English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

2.25

  1. الحسيمة..درك النكور يتمكن من حجز طنين من الاكياس البلاستيكية (5.00)

  2. عامل الاقليم يجتمع بالعمال المطرودين من معمل الحليب ببني بوعياش (3.00)

  3. "عمال الحليب" المطرودين يَعتصمون أمام مقر العمالة بالحسيمة (0)

  4. انتشال جثث مهاجرين سريين غرق قاربهم بسواحل الحسيمة (فيديو) (0)

  5. "إبراز الهوية الأمازيغية " شعار النسخة 2 لملتقى الثقافة الأمازيغية بالحسيمة (0)

  6. حسن اوريد يكتب : رسالة إلى الشهيد محسن فكري (0)

  7. المختاري رابع مدرب ينفصل عن رجاء الحسيمة منذ بدابة الموسم (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | رجالات الريف وتخاريف شكيب الخياري 2/3

رجالات الريف وتخاريف شكيب الخياري 2/3

رجالات الريف وتخاريف شكيب الخياري 2/3

عبد السلام حدو أمزيان أو عندما يتكلم التاريخ:

سبقت الإشارة إلى مقال نشره  شكيب الخياري تحت عنوان " أكاذيب تكشفها حقائق: دور محمد سلام أمزيان في أحداث 1958 – 1959 بالريف " (10). تحدث فيه الكاتب عن دواعي الثورة/ الانتفاضة من جهة، وعن دور بعض رموزها وقادتها  من جهة ثانية، خاصة دور القائد محمد سلام أمزيان وإبن عمه  الزعيم والمناضل عبد السلام حدو أمزيان.

 

فإلى جانب تكذيبه لكل الأحداث والوقائع التي تناولها  القائد في حواره مع الكاتب والصحفي مصطفي أعراب بشأن  حيثيات وملابسات اندلاع الثورة/ الانتفاضة التي قال عنها القائد " لقد وجدنا أن كل الملابسات تدعونا إلى القيام بهذه الحركة لإنقاذ الوطن من الانهيار، وإلا فلن يرحمنا التاريخ والأجيال الصاعدة " (11). كما نفى الكاتب أيضا، وبشكل قاطع، أن يكن للمناضل عبد السلام حدو أمزيان أي دور في الثورة/ الانتفاضة، مشككا بذلك في رمزية ودور الرجل في الثورة. يقول لدى  تعليقه على ذلك قائلا (( وعلاقته الوحيدة بالأحداث فراره قبل الهجوم العسكري، إلى مليلية لمجرد أنه من عائلة محمد سلام أمزيان. فمن أين له بهذه الرمزية يا ترى؟)).  وهنا يتضح لنا مرة أخرى، وبشكل واضح جدا، أن الكاتب يجهل تماما تاريخ عائلة أمزيان وثورة 58/59.

 

وما لا يعرفه الكاتب/ الخياري – ربما - عن المناضل عبد السلام  حدو أمزيان هو  أنه ابن القائد  الحاج حدو موح أمزيان أحد  أبرز القادة الميدانين في حرب الريف الأولى والثانية. فبعد أن قاتل  إلى جانب الزعيم  والقائد محمد الشريف أمزيان ( 1908 -1911 ) في حربه ضد الغزاة الإسبان، أصبح  بعد ذالك – وبدون منازع -  الذراع الأيمن للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي  في حربه الشعبية ضد الغزاة الإسبان والفرنسيين، حيث كان من أبرز القادة الميدانيين في الحرب الريفية الثانية. فبالإضافة إلى شجاعته وتجربته الحربية مع الشريف محمد أمزيان في الحرب الريفية الأولى ، كان القائد الحاج حدو أمزيان بارعا في معرفة تضاريس الريف الأوسط ، وهو الأمر الذي  أهله أن يكون  من أبرز العناصر والقادة  الميدانيين في حرب الريف الثانية بقيادة الرئيس الخطابي، حيث سيتولى فليقا من الجنود المجاهدين. 

 

بل وأكثر من هذا، يعتبر الحاج حدو موح أمزيان ( والد عبد السلام حدو أمزيان)  من الرجال القلائل  الذين ظلوا يقاتلون الغزاة الإسبان إلى حدود نهاية العشرينيات من القرن العشرين. وفي عهد الاستعمار أصبح حاكما مدنيا  لمنطقة آيث بوعياش ونواحيها ( آيث بوخلف، شقران، آيث تعروس، أربعاء تاوريرت..) ، الشيء الذي جعله أشهر الشخصيات  الحاكمة إلى ما قبيل  الاستقلال في منطقة آيث بوعياش ونواحيها، بل وفي قبيلة آيث ورياغل  برمتها، ونواحيها . وفي هذا السياق،  يقول الكاتب والباحث الأمريكي دافيد هارت " لقد كان حدو  ن موح أمزيان نفسه من أعيان آيث ورياغل ثم كبير محلة مكونة من جنود  غير نظاميين كانت تحارب خلال الحرب الريفية على الجبهة ضد الفرنسيين " (12).

أما الابن؛ عبد السلام حدو أمزيان فالتحق هو وإخوته جميعا دون استثناء ( حسن وعبد الباقي اللذين كانا شابين يافعين فضلا عن أبناء أخيه حمادي: عيسى ومحمد ) بالثورة مباشرة بعد الإعلان رسميا عن قيامها، حيث كان عضوا  قياديا في " مجلس قيادة الثورة"  مكلفا بمهمة  تدريب الكومندهات / الفدائيين  والعلاقات الخارجية(13).  وهنا نتساءل: أليس ما ذكرناه  حول عائلة حدو ن موح أمزيان  عموما، والمناضل عبد السلام حدو أمزيان خصوصا، كافيا للهروب إلى اسبانيا بعد فشل الثورة؟ وهل هناك رمزية أكثر مما ذكرناه؟

 

طبعا الكاتب لا يكتفي بهذا  القدر من الكلام السخيف والهجين حقيقة، وإنما يواصل أسلوبه التهكمي والتلفيقي في حق رموز وقادة الثورة/ الانتفاضة، حيث يبدو  واضحا أنه  يحاول إلصاق التهم بهم بأية وسيلة ، ومن هنا  سار يلفق التهم ويمزج بين الواقع والخيال، ولا يكتفي هنا بالتشكيك فقط في دور ورمزية المناضل عبد السلام حدو أمزيان، وإنما يربط ذلك بأمور أخرى، كما سنرى في الفقرة الموالية من مقاله المذكور سابقا:(( وبعد الهجوم على المنطقة في مارس 1959، كان محمد سلام أمزيان من بين أوائل الهاربين، الذين كان ضمنهم عبد السلام حدو أمزيان و عبد الله التهامي وغيرهم/ والتحقوا كلهم بمليلية حيث كان الإسبان في انتظار استقبالهم، وفي حينه، وفروا لهم الأكل والشراب وراتبا قارا، قبل أن يتم نقل جزء منهم بالباخرة إلى ألميريا ..)) انتهى كلام الخياري.

 

إذا  كان الإسبان قد وفروا الأكل والشراب  " للهاربين "  إليهم من قادة الثورة فهذا عادي وطبيعي جدا، اللهم إن كان الخياري يرى في هذا الأمر شيئا أخر  لا يراه عامة الناس فتلك مسألة أخرى . أما موضوع أن  الإسبان كانوا في انتظارهم فهذه واحدة من التهم التي يعمل الكاتب إلصاقها بالقادة ، رغم أنه لم يوضح لنا من هم هؤلاء المسؤولين الإسبان الذين كانوا في انتظار " الهاربين" ؟ ولا كيف عرفوا أصلا بعملية الفرار؟

 

فعندما يقول الخياري أن الإسبان كانوا في انتظار " الهاربين "، فهذا  يعني ضمنيا أن  الإسبان كانوا على اطلاع تام بمجريات الأمور وتفاصيلها، أو بتعبير آخر أن الإسبان كانوا على خط الاتصال والتنسيق مع قادة الثورة، وهذه الأمور تنفيها الشواهد التاريخية المتوفرة حول تلك الأحداث  الدامية. فمن العادي جدا أن يتم استقبال الثوار من طرف المسؤولين الإسبان، لأن  الضيوف من نوع ومستوى خاص، ربما أن الخياري نسى أو تناسى أن الذين يتكلم عنهم  هم قادة وزعماء الثورة.

 وجدير  بالذكر هنا أن عبد السلام حدو أمزيان لم يهرب إطلاقا إلى اسبانيا  عبر مليلية مع بداية الهجوم الحربي على الريف كما يقول صاحب المقال، وإنما كان موجودا في  سبتتة  أثناء فرار قادة الثورة إلى اسبانيا ( عبر مليلية ) مع بداية مارس 1959،  حيث  منعته  اسبانيا من دخول  الأراضي المغربية لأسباب غير معروفة، بعد أن كان يتنقل بين تطوان وسبتة بشكل مكثف ومستمر في إطار مهمة البحث عن السلاح.  زيادة على هذا، الرجل  ( = عبد السلام أمزيان) لم يتقاض يوم ما أي راتب مالي  من السلطات الإسبانية مند استقراره في ألميريا بشكل نهائي مع بداية الستينيات من القرن الماضي، وإنما كان يشتغل في المجال التجاري. كما رفض الانخراط أيضا في أي نشاط  سياسي ضد المغرب، بل اعتزل العمل السياسي بشكل نهائي. وخلاصة القول، رمزية الرجل (= عبد السلام حدو أمزيان)  يستمدها أولا من دوره في الثورة، وثانيا من تاريخ عائلته المكافحة والمناضلة، وثالثا يستمدها  من خلال قضائه لما يقارب  خمسة عقود في المنفي ( 47 سنة).

 

نقطة نظام لابد منها:

لكن، قبل أن نمضي في قراءة ومناقشة ما أورده السيد الخياري من الأكاذيب والمغالطات التاريخية  في مقاله السالف الذكر، حيث سنحاول اثبات أحداث المقال أو عكسها ، ومن ثم كشف الافتراءات والمزايدات  التي أدرجها الخياري في مقاله الذي بين أيدينا، بل وفي عدة  مقالات أخرى تناول فيها موضوع الانتفاضة والقائد محمد سلام أمزيان. قبل  أن نبدأ في  تحليل وفحص ما تضمنه المقال المذكور أعلاه، نريد هنا،  أولا ، إثارة  انتباه القارئ إلى مسألة مهمة للغاية في موضوع الحوار الذي أجراه مصطفي أعراب مع القائد محمد سلام أمزيان، نظرا لأهميته القصوى في  فهم واستيعاب الحوار بالشكل  المطلوب، وبالتالي وضع الحوار في إطاره الطبيعي. وهذه النقطة تتعلق – أساسا - بالظروف التي تم فيها الحوار، خاصة الظروف الصحية والنفسية للقائد  آنذاك، حيث كان يعيش  آنذاك  لحظاته الأخيرة. فعلاوة على المرض الذي كان يعاني منه القائد  مند مدة طويلة، الذي أودي بحياته في نهاية المطاف، كان رحمه الله يعاني  أيضا  من عدم القدرة على  الكلام والتركيز (14). بناء على هذا التصور نرى أنه من الضروري عند قراءة الحوار وتحليله استحضار هذا الجانب المهم في الموضوع، نظرا لتأثيره المباشر على مجريات الحوار ومضمونه.

 

وتأسيسا على ما سبق ذكره سوف لن نتناول في هذا المقام  بعض  التفاصيل الدقيقة التي أوردها القائد في حواره القيم والشيق مع أعراب (15)، بالرغم من أهميتها القصوى في تدوين مجريات الثورة / الانتفاضة، خاصة من الناحية  التاريخية، وإنما سوف نحاول فقط  مناقشة الحوار في إطاره العام  والشامل  دون أن نتطرق إلى عمق التفاصيل الدقيقة  التي تظل  مجرد  هوامش وجزئيات مقارنة مع أهمية وجوهر القضايا والإشكالات  التي طرحها وتناولها بشكل عام . وعندما نضع الحوار في هذا المستوى من التحليل والتفكير فإننا نعي وندرك جيدا  أهمية الأحداث والوقائع  السياسية والتاريخية التي أثارها في  أفق تصحيح بعض المعطيات الرائجة حول أحداث تلك المرحلة الهامة من تاريخ المغرب  عموما، وتاريخ الريف خصوصا.  وذلك لسببين رئيسين، الأول هو تشابه وتشابك الوقائع والتفاصيل التي أوردها القائد في حواره نتيجة حالته الصحية والنفسية . والثاني هو  أن مناقشة التفاصيل والجزئيات التي أوردها القائد في حواره يحتاج إلى أكثر من مقال، فالأمر، صراحة، يحتاج إلى دراسات معمقة وأبحاث مركزة، وهو الأمر الذي لا نستطيع القيام به الآن لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية قد يطول تناولها هنا.

 

وفي هذا الإطار سنحاول أن نرصد القضايا التي تناولها  القائد في حواره مع أعراب، ومن جانب آخر سنحاول أيضا مناقشة الأفكار  والأحكام  التي يروج لها الخياري من خلال مقالاته النارية ضد الثورة / الانتفاضة وقادتها التاريخيين، وبالتالي فإننا سنحاول  مناقشتها وتفكيكها  بشكل موضوعي وعقلاني . لعلنا نستطيع بذلك المساهمة في تصحيح المغالطات  والأكاذيب التي  تضمنتها مقالاته المذكورة سابقا، حيث سنحاول تحقيق  أمرين أساسيين، الأول هو إبراز  صحة  الأحداث والوقائع التي أوردها القائد محمد سلام أمزيان في حواره مع مصطفي أعراب، الذي يتهمه الكاتب/ الخياري بالكذب والتحريف، واختلاق الأحداث والروايات ، وذلك من خلال البحث والتنقيب – قدر الإمكان – في صحة الوقائع والأحداث التي أشار إليها القائد في حواره المذكور سابقا.  فعلى سبيل التوضيح فقط،  يهمنا في هذا المقام معرفة هل كان حزب الاستقلال يعقد اجتماعاته في أوطيل " درسة"  أم لا ؟ كما تهمنا أيضا معرفة  متى عاد علال الفاسي إلى المغرب؟  تهمنا هذه الأمور أكثر مما تهمنا معرفة مثلا هل كان علال الفاسي يحضر اجتماعات حزبه في أوطيل " درسة " أم لا ؟ كما لا تهما معرفة  كيف عاد إلى المغرب ومع من عاد ..الخ.

 

سنخوض فقط في القضايا التي تشكل بالنسبة لنا مركز وجوهر الحوار  المشار إليه سابقا، وبالتالي سوف لا نخوض  في هوامش وجزئيات القضايا التي أثارها الحوار، بالرغم من أهميتها بطبيعة الحال ، وهي الهوامش والجزئيات التي حاول الخياري إثارتها والتركيز عليها دون أن يذكر لنا الحجج التي تثبت  عكسها.  فمع الأسف، الخياري يقول أشياء كثيرة ولا يثبت في المقابل أي شيء !!. وهنا تكمن معضلة الخياري.

 

 ولنذكر هنا، بما ذكرنا به مرارا في هذا المقال، وهو غياب الأدلة والحجج التي تثبت صحة كلام الكاتب، بينما نجد في  المقابل العشرات من الشواهد التاريخية التي تثبت صحة كلام القائد، أو بمعنى أدق هناك العشرات من المراجع والوثائق التاريخية ( ومنها وثائق الاستقلاليين أنفسهم) التي تؤكد أن علال الفاسي كان بالفعل في مدينة  تطوان خلال القترة التي يقصدها القائد في حواره، كما سنبين ذلك  بالحجة والدليل في المحور الأتي.

 

  علال الفاسي وقصة اجتماع أوطيل " درسة " :

قد نختلف حول بعض التفاصيل التي أوردها الزميل مصطفي أعراب في حواره مع القائد محمد سلام أمزيان، نظر لتشابه الوقائع  وتشابك الأحداث أحيانا، بل وتناقضها أحيانا أخرى(16)، ولكننا سوف لا نختلف، أو يجب أن لا نختلف حول القضايا الأساسية والجوهرية في الحوار ، قد نختلف مثلا حول مسألة هل كان علال الفاسي حاضرا في اجتماع أطيل " درسة " ولكن سوف لا نختلف على أن حزب الاستقلال كان يعقد اجتماعاته في أطيل " درسة "،  طبعا هذه ليست رغبة ذاتية أو تحريف للحقيقة كما يفعل صديقنا الكاتب،  وإنما هي حقيقة تاريخية موضوعية تؤكدها العديد من الكتابات والشهادات التاريخية حول الموضوع، حيث كان أطيل " درسة " آنذاك  يعتبر من أشهر فنادق مدينة تطوان (17).

 

فعلى سبيل  التمثيل فقط، يقول الكاتب في معرض  تعليقه على كلام القائد البطل  بشأن حضور علال الفاسي  أحد اجتماعات حزب الاستقلال سنة 1956  بفندق " درسة " بتطوان، ما يلي (( وهذا القول مجانب للواقع، ذلك أن علال الفاسي وطيلة الفترة الممتدة من قبيل استقلال المغرب  والى غاية 8 غشت 1956 كان خارج البلاد رافضا الدخول للمغرب ..)) ثم يضيف في نفس السياق ((  ولم يدخل في هذه الفترة سوى مرة واحدة إلى تطوان لم تستمر سوى بضعة أيام قبل أن يعود مجددا للقاهرة، حيث سيقرر الدخول نهائيا للمغرب من منفاه سنة 1957، فكيف رآه محمد سلام أمزيان في فندق " درسة " بعد ثلاثة أشهور من الاستقلال سنة 1956 ؟..)).

 

السؤال المطروح هنا بإلحاح هو التالي:  هل بالفعل كان علال  الفاسي إلى غاية 8 غشت 1956 خارج البلاد أم لا ؟ فإلى  جانب عدم توضيح الكاتب للأسباب التي تجعل علال الفاسي لا يتواجد بمدينة تطوان خلال القترة التي تناولها القائد في حواره، بالرغم  من أن علاقة هذا الأخير  مع الإسبان كانت جيدة وممتازة على غرار علاقته مع الفرنسيين ، وعندما نثير هذه النقطة فإننا ندرك جيدا أن الواقع التاريخي يؤكد أن ما يمسى بالمقاومة وجيش التحرير كانا يعقد اجتماعاته في مدريد وبحضور المدعو علال الفاسي(18).، وبالتالي لا نرى أي مبرر منطقي وموضوعي يمنع علال الفاسي من حضور اجتماعات حزبه بتطوان. 

 

 لنتابع  معا  بعض الشهادات التاريخية فيما نحن بصدد مناقشته في هذا المحور:

في مجلة " وجهة نظر " العدد 40 -41 يقول معروف الدقالي في مقاله تحت عنوان " من مظاهر تحريف تاريخ المقاومة" وفي هذا الأفق تم سلوك العديد من السبل. فقد صرح علال الفاسي – وهو عائد إلى المغرب من منفاه الاختياري، اثر عودة السلطان – " (ص 12 ). وتجدر   الإشارة هنا إلى أن السلطان ؛ أي محمد الخامس، عاد إلى المغرب يوم 16 نونبر .1955

 نفس الكلام الذي قدمه  الأستاذ معروف الدقالي يؤكده أيضا الباحث محمد لخواجة في كتابه القيم تحت عنوان " عباس المساعدي الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير " ، الصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، حيث يقول المؤلف ما يلي " انعقاد اجتماع مدريد الأول جاء تنفيذا لقرار اجتماع تطوان في شتنبر 1955 . وكان من المفروض حينئذ أن ينعقد بروما، وتأجل لفترة طويلة. ومن خلال الكتابات التي تحدثت عنه لا نجد تاريخا معينا لانعقاده. وكل ما تم رصده كونه انعقد بعد رجوع الملك وتكوين الحكومة المغربية الأولى، أي بعد 7 دجنبير " (ص 155 ).

 

شهادة أخرى يقدمها عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال السيد محمد الحبيب الخزار، حيث يؤكد هو أيضا في أحد مقالاته  بأن علال القاسي  حل يوم 12 مارس 1956 ضيفا على تطوان، كما كان حاضرا في مراسم إدماج حزب الإصلاح بحزب الاستقلال يوم  18 مارس  1956، وعلى اثر ذلك القي " الزعيم " خطابا تاريخيا في ملعب " مرشان " بطنجة(19).

 

وفي السياق المذكور يقول الكاتب والصحفي المعروف عبد اللطيف جبرو في أحد مقالاته  إن أول استقبال ملكي  للزعيم علال الفاسي كان في الرباط يوم 26 مارس 1956(20). ويضيف نفس  الكاتب " في سنة 1955 بينما كانت الحكومة  الفرنسية مرغمة على التفاوض مع الحركة الوطنية بالمغرب، عهد إلى " جو أتيا " وأصحابه بمهمة تنحية علال الفاسي: توجه " جو أتييا " عدة مرات إلى طنجة واستطاع أن يضبط أماكن تواجد علال الفاسي بتطوان. وهكذا تم وضع حقيبتين ملغمتين، الأولى في الفلا التي كان يقيم فيها السي علال والثانية في فندق " درسة " المكان الذي كان يجتمع فيه قادة حزب الاستقلال .." (21 ). هذا الخبر؛ أي أن خبر حضور  علال الفاسي اجتماعات حزبه في فندق " درسة "  يؤكده باحث آخر؛ وهو  الدكتور الخلوفي في كتابه " الخطابي في المنفى " حيث نقرا في صفحة 103 من الكتاب  ما يلي " في فاتح دجنبر 1955 يعقد اجتماع برئاسة حزب الاستقلال باوطيل درسة بتطوان .." بل أكثر من هذا يؤكد الكاتب ( = الخلوفي الصغير محمد) أيضا أن علال الفاسي كان يشرف على التعذيب في منطقة تطوان سنة 1956( ص 105 من نفس الكتاب ) .

والآن، و من خلال ما استعرضناه من الشهادات ، ندعوك عزيزي القارئ إلى التمعن جيدا في كلام الكاتب والكلام الذي نصوغه هنا من أجل إثبات الحقيقية التاريخية أولا، واثبات صدق وأمانة القائد  محمد سلام أمزيان ثانيا، لان مكانته في تاريخ الريف أكثر بكثير من كتابة مقال أو انجاز دراسة حول شخصه / تاريخه، أو حول الثورة التي قادها بإخلاص وإيمان، الثورة المحفورة في ذاكرة الريفيين .

 

انتفاضة 58/ 59 في كتابات الخياري: أسئلة وملاحظات:

بعد التوضيح الذي قدمناه أعلاه، سنعود الآن إلى مناقشة محتويات مقال  السيد شكيب الخياري السالف الذكر. ففي اعتقادنا، سعى الكاتب – إجمالا - من خلال مقالاته المناهضة للانتفاضة الشعبية سنة 58/59 ورموزها التاريخيين إلى تحقيق غايتين أساسيتين: الأولى  هي التشكيك في مشروعية  الثورة الديمقراطية التي اندلعت في السابع أكتوبر 1958 إلى غاية مارس  1959 ، حيث وصف إياها ب " الفتنة"، والحديث عن الفتنة يعني الحديث عن التمرد والفوضى، وبالتالي الخروج عن الطاعة ( طاعة المخزن بطبيعة الحال) ، وهو  الأمر الذي نفاه زعيم الثورة/ الانتفاضة في حواره مع  الزميل مصطفي أعراب، حيث نقرا ما يلي " هذا بالإضافة إلى  أنني لم أكن أتوفر على إمكانيات تنظيم الجماهير، لذلك دعوتهم لالتزام الهدوء وعدم اللجوء إلى استعمال العنف. مر الأسبوع الأول بعد انطلاق العملية في هدوء تام ." ثم يضيف القائد في مكان آخر من الحوار " استجاب الثوار لدعوتي بالتزام الهدوء وعدم استعمال العنف .."(22).

 

 وثانيا يسعي الكاتب إلى  النيل  من مصداقية بعض قادة الانتفاضة عبر التشكيك في نزاهتهم ووطنيتهم ، خاصة محمد سلام أمزيان القائد الفعلي والمسؤول الأول عن الانتفاضة، وهي النزاهة التي قال عنها الحاج أحمد معنينو " هؤلاء خمسة وهم رجال الوطنية والعلم والمبادئ .." (23).  وفي ظل هذه الشهادة الموثقة حول نزاهة القائد نتساءل مرة أخرى،  ترى من سنصدق: هل سنصدق الحاج احمد معنينو  القيادي البارز في حزب الشورى والاستقلال آنذاك، والذي سبق له أن تعرف على ميس نرحاج سلام ، حيث دافع عنه لما كان قابعا في السجن( سجن  لعلو بالرباط) ، بل استقبله كذلك في منزله بعد إطلاق سراحه بشروط، أم أننا سنصدق شكيب الخياري الذي لم يسبق له أن تعرف على ميس  نرحاج سلام  نهائيا،  ولا حتى عاش تلك الأحداث.

 أما إذا كان الأمر غير هذا كما يعتقد البعض فالسؤال المطروح هنا هو : لماذا نشر  الخياري مقالاته  ضمن الأجواء والسياقات التي ذكرناها  في الجزء الأول، علما أن الحوار الذي " ينتقده " قد تم نشره  سنة 2001 وأعاد نشره ثانية سنة 2002 ( الطبعة الثانية) الشيء الذي يعنى أنه  كان أمامه ما يكفي من الوقت لمناقشة الحوار  ودحض محتوياته بالحجج والدلائل(= الوثائق والمراجع)، لو كان هدفه هو مناقشة الحوار بالفعل وتصحيح مغالطاته كما يدعي؟ طبعا، هذا  إذا كانت غايته الأولى والأخيرة  هي البحث عن الحقيقية وليس تزييف الحقائق التاريخية ، وبالتالي خلط الأوراق وتشويه الرموز التاريخية للريف، تمهيدا لنسف المشروعية التاريخية للريف، التي مازالت إلى حد الآن  تشكل عائقا وقلقا  لدى المخزن وأزلامه. وبالتالي فإنها تعرقل مشروع تركيع ومخزنة الريف إن جاز التعبير ؛ وهي المشروعية التي اكتسبها الريفيون من خلال دفاعهم  المستميت عن كرامة وحرية الوطن، سواء في زمن  الاستعمار الامبريالي  أو في زمن ما بعد الاستقلال الشكلي للمغرب سنة 1956 .  ومن هنا نتساءل مع القارئ النزيه: إذا كانت غاية  الخياري هي مناقشة مضمون الحوار الذي أجراه مصطفي أعراب  مع قائد الانتفاضة، فلماذا لم يفعل ذلك مباشرة بعد صدور كتاب مصطفي أعراب كما فعل غيره؟

 

 يقول الخياري قي موضوع حديثه عن انتفاضة 58/59 ((تم إنزال قرابة عشرين ألفا من أفراد الجيش المغربي بمنطقة الحسيمة، لإخماد نار الفتنة التي أوقدها مجموعة من أبناء المنطقة غير المسؤولين الذين دعوا الساكنة إلى عصيان الدولة وفي مرحلة موالية بمواجهة جيشها..)).  نفس الكلام يؤكده في مقال آخر تحت عنوان عمر الخطابي..حمام الضمير" حيث قال (( حيث اتصل مجموعة من أبناء الريف بعمر الخطابي لكي يقود وإياهم انتفاضة الريف ضد التهميش والاحتقار الذي عانت منه المنطقة، لكنها افتقدت لإمكانيات النجاح حسب عمر الخطابي وأصبحت بالنسبة له أشبه بعملية انتحار تقودها مجموعة غير مسؤولة..)) (24)

فبغض النظر عمنا أوقد نار  "الفتنة" حسب  تعبير الخياري ، فإن  الفقرات التي بين أيدينا تعج بالافتراءات  والتناقضات الفادحة كما سنوضح ذلك  في السطور الموالية. وحتى نكتشف هذه الافتراءات والتناقضات سنضيف هنا فقرة أخرى  من كلام الكاتب التي يقول فيها (( ومن ثم فإن كل ما حدث من غليان كان تحت رعاية المخزن ومن تنفيذ رجالات حزب الشورى والاستقلال والحركة الشعبية، ومن بينهم محمد سلام أمزيان في الحسيمة والشيخ زريوح من الناظور من الشوريين  إضافة لآخرين من أتباع الحركة الشعبية ، وهو ما يفسر أجواء الفوضى التي لم تكن من تنظيم الحركة التي بقيت مقسمة بين الحزبيين بتدبير من المخزن..)).

طيب، إذا كان الأمر على هذا النحو، فأية رواية من  الروايات التي يقدمها الخياري  هي الصحيحة والصائبة ؟ هل هي الرواية  التي يقول فيها إن " نار الفتنة أوقدها " مجموعة من أبناء المنطقة الذين دعوا الساكنة إلى عصيان الدولة ومواجهتها فيما بعد أم  الرواية التي يقول فيها أن ما حدث من غليان أثناء انتفاضة الريف سنة 58/59 كان برعاية المخزن وتنفيذ رجالات حزب الشورى والاستقلال والحركة الشعبية؟  علما أن الدكتور عبد الكريم الخطيب ينفي بشكل قاطع أن تكون للحركة الشعبية أية علاقة بأحداث انتفاضة 58/59. (25)

 

 وإذا كان المخزن هو مهندس ومخطط   تلك  الأحداث الدموية حيث كان كل شيء يتم تحت رعايته حسب الكاتب، فلماذا تم إنزال عشرين ألف جندي لقمع المواطنين بالريف وبذلك الشكل الذي تم به؟  وإذا كانت حركة  58/59 من صنع المخزن، فلماذا  يحمل الكاتب المسؤولية للمواطنين وليس  للجهات التي كانت ترعى وتنفد المخطط ؟ وإذا كان المخزن هو الراعي الحقيقي لتلك الأحداث حسب الخياري دائما، فلماذا اتهم الثوار بالانفصال  والمؤامرة علما  أن الثوار هم مجرد أدوات  التنفيذ فقط  حسب كلام السي الخياري ؟

 

 والاهم من هذا هو : لماذا نشر الكاتب مقالاته هذه بعد وفاة  عمر الخطابي الذي يستشهد ويدعم به  كلامه أحيانا؟ هل أن الأمر ناتج عن خوفه من ردود فها المرحوم ( = عمر الخطابي) في حالة نشر مقالاته وهو على قيد الحياة ؟ أم أن المسألة تتعلق بالبحث عن التبرير، وبالتالي إضفاء نوع من النزاهة  والمصداقية على مقالاته؟ والسؤال الأكثر أهمية من الأسئلة التي سبق طرحها هو : كيف اتصل أبناء المنطقة بالمرحوم عمر الخطابي من أجل أن يقود الثورة وإياهم وهو لم يدخل إلى المغرب إلا مع بداية 1959 ؛ أي  بعد بدء الهجوم العسكري على الريف؟وبالتالي متى وأين اتصلوا به؟  حول عودة المرحوم عمر الخطابي إلى المغرب يقول الأستاذ أحمد المرابط في معرض  حديثه عن حياة المرحوم (= عمر الخطابي ) ما يلي " في بداية سنة 1959 وعندما كان الريف يعيش انتفاضة باسلة خاضها سكانه للمطالبة بحقوقهم العادلة والمشروعة، سيقرر الدخول إلى المغرب، ويتابع عن كثب المجازر التي ارتكبت في حق الريف وأبنائه ". وهذا ما أكده أيضا محمد العلمي في كتابه تحت عنوان " زعيم الريف محمد عبد الكريم الخطابي " الصادر عن دار أفريقيا الشرق  سنة 2009 – (انظر  ص 107).

نحن الآن أمام روايتين مختلفتين ومتناقضتين تماما . فالرواية  التي أوردها الخياري في مقاله الحامل للعنوان " أكاذيب تكشفها حقائق: دور محمد سلام أمزيان في أحداث 1958 – 1959 بالريف"  تختلف وتتناقض كليا مع الرواية التي أوردها في مقال آخر له تحت عنوان " عمر الخطابي..حمام الضمير" ، وهذا التناقض يقودنا إلى الحديث عن أسباب اندلاع الثورة/الانتفاضة من جهة، وأهدافها من جهة ثانية . فعلى مستوى الأسباب نجد أن الثورة اندلعت لسببين رئيسيين. السبب  الأول داخلي ويتجلى في تدهور الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية بالريف بشكل خطير للغاية ، خاصة بعد إغلاق الحدود الشرقية بين المغرب والجزائر من قبل السلطات الاستعمارية بعد انطلاق جيش التحرير  الجزائري  سنة 1954، وانتشار كذلك  الاغتيالات والاختطافات التي باشرها حزب  الاستقلال بالريف. وكنتيجة  مباشرة كذلك لسياسة  الدولة تجاه المنطقة على جميع المستويات. والثاني خارجي حيث كانت القوات الاستعمارية ماتزال جاثمة بالمغرب.  هذه الأوضاع لخصها القائد محمد سلام أمزيان في العبارة التي ذكرناها سابقا "  لقد وجدنا أن كل الملابسات تدعونا إلى القيام بهذه الحركة لانقاد الوطن من الانهيار، وإلا فلن يرحمنا التاريخ والأجيال الصاعدة".

 

أما على مستوى الأهداف العامة للثورة فلقد لخصها الرئيس القائد محمد بن الكريم الخطابي في هدفين رئيسين، الأولى هو إجلاء القوات الأجنبية عن المغرب ، حيث قال مؤسس جمهورية الريف "  لقد اندلعت الآن مرة أخرى ثورة شعبية بزعامة القائد محمد أمزيان ليست ضد الاستعمار فحسب، بل ضد عملائه أيضا في الدرجة الأولى.." (26).  ومن هنا فإن الثورة كانت تستهدف في عمقها الاستراتيجي الاستعمار الامبريالي آنذاك بالمغرب حيث طالب الثوار بإجلاء جميع القوات الاستعمارية (27) ، والثاني هو مناهضة  عملاء الاستعمار الساهرين على تنفيذ سياسية وأهداف اتفاقية " إيكس ليبان " التي رفضها معظم شرفاء الوطن، وأهل الريف بالذات حيث قال الكولونيل الهاشمي الطود بصدد هذا الموضوع "  وهذا لم يكن ليرضي المهرولين إلى استقلال مشوه يضمن لهم مواقع ومصالح، ومن ثمة، كانت معاداتهم واضطهادهم للمناطق التي مانعت هذا الاستقلال وأهلها، مثل شمال المغرب، والريف تحديدا " (28).

 

أما قائد الثورة نفسه فقد قال عنها "  هي انتفاضة شعبية معادية للاحتلال الأجنبي وحلفائه الحزبيين، تحولت إلى ثورة شعبية ضد قوات الاحتلال والحزبية الحاكمة لصالح هذا الاحتلال الأجنبي .." (29). الملاحظة المستخلصة من الشهادات والتصريحات الموثقة التي ذكرناها أعلاه،  أن الثورة/ الانتفاضة لم تكن موجهة ضد الدولة/ القصر وإنما كانت موجهة – أساسا -  ضد الاستعمار وحلفائه الحزبيين،  ولم تكن تمردا  على السلطان كما يقول الخياري . ومن جهة أخرى نستنتج أن اتهام الخياري للثورة بعدم  مطالبة اسبانيا بالخروج  من المغرب كلام  لا أساس له من الصحة نهائيا.  وفي هذا السياق نذكر هنا بالتقرير الذي أعدته الإقامة العامة بالمغرب يوم 5 نونبر 1954  توضح فيه أمرين أساسيين، الأول يتعلق بتأسيس جيش التحرير  ( سنعود إليه في الفصل القادم)، والثاني يتعلق بالجهات التي يستهدفها  جيش التحرير المغرب العربي الذي بدأ عملياته العسكرية في الجزائر، لنرى ما يقوله التقرير في أحد فقراته " المعلومات الواردة لا تسمح بالشك في أن معظم الاضطرابات تعود إلى التنظيم العسكري الذي بناه عبد الكريم الروكي القديم. تنظيم تم بناؤه بشكل جيد من أجل طرد فرنسا واسبانيا من كل افريقيا الشمالية " (30) .

 

وعلى ضوء المعطيات المتوفرة بشأن الانتفاضة وأهدافها يمكن القول  إن  ثورة 58/59 تشكل  امتدادا طبيعيا  للثورة الريفية الكبرى بزعامة الرئيس الخطابي كما أكد ذلك القائد محمد سلام أمزيان في حواره مع أعراب (31) .

 

علاوة  على هذا إذا كان الكاتب يحمل أبناء المنطقة مسؤولية ما حدث، ويحملهم كذلك مسؤولية المواجهة المسلحة كما هو واضح من كلامه الآنف الذكر، رغم تأكيده في نفس الوقت على أن المخزن هو من كان يدبر الصراع، فإن الحقيقة غير ذلك تماما، حيث   أكد زعيم  الانتفاضة المرحوم محمد سلام أمزيان أنه اضطر  اضطرارا إلى تحمل المسؤولية  تحت ضغط الأحداث المتتالية (32). وفي نفس السياق، أكد أن خيار المواجهة  ضد القوات  المسلحة لم يكن خيارا ذاتيا للثوار  بقدر ما كان مفروضا عليهم  من طرف المخزن وبالتالي لا بديل عن المواجهة، ففي هذا الصدد يقول الزعيم  في حواره السابق الذكر  ما يلي (( وفعلا كان أول هجوم علينا هو الذي تم في بني توزين. واجهناهم طبعا وقتلنا هناك خمسة وعشرين جنديا واستولينا على سلاحهم ، وبهذا السلاح  بدأنا المواجهة المفروضة  علينا ..)) (33)

 

وهنا  يضعنا الخياري مرة أخرى أمام روايتين مختلفتين ومتناقضتين، فهل سنصدق روايته التي تفتقر إلى ابسط شروط الكتابة الموضوعية كما اشرنا إلى ذلك سابقا، أم  أننا سنصدق  رواية المرحوم محمد سلام أمزيان القائد الفعلي للانتفاضة، علما أن ما جاء في الحوار مع مصطفي أعراب مع  قائد الانتفاضة،  لم تكذبه أية جهة سياسية أو أكاديمية ماعدا الخياري، بالإضافة طبعا إلى رواية المخزن وحزب الاستقلال  الشريك الرئيسي في الجريمة.

 

 وقبل اختتام هذا الفصل / الجزء نود التوقف عند نقطتين مهمتين في الموضوع الذي نتناوله هنا بكل موضوعية وأمانة، ليس دفاعا عن قادة ورموز انتفاضة 58/59  فقط،  وإنما دفاعا أولا عن المشروعية التاريخية للريف، وثانيا المساهمة في تصحيح  المعطيات التي أوردها الخياري في مقاله ( مقالاته) المذكور أعلاه. النقطة الأول تتعلق بمن يتحمل المسؤولية فيما وقع سنتي 58 :59 ، والنقطة الثانية تتعلق بأهداف المخزن وأزلامه في قمع الانتفاضة بالشكل الذي تم به. فعلى مستوى النقطة الأولى نحيلكم إلى كلام  رئيس جمهورية الريف الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث جاء في أحد رسائله المبعوثة إلى السيد مبارك البكاي ما يلي "  ويجب أن نعلم أن سبب هذه الأحداث – هم  المسؤولون وحدهم – ولا شريك لهم. وتلك هي الحقيقة التي يجب أن نقولها بكل صراحة.. حتى يقف الجميع على حقيقة الظالم من المظلوم.." (34).  ثم يضيف قائلا " كما يجب ألا ننسى أن الفتنة التي أثارها المتربصون للانتقام من الأبرياء بسبب أو بآخر، كلامهما مختلف من أصله.." (35).

 

أما بخصوص النقطة الثانية فنجد  المرحوم ابراهام السرفاتي والدكتور  لخواجة هما اللذيين عبرا بشكل واضح  عن أسباب وأهداف المخزن  من تدخله بالريف. فالمرحوم ابرهام السرفاتي  يقول في كتابه " الصراعات الطبقية بالمغرب " الصادر سنة 1987 بهولندا، باسم مجدي ماجد"  أن ما جرى بالريف سنتي 58/59 هو تطبيق لبند سري في اتفاق مدريد يوم 17 ابريل ، الذي كان يشترط  لهذا الجلاء التصفية المسبقة لجيش التحرير ". أما الدكتور محمد لخواجة فيقول في كتابه  الصادر عن دار أبي رقراق سنة 2007 تحت عنوان " جيش التحرير المغربي -1951 -1956 ومذكرات للتاريخ أم للتمويه " ما يلي " إن أحداث 58/59  لا يمكن فصلها عن هيكلة جيش التحرير بالريف، لان القبيلتين اللتين كانتا في قلب الأحداث بالدرجة الأولى هما "  آيث ورياغل " و " اكزناية "  لسبب بسيط وعميق في الآن نفسه: الأولى كانت القلب النابض لحرب الريف في العشرينات والثانية كانت القلب النابض لحركة جيش التحرير في منتصف الخمسينيات. لكن هذه الأخيرة تم شلها مع بداية الأحداث بتدخل من أولائك الذين ظلوا يستفيدون من كل محطة تثير القلاقل في الوطن ، فيقدمون تقارير وحكايات من نسج  حيالهم لإذكاء الأحقاد، وجني الثمار .." ( انظر ص 222) .

يتبع ....

 

بعض الهوامش المعتمدة في انجاز هذا الجزء:

10: المرجع السابق الحوار المتمدن

11: المرجع السابق

12:  انظر " أيث ورياغل قبيلة من الريف المغربي " الجزء الأول ، تالبف دافيد مونتكمري هارت/ ترجمة وتقديم: محمد أونيا وعبد المجيد عزوزي وعبد الحميد الرايس منشورات صوت الديمقراطييم بهولندا .

13: انظر كلمة  الهيئات المنظمة للاستقبال في المهرجان الخطابي الذي نظمته يوم الأربعاء 19 يوليوز 2006 لسيد عبد السلام أمزيان بعد عودته من المنفى www.amrif.org

14: جميع المعلومات التي أوردناها  حول حالة القائد  أثناء أجراه للحوار استقيناها من الزميل مصطفي أعراب وابنه محمد أمزيان المقيم بهولندا.

15: المرجع السابق مصطفي أعراب ص 188 – 227

16: نشير هنا على سبيل المثال إلى تاريخ خروج القائد من اسبانيا إلى القاهرة، ففي  كتاب مصطفي أعراب نقرا  فيه " أما الاتصال المباشر به ( أي بعبد الكريم الخطابي التوضيح من عندنا) فقد كان يوم دخولي القاهرة بداية سنة  1959 " ( ص 190 )  وهذا الأمر لا يمكن حدوثه إطلاقا حيث مع بداية 1959 كان محمد سلام أمزيان مازال  يقود الثورة بالريف، فكيف كان في بداية 1959 في القاهرة؟  على أية حال هذه واحدة من  انعكاسات الحالة الصحية والنفسية التي كان فيها القائد أثناء أجراه للحوار مع الزميل مصطفي أعراب.  والصحيح حسب علمنا والثابت عنه هو أن القائد  دهب للمرة الأولى إلى مصر يوم 5 أبريل سنة 1960 . انظر بهذا الصدد المقال التالي " الذكرى 17 لرحيل قائد انتفاضة الريف " للأستاذ محمد سلام أمزيان على الموقع التالي www.arrifinu.net

17: يعتبر أطيل " درسة "  من أشهر الفنادق الموجودة في مدينة تطوان إبان المرحلة التي يتحدث عنها القائد محمد سلام امزيان،  وبالتالي من العادي جدا أن يعقد فيه حزب الاستقلال اجتماعاته. انظر في هذا الصدد كتاب " حقائق تاريخية عن تأسيس جيش التحرير بقبلة أجزناية مع نبدة من تاريخ هذه القبيلة " إعداد وتقديم محمد بن عمر بن علي العزوزي الجزنائي –  الطبعة الأولي 2002 – ص 286

18: انظر في هذا الصدد كتاب  عباس المساعدي : الشجرة التي تخفي غابة جيش التحرير " للدكتور محمد لخواجة – الطبعة الأولى ، منشورات دار أبي رقراق ص 177 -178

19: انظر مقال "  الإشعاع النضالي للزعيم علال الفاسي بتطوان " جريدة العلم ، العدد الصادر يوم 15 سبتمبر 2010

 20: انظر مقال " انظر مقال " أول استقبال ملكي في الرباط للزعيم علال الفاسي في عهد الاستقلال ،منشور في جريدة  الأحداث المغربية العدد الصادر يوم 27 ابريل 2010

21 : المرجع السابق الأحداث المغربية العدد 27 ابريل 2010

22: المرجع السابق أعراب ص 214

23: من بين الأسماء الخمسة التي يشهد لهم الأستاذ أحمد معنينو  بالوطنية والاستقامة والمبادئ محمد سلام أمزيان، انظر صفحة 230 من كتاب مصطفي أعراب المذكور أعلاه

24 : المرجع السابق عمر الخطابي حمام الضمير

25: انظر كتاب :الدكتور عبد الكريم الخطابي :مسار حياة " إعداد  حميد خباش ونجيب كمالي، الطبعة الثالثة ، منشورات أمبريال ، ص 101

26:انظر كتاب " محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي  وإشكالية استقلال المغرب " للمؤلف زكي مبارك، منشورات فيديبرانت ،  ص  41

27: المرجع السابق زكي مبارك

28:  انظر الحوار الذي أجراه الكولونيل الهاشمي الطود على الموقع التالي www.ksarform.com

29: المرجع السابق زكي مبارك ص 41

30 : انظر أشغال ندوة 7 فبراير 2009 بمناسبة الذكرى 46 لوفاة الخطابي الصادرة في كتاب تحت عنوان " الخطابي الغائب الحاضر في الذاكرة الوطنية " منشوران أبي رقراق للطباعة والنشر ، الكتاب من اصدرا مجوعة البحث محمد عبد الكريم الخطابي ، ص 64

31: المرجع السابق أعراب ص

32: المرجع السابق أعراب ص 214

33: المرجع السابق أعراب ص 220 -221

34: المرجع السابق  عبد الكريم الحاضر والغائب في الذاكرة الوطنية

35: نفس المرجع السابق عبد الكريم الحاضر والغائب في الذاكرة الوطنية

محمود بلجاج

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (3 )

-1-
سمير الأندلسي
5 نونبر 2012 - 00:36
مرة تلو المرة يظهر صاحبنا ليفتي في تخصصه الوحيد شكيب الخياري
نرى أن الشخص همشك و لم يرد في مرة عن كلامك
ما أتفهك و ما اهمه
مقبول مرفوض
4
-2-
محمد يوبي
5 نونبر 2012 - 11:41
السيد بلحاج محمود لا يقدم إجابات، هل علال الفاسي كان في فندق درسة يوم حضور الملك أم لا؟ عبد السلام أمزيان كان شرطيا في الحسيمة أليس كذلك؟ سلام أمزيان طرد من مصر كما سبق و قال الخياري، و تسائل لماذا طرد من مصر؟ أين الجواب.
مقبول مرفوض
3
-3-
محمد منتصر
13 نونبر 2012 - 00:50
تصدر الضجيج مثل الذباب
اتقي الله و ابحث لك عن عمل
ما تكتبه يدل على انك متفرغ لأسابيع لكتابته
انفع اولاد و اسرتك بدل الكتابات المسخرة
مقبول مرفوض
4
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية