English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

  1. عصابة "اودي" المغربية تواصل غارتها على الابناك الهولندية (5.00)

  2. الأمطار تحول شوارع بن طيب إلى برك من الأوحال (0)

  3. مدريد متخوفة من تغيير ديموغرافي لصالح "القومية الريفية" في مليلية (0)

  4. الحسيمة.. معاناة المشردين تزداد خلال فصل الشتاء (فيديو) (0)

  5. عمال معمل الحليب المطرودين يمددون اعتصامهم امام عمالة الحسيمة (0)

  6. الحسيمة..هيئات ترسم صورة قاتمة للوضع الصحي ببني حذيفة (0)

  7. جداريات وبستنة تؤثث أقدم مدرسة بإمزورن (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | الريف | الوجه الآخر لحرائق الغابات في الريف

الوجه الآخر لحرائق الغابات في الريف

الوجه الآخر لحرائق الغابات في الريف

كم حريقا اندلع السنة الجارية في غابات الشمال؟ وكم حريقا تم الكشف عن الأسباب الحقيقية التي تسببت فيه؟
الجواب عن هذين السؤالين يفتح الباب على مصراعيه لكثير من الأسئلة التي تتناسل أمام من ينبشون في ملف تكثر فيه مساحات الغموض.. وأولى هذه الأسئلة: لماذا تتضاعف الحرائق في هذه المنطقة في هذه الفترة من السنة بالذات؟ وما علاقة هذه الحرائق بنشاط زراعة الكيف، المنتشرة على طول الشريط الرابط بين أقاليم بعينها، شفشاون والناظور والحسيمة.. مرورا بعشرات المداشر والدواوير التي تتزايد فيها المساحات المزروعة تحت أنظار السلطات العمومية والأجهزة الأمنية بمختلف تلاوينها؟ ثم ما الذي يشجع مدبري هذه الحرائق على تكرار العملية؟ وكيف يتمكن هؤلاء من الإفلات من المحاسبة في ظل قوانين لا تزيد الوضع إلا تعقيدا وتنذر بخطر كبير يحيط بالغابات من كل جانب؟
الخميس، 23 غشت الماضي، طائرة صغيرة تقوم برحلات متتالية من وإلى منطقة «الحجرة الشريفة» في جماعة باب تازة٬ شرق شفشاون. يومان من الجهود المضنية لإخماد حريق أتى، حسب الرواية التي عممتها وكالة الأنباء الرسمية، على 50 هكتارا، والحريق هو واحد من عشرات الحرائق التي اندلعت دون سابق إنذار في هذه المنطقة منذ أسابيع قليلة، والتي قدّرتها وزارة الداخلية بأزيدَ من 70 حريقا.
ومثله مثل غيره من الحرائق «الغامضة»، اكتفى بلاغ المندوبية السامية للمياه والغابات بالعبارة التي تصلح لكل حدث مماثل «وقد فتح تحقيق للكشف عن الأسباب التي تقف وراء الحريق (...) والبحث جار للوصول للفاعلين»..
مجرد حريق آخر..
قوات الدرك والجيش والقوات المساعدة مرابطة على جانب الطريق الرابطة بين شفشاون وباب برد، وعناصرها يتناوبون على إخماد نيران تأبى إلا أن تستعر وتواصل زحفها على مساحات إضافية من أشجار البلوط الفليني، إضافة إلى نباتات أخرى تشتهر بها المنطقة. وفي الجانب المقابل، وجد عشرات الشيوخ والشباب، من سكان المدشر القريب من الغابة، فرصة للتحديق في الطائرة وهي تفرغ ما في جوفها من مياه، وأحاديث جانبية بينهم حول الأحداث المتسارعة التي خيّمت بظلالها على المنطقة وكيف اقتحم عناصر الدرك بيوتا و«عزايب»، بحثا عن أي دليل يورّط أحدهم..
يحكي الحسن، وهو شيخ تجاوزت سنوات عمره الخمسين، ل«المساء» بعض تفاصيل ما حدث في اليومين الماضيين، يقول، وعلامات التوجس بادية على وجهه: «لقد شب الحريق زوالا وسط الغابة، وسرعان ما انتشر في مساحات كبيرة، قبل أن تحل بالمنطقة جميع الوحدات الموكول إليها مهمة إخماده، ومعها حلت عناصر من الدرك، باشرت تحقيقاتها لكشف الفاعلين»، مضيفا، وهو يوجّه كلامه لبقية الحاضرين، وكأنه يرمي التهمة عن أبناء مدشره: «لا أحد يعرف من تسبب في الحريق، ولا كيف اندلع، والدركيون تعاملوا بنوع من العنف مع الأسر التي تحيط منازلها بالغابة.. حتى إنهم اقتحموا البيوت وبعثروا أثاثها واقتادوا العديد من الرجال، قبل أن يقرروا الاحتفاظ بشخصين تحوم شبهات كثيرة حول تورطهما في الحريق».
تنقص رواية الشيخ الحسن حول ما حدث الكثيرُ من التفاصيل التي تربك تماسكَها، ولهذا كان لزاما الاستماع إلى أكثر من شخص، لمحاولة تجميع الفقرات المبتورة. وتفيد التفاصيل الناقصة، كما استمعت إليها «المساء» من أكثر من مصدر، أنّ الحريق كان فعلا «مُتعمَّدا»، سببه نزاع بين الشخصين الموقوفين حول من هو الأحق بسقي زراعته.. وهو الصراع الذي بدأ بتبادل السب لينتهي لاحقا بكارثة، حين عمد أحد الغريمين إلى إضرام النار في أنابيب الري المملوكة للآخر.. لكنْ، ولسوء حظه، خرج الأمر عن حدود السيطرة، حين امتدّت النيران إلى الغابة، وكانت الحصيلة تدمير عشرات الهكتارات من الأشجار، ومتاعب كثيرة لعشرات الأسر التي دخلت في دوامة التحقيق والمساءلة.
تُزيح الإضافات، التي نقلها أحمد، بعض الغموض الذي أصرّ الشيخ حسن على أن يتركه في روايته، ولمزيد من التدقيق، يقول أحمد إن «التفصيل الذي تحاشى الجميع الحديث عنه في حضورك يتعلق بطبيعة «الزراعة» التي كانت أسبقية سقيها سببا في النزاع الذي أدى إلى حدوث كل هذا، والحقيقة أن الأمر يتعلق بحقل من الكيف وسط الغابة.. وهذا أصل الداء الذي ابتُليت به هذه المناطق ولا أحد يجرؤ على النبش في موضوع يثير المتاعب»...
ما كشفه أحمد ل«المساء» ليس سرا خفيا، بقدْر ما هو وضع قائم يتحاشى الجميع الخوض فيه.. والحال أن آلاف الهكتارات من الملك الغابوي يتم استغلالها لزراعة الكيف، تحت أعين السلطات، التي عجزت مخططاتها وبرامجها عن وضع حد للظاهرة، التي تهدد ما تبقى من غابات الريف. هنا ينتصب سؤال جديد: كيف يتمكن مزارعو الكيف من الحصول على مساحات شاسعة وسط الغابة تُستغَلّ لزراعة العشبة المحظورة؟
الجواب لا يحتاج إلى عناء تفكير، يقول أحمد: «في ما مضى، كان مزارعو الكيف يلجؤون إلى قطع الأشجار واجتثاث جذورها لتوفير مساحات، معتمدين على الأدوات اليدوية، قبل أن تتطور الأمور إلى استعمال آلات التقطيع التي تعمل بالبنزين، وحتى الجرافات في بعض الحالات، أما اليوم، ولأن هذه العمليات صارت مكلفة وتثير الانتباه، فقد اهتدى هؤلاء إلى «تقنية» أكثر نجاعة ولا تكلف شيئا، ولهذا صار تدبير حريق يأتي على مساحات غابوية كبيرة، أفضل طريقة لتوسيع رقعة الزراعة، التي تتزايد مساحتها يوما عن يوم».
ما يشير إليه مصدر «المساء» واقع لا تنفيه حتى الروايات الرسمية، ولو أنها تتحاشى في الكثير من بلاغاتها أن تشير إلى المسألة صراحة. ولعل ما صرّح به عبد العظيم الحافي، المسؤول الأول عن تدبير الغابات خلال اجتماع للجنة المديرية للوقاية ومكافحة حرائق الغابات، عقد في شهر ماي 2010، أكبر دليل على درجة الخطر التي صارت تتهدد الرصيد الغابوي، إذ أشار إلى أن «حرائق الغابات تعود بالأساس إلى أعمال إجرامية أو ناجمة عن الإهمال، موضحا أن 95 في المائة من هذه الحرائق ذات طبيعة إجرامية».
وأكد المندوب السامي أن «مزارعين يعمدون الى حرق آلاف الهكتارات من أجل التعاطي لزراعات غير مشروعة، خاصة القنب الهندي، أو لامتلاك المجال الغابوي، مسجلا أن هذه الظاهرة تتم معاينتها بالخصوص في منطقة الريف، حيث تسفر هذه الممارسات عن 83 في المائة من حرائق الغابات في المنطقة، كما أنها تسجل حوالي 82 في المائة من القضايا المدنية المعروضة على أنظار العدالة، تهمّ الترامي والاستيلاء على المجال الغابوي».
ولم يُخف مسؤول آخر في الاجتماع ذاته انزعاجه مما وصلت إليه الأمور وكيف تضاعف حجم الحرائق التي اجتاحت مناطق محددة في شمال المغرب، ويتعلق الأمر بعمر الحضرمي، الوالي بالإدارة المركزية في وزارة الداخلية، الذي ربط انتشار هذه الآفة بجشع المضاربين العقاريين وانتشار زراعة الكيف، فضلا على غياب الحكامة الجيدة، مؤكدا أن «المنطقة تحمل الكثير من العناصر التي ستجعلها مستقبلا من أغنى المناطق في المغرب، وهذا الأمر يدعو جميع الأطراف المعنية إلى التدخل من أجل وقف ما تشهده المساحات القليلة من الغابات من حرائق واجتثاث»..
«المونطي».. سيد الغابة
قادنا البحث في ملف الحرائق المتكررة التي تشهدها غابات الريف إلى قطع عشرات الكيلومترات إلى الحدود الفاصلة بين وزان وشفشاون، عبر باب برّد، مرورا بالعديد من المداشر التي اختار أهلها السكن على جنبات الغابات. هنا، لا يمكن للعين أن تخطئ منظر المساحات الشاسعة لحقول نبتة الكيف، والتي تتكاثر على طول الطريق، وكأن الأمر يتعلق بزراعة مشروعة يستفيد ممتهنوها من برامج الدعم الزراعي ومخططات «المغرب الأخضر»!..
نحن الآن في مدشر غير بعيد عن مركز بوحمد. هنا، أيضا، لا مجال للحديث عن زراعات بديلة للكيف، حيث يندُر أن تجد بيتا لا يتعاطى أهله زراعة «العُشبة»، التي تدر من الأرباح ما يصرف نظر صاحبها عن أي مهنة «شريفة».
هنا قضت «المساء» ليلتها في ضيافة مزارعين للكيف. وهنا استمعنا إلى حكايات مثيرة عن الطرق التي يعتمدها المزارعون لتوسيع رقعة زراعتهم، التي تأبى إلا أن تستمر، ولو اقتضى الأمر التضحية بمئات الهكتارات من الغطاء الغابوي، الذي احتاج إلى عقود طويلة لكي ينمو. يقول مضيفنا عبد الله، وهو واحد من المزارعين الذين يملكون حقولا للكيف وسط غابة «فيفي»، التابعة إداريا لمركز باب تازة، إن «اللجوء إلى حرق الغابة للحصول على مساحات إضافية لزراعة العشبة عملية معروفة لدى الجميع، ويتم اللجوء إليها في فصل الصيف، حيث تشتد درجات الحرارة، حتى تتم التغطية على الأمر ويتم ربط الحريق بحادث عرَضي».
ويضيف المصدر ذاته أن «عملية الحرق قد يقوم بها المعني بالأمر، أو قد يستعين بخدمات أشخاص غرباء عن المنطقة، وقد يحدث أن تُضرم حرائق متعددة في الوقت نفسه لتشتيت انتباه السلطات المعنية وتعقيد جهودها لإطفاء الحرائق، لكن استغلال المساحة المتوفرة لا يتم في حينه، بل قد يتأخر استغلالها إلى ما بعد السنة أو أكثر إلى حين توقف «التحقيقات» التي تفتحها الجهات المعنية، وتدخل القضية دائرة النسيان، لكن الشروع في استغلال المساحة الجديدة لا يتأتى إلا بعد أن يعقد اتفاق مع «المونطي»، حيث يتم تحديد ثمن البقعة المراد استغلالها، وهذه أمور معمول بها في مجموع المناطق المعروفة بزراعة «العشبة» في غابات الريف، وهذا وجه من أوجه التواطؤات التي تجري على هامش الحرائق التي تشهدها المنطقة».
يحكي إبراهيم، وهو ابن عم مضيفنا عبد الله ومزارع آخر للكيف، جالسته «المساء»، كيف يتم الاتفاق مع «المونطي» على «ثمن» تغاضيه عن نشاطهم المحظور، حيث قال: «حين يرغب أحدنا في استغلال مساحة غابوية لزراعة العُشبة، فإن أول خطوة يقوم بها هي ربط الاتصال ب»بوغابة»، المسؤول عن المنطقة التي تضم القطعة المحددة، ويجري الاتفاق على «تعويض» مناسب يتسلّمه مقابل ذلك.. ويتعلق الأمر هنا بمبالغ تصل إلى ملايين السنتيمات، وحتى يضمن «المونطي» عدم توريطه في العملية، فإنه يعمد إلى تحرير محضر بواقعة الترامي على الملك الغابوي في حق المُخالِف، إلا أنه يتم «تعطيل» المخالفة لمدة تطول أو تقصر، وتبقى رهينة بالمدة التي سيقضيها في المنطقة، وحين يتقرر تنقيله إلى إقليم آخر، فإنه يقوم بتحريك المخالفات التي تم تحريرها، لكن هذا لا يتم إلا بعد أن يكون المزارع قد استفاد لسنوات من المساحة الغابوية»..
أكثر من ذلك، يقول إبراهيم إن «بعض موظفي المياه والغابات، تخلّوا عن دور مراقبة الغابة وحمايتها من المخاطر التي تتهددها جراء عمليات التدمير المُمنهَج الذي يقوم به مزارعو الكيف، بل الأدهى أنهم تحولوا إلى ما يشبه المستثمرين في هذا المجال، بدليل أن بعضهم يعمدون إلى كراء الآبار لمن يرغبون في سقي حقولهم.. ويكفي أن يقوم المرء بجولة على طول الوادي القريب من الغابة، أو حتى بجولة داخلها ليكتشف أمورا غريبة تحدث هنا، وكيف جعل العديد من الأعوان من كراء الماء تجارة تدر عليهم الكثير من الأموال.. وللأسف فللعملية تبعات سيئة على الفرشة المائية، إذ إن الاستهلاك المفرط للمياه الجوفية تسبب في نقص مخزون الآبار التي يستعملها السكان لحاجياتهم الطبيعية، وأصبح الجفاف يتهدد العديد من المداشر في المنطقة».
تصب المعطيات التي استقتها «المساء» من مزارعين للكيف، في أغلبها، في محاولة توريط أعوان إدارة المياه والغابات في تفشي ظاهرة إحراق الغابة واستغلال المساحات المحروقة في توسيع حقول «العشبة»، لكنْ هل يقتصر الأمر فقط على تواطؤ هذه الفئة من الموظفين أم يمتد الأمر إلى فئات أخرى تستفيد من غض الطرف عن هذا النشاط الخارج عن القانون، والذي يدمر الثروة الوطنية؟
يقول نوفل البوعمري، المحامي في هيئة تطوان، في هذا الصدد: «تظل ملفات أغلب الاحداث التي تتعلق بإضرام النار في الملك الغابوي مفتوحة، وعليه تكون المسؤولية ملقاة على عاتق المسؤولين المحليين، من ممثلي السلطات العمومية، من مقدمين وشيوخ وقياد، الذين يكونون أكثر الفئات القادرة على معرفة الفاعلين الاصليين والحقيقيين، نظرا إلى طبيعة المنطقة وكذا إلى تركيبتها الاجتماعية وعلاقة السكان بممثلي السلطة، خصوصا أن تواتر هذا الفعل الاجرامي يجعل منه فعلا غيرَ معزول، بل منظما بأدوات «خفية» تسعى أولا الى القضاء على الملك الغابوي وثانيا الى الاستيلاء على الاراضي التي يتم إحراقها».
فكرة أخرى يبدو أنها أكثر أهمية في الموضوع برمته، وهي: «ما الذي يمنع إدارة المياه والغابات إلى إعادة تشجير المساحات التي تتعرض للإتلاف، بغضّ النظر عن الأسباب التي تقف وراء ذلك، سواء تعلق الأمر بحريق مُدبَّر أو بحادث عرضي؟ ثم هل سيصعب على السلطات المعنية أن تثبت العلاقة الموجودة بين الحرائق وبين زراعة الكيف؟.. والحال أن مساحات غابوية كثيرة تتحول إلى حقول لزراعة هذه النبتة؟ وحتى لو تعذر الحصول على دلائل ملموسة، فبالإمكان الاعتماد على قرائن تثبت ذلك وتكون دليلا يدين المتورطين؟».. هذه تساؤلات مشروعة تفرض نفسها، يقول عبد الصادق البوشتاوي، المحامي بهيئة تطوان، ويضيف أن على إدارة المياه والغابات الإجابة عنها، وعلى السلطات العمومية الكشف عن نوعية الحماية التي يحظى بها بعض كبار المزارعين من طرف العديد من المصالح المفروض أنها تحارب توسيع نشاط هذه التجارة..
قانون وثغرات..
لا تنفي عمليات الترامي على الملك الغابوي وتدبير الحرائق من أجل تحقيق هذه الغاية والاستفادة من تواطؤ العديد من أعوان الإدارات العمومية، من أجل استغلال هذه المساحات لممارسة أنشطة خارجة عن القانون، وجود أساب أخرى تساهم في تكريس هذه الوضعية. وقد أثار العديد ممن استقت «المساء» آراءهم مسألة ضعف القوانين المؤطرة للملك الغابوي، وهو ما يشجع الكثيرين على وضع يدهم على عشرات الهكتارات من الغابة دون موجب حق.
ولفهم هذه النقطة، يبدو من الضروري، حسب البوعمري، إلقاء نظرة على التشريعات المنظمة لاستغلال الملك الغابوي. يقول في هذا الإطار: «بالعودة إلى هذه التشريعات، نجدها تتعلق أولا بظهير 10 أكتوبر1917، وهو الظهير المتعلق بحفظ الغابات واستغلالها، ويعتبر أول تشريع خاص منظم للملك الغابوي ويحدد كيفية حمايته والمسلك القانوني لزجر كل من يتطاول على الملك الغابوي والضرب على يديه، سواء بالترامي او بالإحراق.. وهو ظهير أصدرته سلطات الحماية، ما يجعله اليوم ظهيرا متخلفا عن الواقع وعن التطور الذي يعرفه العقار المغربي، خصوصا الملك الغابوي، لذلك اذا كان هناك من إصلاح تشريعي فيجب أن يتم البدء بإصلاح هذا الظهير حتى يصبح مواكبا للتطور الذي يعرفه المغرب، اذ لا يُعقَل، بعد مرور اكثر من 50 سنة على الاستقلال، أن يستمر العمل بظهير صدر منذ أكثر من 70 سنة»..
ولأن التشريع المنظم لشروط استغلال الملك الغابوي يحتاج إلى أكثر من وقفة لإعادة النظر فيه وتحيينه بما يتلاءم مع متطلبات الوقت الحالي، فإن الأمر يسمح بوجود العديد من الثغرات القانونية التي تُمكّن المترامين على الملك الغابوي من الافلات من العقاب. وحسب نوفل البوعمري، «يمكن القول، بشكل واضح، إن الظهير وبالنظر إلى سنة صدوره والجهة التي أصدرته، يشكل بنفسه «ثغرة» قانونية، نظرا إلى الخلفية التي جعلت المستعمر يصدر مثل هذا التشريع، والذي كان يهدف من وراءه التحكم الجغرافي في المنطقة واستغلال خيراتها الغابوية، لذلك فظهير 1917 يطرح إشكالا قانونيا بسبب صمت المشرع عن التحديد القانوني لمفهوم «الغابوي»، اذ لم يقم بتقديم تعريف «للغابة» بل قام بتعداد الأملاك التي تدخل ضمنها وجعلها خاضعة للنظام الغابوي».
وأثار المصدر ذاته مسألة أخرى تتعلق بالسلطة التقديرية الممنوحة لواضعي المحاضر ولرئيس مقاطعة المياه والغابات، من خلال تحديد الشخص المسؤول عن تدمير الغابة، كما أن الإشكالات القانونية الكثيرة التي تُطرَح حول المحاضر نفسها تجعل إمكانية الإفلات من العقاب قائمة وواردة، حيث إن القيام ببحث بسيط وبمراجعة المحاضر المنجزة سنصطدم بالعديد من الملفات التي يتم بخصوصها تسجيل وجود بيانات هوية ناقصة، ومع تشابه الأسماء في المنطقة فإن هذا يجعل إمكانية الإفلات من العقاب واردة أو الإدلاء ببيانات غير صحيحة أو تتعلق بأشخاص آخرين.. خصوصا أن هذه البيانات تنجز في عين المكان، أي في الغابة».
ولعل أكثر الثغرات إثارة للاستغراب تلك التي أثارها عبد الصادق البوشتاوي، حين قال إن «هناك ثغرة قانونية يستغلها المزارعون، وحتى إذا حدث وقام العون بضبط مخالفة للترامي على الملك الغابوي وتحرير محضر بذلك، فيكون بإمكان مرتكبها أن يسجل دعوى عقارية ينازع فيها في ملكية القطعة الأرضية، حتى لو لو يكن يملك أي وثيقة تثبت حيازته لها، ويكفي أن يتقدم بما يفيد تسجيله الدعوى ليتم توقيف البت في الدعوى العمومية إلى حين البتّ في شكايته والحكم في القضية، وهذا قد يدوم لسنوات طويلة إلى حين صدور حكم نهائي.. والغريب في الأمر أنه يستمر في استغلال القطعة الأرضية طيلة المدة بمبرر أنه ينازع في ملكيتها، وفي كل مرة يطلب تأخير الملف إلى حين الإدلاء بوثائقه الثبوتية».

الجوط (مستشار جماعي): إدارة المياه والغابات تقدم الاستشارة القانونية لمن يريد أن يسيطر على الغابة
ما هي الحقائق المغيبة في حرائق الغابات التي تفتح بخصوصها تحقيقات دون أن تصل إلى نتيجة؟
إن «فتح تحقيق» تعني في الشمال، غالبا، شهادة إقبار الملف،.. أما الاعتداء على الملك الغابوي فهو أمر بسيط في نظر السلطة، وهي الطريق السريع والسهل للوصول إلى الثروة حاليا..
لقد أصبحنا في شمال المغرب تحت رحمة مافيات حقيقية لها امتدادات داخل الإدارة الترابية وكذلك المركزية. وقد شاهدنا خلال هذه السنوات الأخيرة تحولا خطير لدور إدارة المياه والغابات، التي أصبحت تقدّم الاستشارة القانونية لمن يريد أن يسيطر على الغابة أو يستوليّ على منابع المياه في هذه المنطقة، بعد أن كانت تقوم بدور الحراسة والتنمية الغابوية.. إن الأعداء الحقيقيين للغابة في الشمال هم حراس الغابة والعُدول.. ولا بد من إحداث آليات جديدة لمراقبتهم، وللأسف فقد راسلنا، مرات متعددة، المندوب السامي للمياه والغابات بشأن العديد من الخروقات التي سجلناها، لكنّ مراسلاتنا تظل دون صدى.
في رأيك، أين تكمن التغراث القانونية التي يستغلها المترامون على الملك الغابوي؟
الثغرات متعددة، أولا، طبيعة الوعاء العقاري في المنطقة، فكيف يُعقل أن يتم تحفيظ أرض لصالح الخواص داخل التحديد الغابوي النهائي؟ وتعطى تراخيص للبناء؟ وكذلك وجود طرق «تقليدية» لامتلاك الأراضي، مثل العقود اللفيفية.. ولا بد هنا أن نشير إلى أن التلاعبات في سجلات الأملاك داخل المحاكم وصلت قمتها، فهناك سجلات للأملاك «اختفت» عن الوجود تماما، وفي كثير من الأحيان يتم إتلاف صفحات متعددة من كنانيش الأملاك عند قاضي التوثيق، لخلق البلبلة وإتلاف الحجج ووضع الجميع أمام الفراغ.. إن خلق نزاعات وهمية وكثرة العقود التي تُمنَح من طرف بعض العدول جعلت السطو على الأراضي أمرا سهلا، لذا يجب تشجير جميع المساحات التي تم إتلافها ومنع بيع أو تحفيظ الأراضي داخل الملك الغابوي المحدد.. هذا هو الحل الوحيد للحفاظ على الغابة، ويجب خلق مساطر مستعجلة للحفاظ على البيئة في إطار إصلاح القضاء، حتى يتم وقف الاعتداء على الملك الغابوي بسرعة، كما يجب تشديد العقوبات، لأن الغرامات المالية لم تعد تؤدي وظيفة الردع.
هناك حديث عن «غض الطرف» من طرف عدد من الجهات المسؤولة، هل لك أن تفصل في طبيعة هذا التواطؤ؟
هناك تواطؤ كبير من طرف مصالح المياه والغابات والجهات المسؤولة، وإلا لَما تم إتلاف مساحات هائلة من الغابة، في كثير من الأحيان، يتم إتلاف الغابة أو حرقها في عطلة نهاية الأسبوع أو في العطلة السنوية، وهذه أمور أصبحت معروفة عند الجميع!.. وكلما طلبنا من حارس الغابة الانتقال لمعاينة مشكل خطير، فإننا نقابَل بالرفض، بدعوى أنه مسافر أو في عطلة.
كما اصطدمنا بامتناع قائد الدائرة عن مرافقة السكان مرتين، وعاينّا كيف يتحول إلى محام يدافع، بكل قوته، عن متهم بإتلاف الغابة في اجتماع رسمي، وبحضور السكان.. وفي بعض الحالات نفاجأ برفض القائد مرافقة لجنة رسمية لزيارة مكان كارثة بيئية حقيقية، أو الإشارة في محضر رسمي إلى عدد الهكتارات التي تم إتلافها، أو رفضه الحديث عن تشجير مساحات مهمة من الغابة التي تم قطعها وهي داخل التحديد!..

دليل الريف : المساء

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (1 )

-1-
bouazzaharat@hotmail.fr
8 شتنبر 2012 - 21:26
asabab haoi asolta almahalya oidarak almalaki oibo3aba oiabaterat almokhadirat oi ashab almakhabizze alati toharak biakhachab yajibo 3alayhim jami3an bihimayat albaya oichokran
مقبول مرفوض
-2
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية