English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

  1. قاضي التحقيق ينهى الاستنطاق التفصيلي للمعتقلين في قضية محسن (0)

  2. الأمطار تحول شوارع بن طيب إلى برك من الأوحال (0)

  3. السلطات الامنية بالناظور تضبط 5,5 طن من الحشيش (0)

  4. 220 مليون دولار للنهوض بالتعليم الثانوي بثلاث جهات بينها جهة الشمال (0)

  5. جمعيات تطالب لحليمي بالكشف عن العدد الحقيقي للناطقين بالامازيغية (0)

  6. نقابة: الاعلام يروج "الاكاذيب" على الاطر الطبية بمستشفى الحسيمة (0)

  7. السياسة الهجروية الجديدة بالمغرب.. واستمرار المآسي (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | نعيب الفلسفة.. والعيب فينا.. وليس للفلسفة..عيب سوانا

نعيب الفلسفة.. والعيب فينا.. وليس للفلسفة..عيب سوانا

نعيب الفلسفة.. والعيب فينا.. وليس للفلسفة..عيب سوانا

لا زلت أتذكر يومي الأول الذي ولجت فيه حصة الفلسفة، فانبهرت بها وجذبتني المادة وجننت بها، وجدتها نمطا جديدا من التفكير العقلاني، الذي منح الإنسان القدرة على استنشاق عطر الحرية وركب رياح التغيير، وقد كنت أحس براحة نفسية لحضور حصصها، وأجد متعة فكرية لقراءة أدبياتها التي تتسم بانطلاقات الروح البعيدة عن العقل الأداتي والنفعي الذي تتميز به المواد العلمية، هذا العقل المادي الذي يتسم بالجفاف والممسك بتلابيب الوسائل والغايات، وراح اهتمامي بالمواد العلمية يتلاشى شيئا فشيئا إلى حد النسيان، فهذا الفكرالفلسفي الذي انتشلني من الاهتمام بكل ما هو مادي وعلمي، هو نفسه الذي استطاع عبر التاريخ أن ينتشل الإنسان من نير وقهر القوى الرجعية، فنبذ زحف العنف والتعصب والتقتيل الممارس من طرف القوى الاستبدادية.

ففي رحاب الفلسفة، كنت أقضي وقتا ليس بالقصير، قارئة وكاتبة، راضية ومتذمرة, يائسة ومتحمسة، فقد كنت أظنها تلك الروضة الغناَّء التي يحتمي بها المرء من تقلبات الفكر وصراعات الحياة اليومية وغيابات الفوضى والجهل والفساد، كنت أظنها قلعة الحكماء المضيئة في وطن تعوزه الحكمة في جده وهزله. لكني بدأت أنفر منها بعض الشيء حين بدأت أتعامل مع أصحاب هذا التوجه الذين أبعدوا الدين عن أولوياتهم، وكأن الفلسفة جاءت لتُقصي الشرائع السماوية، وازددت نفورا حينما اقتربت من كثرة المشتغلين بها في وطني صدمني أنها لم تسبغ على معظم المهتمين بها قيمها, ولم تمنحهم حصانة عدم الانزلاق إلى حماقات البشر وتفاهاتهم, ولم تحل بينهم وبين عبادة المال والجاه والقفز فوق أكتاف الآخرين وانتهاك حُرمة القيم الفلسفية السامية.

تضخمت معاناتي حين وجدت الطلاب في وطني قد ألقت و تُلقي بهم قسرًا درجاتهم الدراسية بالآلاف إلى أقسام الفلسفة وما شابهها كبقايا لأسواق النخاسة التي تنصبها الدولة كل عام تحت مسمى التنسيق الجامعي، فإذا بهم محبطون, كارهون، مجبرون، مصنفون من حمقى المجتمع كأضغاث أحلام تؤرق أسواق العمل. ثقافة مجتمع مريض يخدعه بريق المسمى، فيعتمد تصنيفًا يثير دهشة العقل والعالم لأهل القمة وأهل القاع!

لقد ازداد تضخم معاناتي حين وجدت العوام وأنصاف المتدينين وأرباع المثقفين في وطني ينظرون إلى الفلسفة كتهمة! فهي تارة «سفسطة»، وهي تارة أخرى «كفرٌ وزندقة»، وهي تارة ثالثة «فذلكة ممقوتة»، وهي تارة رابعة «عمل من لا عمل له»!

ثم شرعت أفكر من أين أتى هذا المفهوم الضحل عن مادة الفلسفة، فانتهيت إلى أنه مفهوم موروث لدينا منذ القدم فقد كانت منبوذة عندنا عبر التاريخ، «فالفرابي» عاش ضعيف الحال، كان يسهر على قنديل الحارس، «ابن رشد» تعرض في آخر حياته لمحنة حيث اتهمه علماء الأندلس بالكفر والإلحاد، فأحرق أبو يوسف يعقوب جميع مؤلفاته الفلسفية ثم نفاه إلى مراكش حتى مات هناك، وابن باجة كذلك مات مسموما بمدينة فاس، وغيرهم من الفلاسفة المضطهدين، ولا زالت الفلسفة منبوذة إلى وقتنا الراهن على كل المستويات، بدءًا من المستوى الرسمي الذي لا يكفل التقدير المادي والمعنوي اللازمين لكل من يخدم الإنسانية معنويا، ووصولا إلى مستوى الأسرة، أعني الأباء واستصغارهم لدور الفيلسوف أو المفكر ويرون أنه لا يرقى إلى ما يتمنونه لمستقبل أبنائهم والنهوض بهم، فهم يرون أنها ليست بالمهنة التي يحدد لها رواتب تكفُل لأصحابها عيشة كريمة.

ومن أسباب عدم تقدير الفيلسوف ماديا – برأيي-  يرجع إلى نفور المجتمعات الشرقية عن الاهتمام بالمجال الفكري وعزوف أغلب أفرادها عن القراءة، فهؤلاء الفلاسفة أفكارهم وأقلامهم هي سلعتهم وما أغلاها من سلعة، فإذا ازدهرت القراءة في أمتنا -التي كانت أمة إقرأ- راجت سلعهم وكان لهم عائد مادي يحفظ لهم حياة كريمة وتقديرا معنويا واسعا يشجعهم على الإتيان بالمزيد مما لديهم، وبالتالي لا عيب أن يتمنى الآباء لأبنائهم أن يصبحوا فلاسفة ومفكرين بجانب أمنياتهم أن يصبحوا أطباء أو مهندسين.

ولهذه الأسباب السابقة الذكر لم أختر الفلسفة تخصصًا لدراستي الجامعية، وانحزت إلى تخصص القانون، ولكن بعد ذلك أحسست أنني قد أجحفت في حق الفلسفة، وندمت لأنني لم أتبع ميولي العقلية والنفسية، وانحزت إلى ما يمليه علينا أباؤنا وثقافة مجتمعاتنا, فأدركت أن التفكير (لاسيما إن كان فلسفيًا)، ورغم كونه في ديننا الحنيف فرض عين على كل ذي عقل، قد أصبح في ثقافتنا الهاوية إما عادة سيئة ينبغي التخلص منها، أو رفاهية لا نملك مقوماتها،  وكيف أن الحاجة الضرورية إلى التفلسف قد احتلت المركز الأخير في قائمة أولويات مجتمع ينخر الفساد في عظامه ويهدد أساسيات وجوده، وكيف أن القيم التي شكَّلت أحد مباحث الفلسفة الرئيسة (من حقٍ وخيرٍ وجمال) لا قيمة لها دون جوهرٍ يفعلها هو الإنسان، وكيف أن الفلسفة ليست حُلة نرتديها لنستر بها عورات جهلنا وتخلفنا ونفاقنا، وكيف وكيف وكيف؟ فلنكف إذن عن التفلسف ريثما نستحقه، ولتكن اللافلسفة!

على أنني في لحظة مراجعة ضرورية لواقعنا الغث، أدركت أن الفلسفة عندنا تعيش في الهوامش وتبحث عن الورود في المقابر، وأن جريمة المجتمع ضد الفلسفة هي كجريمة قاطف الزهرة ليزهو بها في معطفه قليلاً ثم لا يلبث أن يلقي بها لتدهسها أقدامه وأقدام الآخرين! أو كجريمة الممارس لقتل الأبرياء لا لشيء إلا لتخلو له ساحة العبث، فيلهو مرحًا وغباءً فوق أشلاء ضحاياه!

أبدًا ما كانت الزهرة آثمة، وما كان البريء مُعكرًا لصفو الطُهر، وما كانت الفلسفة معيبةً مذمومة، ألا تراها تتربع على عرش المعارف في معاقل الحضارة قديمًا وحديثًا؟  ألا تراها غوثا للحيارى في دروب العلم، طبيعيًا كان أو إنسانيًا؟ ألا تراها بما تثيره من دهشة وتساؤلات مقتحمة لمجاهل الوجود والعقل واللغة، مشخصة لأمراض الواقع؟ بل ألا ترى المشتغلين بها في الغرب هم قادة الفكر وصانعوا الرأي وراسموا السياسات؟

فالفلسفة بالنسبة للعلوم الأخرى كنسبة الروح إلى الجسد لدى الإنسان، ونحن بحاجة إلى من يعالج الجسد إذا اعتل ومن يسرّي عن الروح إذا ضاقت، لتوضيح المسألة بشكل أفضل، لنأخذ على سبيل المثال التساؤلات التي طرحها مايكل ساندل (أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة هارفرد) بخصوص الحد الفاصل بين منطق السوق والفضائل في كتابه الموسوم بـ«العدالة»، والذي يمثل نموذجا للشك المنهجي والحذر الفلسفي حيث يطرح أسئلة شائكة دون أن يدعي أنه يملك إجابات قاطعة لها، من هذه الأسئلة:

«هل يعتبر إخضاع الفضيلة لمنطق السوق أمرا جيدا؟ هل من الممكن تسعير الفضائل الإنسانية وإخضاع قيم كالحب والصداقة والشجاعة لقانون العرض والطلب؟ وماذا عن تأجير أرحام الأمهات أو التبرع بالحيوانات المنوية مقابل نظير مادي أو الاستعانة بجيوش المرتزقة من أجل حماية الوطن؟ وإذا كان منطق السوق حاكما للنشاط الإنساني فهل من الممكن مثلا: بيع الجنسية وحقوق الهجرة؟ بيع أصوات في الانتخابات؟ عرض أطفال الرضع في سوق للتبني؟».

أبدا ما كانت الفلسفة معيبة مذمومة، وإلا فهل نعيب الدين الحنيف حين نرى بعض أصحاب الجلابيب واللحى يتاجرون به ابتغاء دنيا يصيبونها؟  وهل نعيب العلم حين يغدو وهمًا خادعًا على أيدي الجهلاء؟ وهل نعيب التعليم حين يعبث به الحمقى فيجعلونه سلعة للبيع والشراء؟ وهل نعيب قيم المجتمع حين يسيطر عليها أهل الهوى والرياء؟ وهل نعيب التاريخ حين يكتبه اللصوص وسافكو الدماء؟ وهل نعيب اللغة حين ينطق ويتلاعب بها العامة والدهماء؟ وهل نعيب وسائل الإعلام حين يعتلي منصاتها مرضى العُهر والغباء؟ وهل نعيب المختنق حين نحول بينه وبين الهواء؟

نعيب الفلسفة والعيب فينا, وليس للفلسفة عيب سوانا، ونهجو المنطق بغير ذنب, ولو نطق المنطق لنا هجانا.

بشرى بلعلي / ساسة بوست

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 )

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية