية والمادية . إن "الرؤساء القراصنة" انتهازيون، يغتنمون الفرص،  ويصطادون في المياه الفاسدة، لا يهمهم سوى تحقيق الربح السريع، و لا يهتمون كثيراً بجودة العمل أو بمصالح العمال.

إن آراء المستجوبين، بالإضافة إلى  الملاحظات الميدانية، تشير إلى أن رب العمل القرصان والذي يصطلحون عليه "بإبن المومس" (ولد القحبة) ، أو "الخايب" (الدنيء)  يشكل مع الأسف  النموذج الأكثر غالبية . و قد سألنا الكثير من المستجوبين ما إذا كان هناك أي حل أو تغيير في الأفق لهذه المعضلة.  ويهدف عملنا المستمر لملئ هذه الأنواع والممرات بين الفئات المذكورة أعلاه، خصوصا في ظل الضغوط المتزايدة  من جراء تطبيق شروط الحداثة الاستهلاكية. 

و على الرغم من أن الخطاطات السلطوية التي تمت مناقشتها من قبل، قد تفكك الروابط الجماعية، فإن الاتحادات  النقابية موجودة،  وتعمل منذ فترة طويلة في الساحة التنظيمية بالمغرب، لكن حتى الآن، تبدو التنظيمات  النقابية مجزأة بالكامل، و تعيش انشقاقات صارخة، و لا يمثل الانخراط النقابي خيارا واقعيا لمعظم العمال، خصوصا أولئك الذين يشتغلون في القطاع غير المهيكل، أو الذين يخضعون " للرؤساء القراصنة"، و لا تزال القوة العاملة في بحث دائم عن العدالة الاجتماعية، وفي بعض الأحيان ، يلجأ العمال إلى ردود الفعل الفردية، مثل الانطواء والنهب والإجرام في العمل، بما في ذلك التخريب . وحتى الوقت الحاضر، تظهر هناك دلائل تبين لنا انه لم يتغير شيء في الأنماط التي تمت مناقشتها، و أن علاقات الهيمنة والخضوع من المحتمل أن تكون أكثر حضورا في الوقت الراهن.

وفي النهاية، لا يجب  التغاضي عن  بذور المقاومة المحتملة التي لا تزال كامنة في الأرضية الثقافية لمفهوم العمل بالمغرب ، فمن الممكن تماما، وفي أي وقت  أن تصبح السلطة، تحت سطوة رأس المال، مفرطة في استخدام الموارد، و جشعة إلى حد تميل معه إلى فضح نفسها كسلطة قسرية واستغلالية، وبالتالي تفقد شرعيتها الثقافية، وتعرض نفسها  لخطر المواجهات و النزاعات العمالية الشرسة ، وتتحول الموارد الثقافية التقليدية إلى مقاومة و تمرد، تلك ردود أفعال اجتماعية  محتملة، ناتجة ليس فقط عن التظلم الاقتصادي بمفهومه الغربي المألوف، ولكن أيضا عن مشاعر عميقة  بالخيانة منبثقة من الجذور الثقافية المحلية.

هذا المقال عمل مشترك بين د. بول ويليس، حاليا أستاذ  بجامعة بكين –الصين 

و د.محمد معروف، أستاذ بجامعة شعيب الدكالي – الجديدة

ترجمة د. محمد معروف

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 )

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية