English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

4.22

  1. عصابة "اودي" المغربية تواصل غارتها على الابناك الهولندية (5.00)

  2. انتشال جثث مهاجرين سريين غرق قاربهم بسواحل الحسيمة (فيديو) (0)

  3. الأمطار تحول شوارع بن طيب إلى برك من الأوحال (0)

  4. مدريد متخوفة من تغيير ديموغرافي لصالح "القومية الريفية" في مليلية (0)

  5. الحسيمة.. معاناة المشردين تزداد خلال فصل الشتاء (فيديو) (0)

  6. عمال معمل الحليب المطرودين يمددون اعتصامهم امام عمالة الحسيمة (0)

  7. الحسيمة..هيئات ترسم صورة قاتمة للوضع الصحي ببني حذيفة (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | الدرس المصـري

الدرس المصـري

الدرس المصـري

     كثيـرة هـي الدروس التــي يجب علـى طـلاب التغيير الجذري أن يدركوهـا بخصوص مجريـات الأحداث التــي تفرزهـا وقائع الصراع في مصـر، و لا نقصـد بطلاب التغيير الجذري هنـا مـا قد ينصرف الفهـم إلـى تلك الحركـات اليساريـة المعروفـة بمشاكساتهـا للحركـات الإسلاميـة و معـاداتهـا للمشروع الإسلامي لأنـهـا كيانـات لا تؤمن بالاستقلال الحضاري و لا تمثل مشروعـا اعتراضيا علــى القيم الغربية كمـا أنهــا و إن ادعت مخاصمتهـا للايديولوجيات الرأسمـالية فإنهـا في العمق لا تمثل إلا وجهــا آخـرا من وجوه التبعيـة للمعسكـر الاشتراكـي الاستعمـاري، و نـحن نـرى أن حمَلَـة التغيير الحقيقي لا يجب أن ينفصلـوا عـن مسار التاريخ الذي يمثل "المخزون التراثي" لحركـية البنـاء السليم لمؤسسات الدولة و المجتمـع إذ لا يكفي إعـلان المفاصلـة و الندية مـع الغرب في مشروعه الاستعمـاري الرأسمـالي إذا لم يتم التحرر فعــلا من منظومـته الحضاريـة التــي تستعبـد العقول و المجتمعـات و تستبعـد القيم الإسلامية العليـا ، و مــا يحدث الآن في مصر بالخصوص يقدم صورة واضحة و دقيقــة لأطراف الصراع و خلفياتهم و ايديولوجياتهم و ولاءاتهم بحيث صـارَت الاصطفافات الآن تُعــبِّرُ عــن طبيعـة الانتماءات الحضاريـة و أشكـال التفكير الوجودي ، و في مقالتنــا البسيــطة هـاته محـاولـة لاستخراج بعـض الدروس من قلب الأحداث في مصـر كمـا تكشفهـا تقلبات الأيام :

 

أولا : تكشف الأوضاع حقيقـة تمثل في الأصـل أم البـلاوا في العـالم العربي و الإسلامي و تُعَـدّ من الموبقات التي ابتليت بهـا أمتنــا الإسلامية منـذ أن دخـل بونـابارت مصر بخيله الأزهـر، و هـي تغيير الهويــة ،هوية الدولة و المجتمـع، و تحويلهــا إلــى مُقـاطعـة تحت الوصـاية الأجنبية تسوس بهــا الشعب سياسة تغريب و تدجين في الانتمـاء و المرجعية، فبعدمــا تجلت النزعـة العَلمـانية في الممـارسة التطبيقية و توارت في الدساتير الرسمية راحَ الآن المُغرَّبون يدفعـون بالدولـة إلــى أجْهَــرة العَلمنــة لكــي يستكمـل العَلمـانيون وظيفتهم في هـدم الدين و تحجيم نفوذه بحد القانون و المؤسسات، و قـد شاء الله أن يفضح هـؤلاء في غرفهم المغلقة بعدمـا سلكـوا مسلك التغطية السرية علــى النقاشات الجارية بين القوى "المدنية" علــى الدستور . إن الصراع بين الإسلام و العَلمـانية هـو أس الحقيقــة التـي تفرز لنــا أطرافـا تنتمــي إلـى عالمين متنـاقضين : عـالم يدفع بقوة لزرع تغريب سرطـاني يفكك المجتمع أخـلاقيا و يفسح مجـالا للأهـواء و عــالم يدفع إلــى استكمـال مسيرة بنـاء المستقبل انطلاقـا من الهويـة الإسلامية التي تمثل المرجعية الكلية بتنوع أطراف أطيافـه و تعدد مشارب تفكير أبنـاءه . لذلك وجب التنــبيه بأن الصراع في العالم الإسلامي والعربي يدور أساسا حول هويـة الدولـة و ليس حول خيارات سياسيـة فرعية و أن الصراع الايديولوجي مـا هـو إلا تمظهـر خـارجي له و أن كل المحـاولات العَلمـانية في سبيل إسقـاط نظام ديموقراطـي من الشعب مـا هي إلا افتضاحـات لعقل يحمـل كرهـا قديمــا للإسلام راكمَ عقودا من العقد التــاريخية و تبنـى لأجـل ذلك كل الأشكـال و الأدوات (إعـلام فاسد،قضاء عميل،عصابات أمن دولة،صعـاليك البلطجة..) الموصلـة لتحقيق هدفهــا الأسمـى المتمثل في إبقاء الهيمنـة الغربية و تحييد موجبات الثورة علــى أنظمــة العُـهر السياسي . إن التنـاد حـاصل بين منظومتين : إسلام أو عَلمـانية، حق أو بـاطل، تبعية أو تحرر،تنمية أو تخلف،استقرار أو خراب..

 

ثانيا : تكشف الأوضاع حقيقـة أن تحقيق النهضـة لــن يمر قطعــا دون تكالبات و وضع مؤامـرات و خطط خارجية و داخلية ، و لـن يتحقق مــا لــم يتم دحــر فلول و بقايـا الأنظمــة الرجعية العميلـة للغرب التي تسعـى لعرقلــة مسار التغيير و توظف في سبيل ذلك كـل إمكـانياتهــا المـادية للعودة من جديد إلــى مؤسسات الدولـة، ففي مصر مثلا لاحظنــا أن صنـاعــة العراقيل تمت منذ الأسبوع الأول من تولــي محمد مرسي للحكم و أعقبتهُ حمـلات مسعـورة تستقوي بالمال و بالإعـلام الدجـال و بفلول نادي القضاة و بمراكز النفوذ التـابعـة للحزب الوطنــي المنحل، و اعتمدت في هجمـاتهــا المغرضـة علــى الغطـاء الأمريكي و الصهيونـي و الاتحاد الأوروبي فمـارست العنف منذ وقت مبكر و انتهجوا سياسـة حرب الكل ضد الكل، و خلقوا أزمـات اجتمـاعية لهـا ارتباط مباشر بحياة المواطنين كأزمة السولار و الخبز و الكهربة و غيرهـا لكي يدفعـوا الموجـة الشعبية للثورة ضد النظام الوليد ، و لـم يكتفوا بذلك بل وجدوا في صعـاليك وزارة الداخلية – محضن النظام القديم- الحصن المنيع للحيلولـة دون الإمساك بالمجرمين و البلاطجـة و حمـاية المقرات و المؤسسات ،بل وجدوا فيهم كأشخـاص السنـد القوي للتغطية علــى الجرائم التي يرتكبهـا المشاغبون المأجورون و المـلاذ الوحيد لدعمهم في حشد رجال الشرطـة بأزياء مدنية لتكثير الاعتصامـات و الايحـاء بشعبية المطالب الفلولية . و الآن صـار واضحا لكل متتبع خيوط اللعبـة من أصولهـا و فروعهـا بعدمـا انفضحت "المليونيات" المزيفــة و تواطؤ أجهـزة الدولة العميقة في تمويل حملات إسقاط الدولة الشرعية بتنسيق كـامل مـع قيادات و ضباط المؤسسة العسكرية ، انكشفت الخـطة و استُـبلِـدَ بعض الأحزاب كحزب "مصر القوية" و "حزب النور" و أدركوا مـا جنت عليهـم أطمـاعهم الشخصية و أحقادهـم الطـائفية و صـاروا الآن قطعَ شطرنج منبوذين يُسخَــرُ منهــم في الاجتمـاعات الفلولية و تُداسُ كرامتهم بوقاحـة و عجرفة  و تُقدمُ في أحزابهم استقالات توالـى يومـا بعد يوم . هـذا الدرس البليغ يجب أن ندركـهُ تمـامـا لأن العَلمـاني بطبعه لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يقبل مــن يخاصمه في الانتمـاء و لا يمكن له إطـلاقـا أن تحكمــه منظومـة الإسلام ، و قـد يحدث من طرفه أن يمـارس سياسـة التضليل بإخـراج قاموس التضليل حول الكلام عن التعددية و قبول الآخـر المختلف معـه ، إلا أن أنيابـه سرعـان مـا تخرج عندمــا يجد نفسه متمكنـا في مؤسسة مـا أو جهـة مـا ، و قد صـارَ الآن هذا معلومــا بحكم استحـالة الجمـع بين أصول تفكيرية متنـاقضة من حيث المرجعية و بحكم الثقافـة الاستئصالية التــي تربـى عليـهـا العَلمـاني في تكوينـه،و نتـذكـر هنــا بعض مواقف الكيانـات اليسارية العَلمـانية بالمغرب تجاه الحركـات الإسلامية خصوصـا العدل و الإحسان أثنـاء الحراك الشعبي لحركة 20 فبراير حيث لـم يمنعهــا تواجدهــا النضالي معهـا جنب لجنب من أن ترسل شواظـا من السباب القبيح في اجتمـاعاتهـا و لقاءاتهــا المغلقة تجاه العدل و الإحسان رغــم مـا كـان منهــا من حسن نية تجاه اليسار الراديكـالي ، و نتذكـر الحساسيات البالغـة لبعض إطارات اليسار( الجمعية الوطنية لحملة الشهـادات بالمغرب مثلا) لكل مـا هـو إسلامي بحيث غـالبا مـا تتحكم الانتمـاءات الايديولوجية بالمصالح المجتمعـية و الآفاق المستقبلية ...

 

ثالثــا : مـا يحدث في رابعـة العدويـة و النهضـة و غيرهـا من اعتصامـات وثبات في الموقف يدل علـى أن أصحـابهـا الصامدين في معظمهم هـم من أبنـاء الحركـة الإسلامية الذين تـربوا علــى قيم التضامـن و الولاء الأخـوي للإسلام ، رجـال و نـساء و شباب من التيار الإسلامـي و الوطنــي أثبتــوا قدرتهم علـى تحدي الصعوبـات و البقاء في الميادين رغم الشروط الموضوعية الصعبــة ( الرهان علـى الجوع و العطش و الوقت و حملات البلطجـة التــي تقتل بالرصاص الحي و التهديدات المتكررة بفض الاعتصامات بالقوة ...) و هـو مـا يحتـاج استعدادا للتضحــية في سبيل استعادة الحق المسلوب بالمكر و المكيدة ، و هـذا يجعلنــا نعتبر الانتمـاء التنظيمـي و الاصطفاف وراء القيادة الواعيــة هـي إحـدى أسباب نجـاح هـذا الصمـود و أن الانخـراط في الجمـاعات الهادفة إنمــا يـوثق عـرى التعـاون و التضامـن في أيام المحـن و يُجنــب أسباب الهزائم عند الشدائد و أنّ الانتمـاء التنظيمــي المنضبط يسـاهم في الثبات علـى الموقف ، و هـذا عكـس "الإسلام الفرداني" الذي ينحصـر تأثيره في الشخـص دون الجمـاعـة ،في الفرد دون الوطـن . إن الانتمـاء التنظيمي يعزز في كيان المؤمـن قيم الإيثـار و الثبات و الشجـاعـة و يقضــي عـلى أسباب التخوفات و يقود إلــى استـمرار التحدي و قلب المعادلـة عكــس الشعـور الفردي الذي قد يهتــز بمجرد صدمـة هنـا أوهنــاك فتخلو السـاحـة للظلمـة لابتـلاعهـا و التحكم فيهـا ، طبعـا هـذا لا يلغـي إطـلاقـا مـا للإسلام "الفرداني" من دور في منـاهضـة الباطـل و لا يعطــي الأهمية البالغـة للانتمـاء التنظيمي علــى مستـوى الإيمان بالقضيـة و إنمــا القصـد في مستـوى الصمـود و درجـة مواجهـة التحديات أيام المحن التـي تحتـاج فيهـا الأمـة الرجـالَ لاسترداد الحق المهضوم .

 

رابعــا : نستنتـج من حركية الصراع في مصر مـا أثبتهُ التـاريخ الإسلامي من وجود أصنـاف من العلمـاء ، و في حـالتنـا هـاته اتضح لنـا وجوهـا ثلاثـة من العلمـاء :

 

          - علمـاء الميدان الذين انحـازوا للحق منذ أول وهـلة و صـاروا فرسـانـا في المنصـات يخطبون و يصبِّرون و يثبتون و يتقدمـون المسيرات بالهتـاف و الصدح بالحق دونمـا تذبذب أو دوران، علمـاء أخذوا علـى عـاتقهم الوقوف في وجـه البـاطـل فتحدوا القتـل و التهديد و السجون و طـافوا بأبواقهـم دروب المدن يحشدون و يدفعـون، علمـاء في الداخـل أمـثال أبطـال الأزهـر و صفوت حجازي و عـاصم عبد المـاجد و حازم أبو إسماعيل و القرضـاوي و حسن الشـافعـي و محمد عمـارة و عبد الرحمـان البر و مصطفى العدوي و فوزي السعيد و محمد عبد المقصود (أن الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح ) و طارق البشري و الشيخ عاطف الفاروقي و طلعت عفيفي وزير الأوقاف المستقيل و وجدي غنيم ...و علمـاء في الخـارج أمـثال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السعدي من كبار مشايخ السعودية و الشيخ الزنداني رئيس هيئة علماء اليمن ورئيس جامعة الإيمان و العريفي و سلمـان العـودة و طارق السويدان و رائد صـلاح رئيس الحركة الإسلامية الشمالية في داخل الخط الأخضر في فلسطين المحتلة و راشد الغنوشي و الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق و عائض القرني ...

           - علمـاء البلاط الذين آثروا القعـود في صفوف أهـل الباطـل يمدونهم بالغي و الضلال ، علمـاء حركتهم أحـقاد و أطمـاع، أحقاد للتنظيمـات الإسلاميـة الذين يهددون حصونهـم و قلاعهم المهترئة و أطمـاع تسيل من لعـابهم عسـى أن يحضوا بشرف الزعـامـة الوهميـة من العَلمـانيين بشقيهم العسكريين و المدنيين ، علمـاء سوء قلة و لله الحمـد مـرغوا عقولهـم في تـراب الذل يفتـون للسـلاطين و يفصلون لهـم فتـاوى القتـل والإبادة الجمـاعية أمـثال مظهر شاهين، إمام وخطيب مسجد عمر مكرم و علي جمعة و شيخ الأزهـر أحمد الطيب ومحمود مهنـا..

          - علمــاء بيـنيــون (أي بين بينَ ) لازالـوا يحـاولون مسك القضيـة من الوسـط رغـم كـل هـذا الالتفـاف الشعبي الهـائل ضد الانقـلاب، و يسعـون -إلـى حدود كتـابة هـاته السطور- إلـى وضع قدم هنـا و قدم هنـاك تحسبــا لميلان الكفـة في أي وقت لهذا الطرف أو ذاك، علمــاء دخـلوا في صمــت قـاتــل رغم كـل هـذا القمـع الدمـوي و الهجوم الفاضح علــى الإسلام و المؤامـرات المكشوفـة و الاعتقالات الدائمـة من طرف حكومـة الانقلاب و ميليشيات السيسي في وزارة الداخلية و أمن الدولـة، و يمثـل الشيوخ السلفيون المعروفون (محمد حسام،حسين يعقوب،الحوينـي،محمود المصري) أعمـدة الموقف "الحيادي" في التعـامل مـع الأحداث الجـارية رغـم كـل الدعـوات التي وجهوهـا علمـاء من منــصة رابعـة العدوية بضرورة الإفصاح عـن الموقف الصريح ممـا يجري علـى الأرض ( عـاصم عبد المـاجد، صفوت حجازي،الأمين الأنصاري..)، و الغريب حـقا في هـذا الصمت العجيب أن تجــدَ أعـداء الإسلام ينسجون مؤامـرات تغيير هـوية الدولـة بكـاملهـا في دهـاليز الغرف المظلمـة و يسقطـون ولي أمـر شرعـي بتحـالف مـع الأمريكـان و الصهـاينة و أمـوال سحت الخليج و يسفكـون الدمـاء تحت أنظـار الجميع و يقدمـون الآن مشاريعا لعلمنـة الدستور و أصْـلَـبَـتِـه لتتحكم القلـة بالأكثريـة و يُـساقُ البلد إلـى ليكـون مُلحـقـة بالبنتـاغون و توجيهـات بني صهيون ، و مـع كــل هـذا لازالَ هـؤلاء يترددون في حسم رأيهم و يكتفون بإرسـال بيـانـات خجولـة تزيد الموقف ضبـابا في ضباب و لا زالوا يتحدثون عـن "المصالحة الوطنية" و "حقن الدمـاء" في ظل غيـاب الحديث عن شرعية الدستور و مجلس الشورى و في ظل مسك الكـلام عـن إدانـة حكم العسكــر الذي خرب الحياة المدنيــة و حول الدولة  إلــى ديكتـاتورية فـاشيـة قضت علــى هيبتهـا و شرف جندهـا . الغريب أن هـاته المنزلـة بين المنزلتين لا يمكن لهـا إطـلاقا أن تنسجـم مـع الموقف التـاريخي لعلمـاء أهـل السنـة و الجمـاعـة، فإذا كـان الفقه السياسـي التراثي دارَ في معظمـه حول ضرورة "الصبر" و عدم الخروج علـى الحـاكم و إن جـارَ  حفظـا لبيضة الإسلام من الفتن فيُتَحمَّلُ بذلك الضرر الخاص لدفع الضرر العـام فإن القضيــة هنــا لا يمكن لهـا أن تأخذ هـذا البعد إطـلاقا لسببين : الأول: أن مـا حدث من انقلاب هـو انتــزاء و اغتصـاب حقيقي لسلـطة مدنية اختــارهُ الشعب بإرادته الحـرة فكـان ذلك دليلا علــى شرعيته و أن ولاية المتغلب ليست محـل إجمـاع العلمـاء علــى شرعيته ، و الثانية : أننــا اليوم أمـام مس فاضح بالشريعـة الإسلامية و تخريب لمنظومتهـا في الحكم فسقط مبرر الصبر علـى المظالم بسقوط حفظ الدولة لكلية الدين ، و كأن علمـاءنـا الأفـاضل أرادوا أن يضيفوا لنـا قاعدة أخرى تقرر بلا جواز الخروج على الدولة و إنْ تعَلمنت ! ، و هـو أمـر خطير يعبر عـن المستوى السياسي الذي وصلَ إليه البعض في التعـامل مـــع متغيرات العصر . إن الصمت و الهروب من الواقع ليس حتـى حيادا بـل ميلا علـى سبيل المراجحـة و مساهمـة في التغطية علــى الأحداث الجاريـة و إعـطاء للآخـر الضوء الأخضر للنيل مــن المرابطين في الميادين،فالصمت تعبير عـن الرضـى و في حـالات محـن الأمـة و تميز الحق من الباطل يعدُّ هذا خطأ قاتــلا لــن تنــساهُ الشعـوب أبدا ، بل و عندمـا يرافق الصمت تصريحـا هنـا و هنـاك فيزيد الوضع التباسـا تفقد الأمـة تدريجيا ثقتهـا بالعلمـاء من قبيل ما صرح به الشيخ أبو اسحـاق الحوينـي في محاضرة و في أول خروج لـه عندمـا قال " كأن الله أراد أن يقول للمتشوقين و الذين يحلمون بإقامـة الإسلام "إدَّهلنكم سنة(أي أعطينـاهـا لكم سنة )،منفعتوش(أي لم تقدموا شيئـا ) نسلبهـا منكم لتتربوا و ترجعوا و تعرفوا أن التمكين لا يكون إلا بالعبودية، لو صِرتم عبادا لله لمكنكم بكم حتـى بلا أسباب أو بمـا جرت عليه السنن يعطيكم الأسباب و يهيأكم لهـا فإن حكم العالم أمر كبير ،إرجعوا إلـى أنفسكم مرة أخرى و ليسأل امرئ نفسه :هل أنـا عبد لربي فيما بيني و بينه..هل أنـأ عبد لربي في حياتي مع الناس..إذا كـان الجواب لا عرفنـا من أين أوتينـا و عرفنـا أين الخلل"،  الكــلام واضح لا يحتـاج تأويلا من أحد و إن كـان الإبن الفاضل للحويني(الشيخ حاتم) أراد أن يصرفَ معنـاهُ إلــى غير مـا قصد .

     إن الصدح بالحق رسـالـة العلمـاء في وقت كل وقت و حين و في تـاريخنـا مـن المواقف مـا يثبت هـذا الأمـر، فنحن نـريد من أفاضلنــا أن يكـونـوا بمستـوى مـا كـان عليه حطيط الزيات مـع الحجاج و ابن تيمية مع غازان التتري و ابن طاووس مع المنصور و سفيان الثوري مع المنصور و سعيد ابن المسيب مع عبد الملك بن مروان و سعيد ابن جبير مع الحجاج و عمرو بن عبيد مع المنصور و عبد القادر الكيلاني مع المقتفى لأمر الله و العز ابن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل ...

- خـامسا : تكشف  الأوضاع أن الإسلاميين هــم الأكثـر تعبيرا عـن السلمـية و الأشد حفظا لقيم الديموقراطية و احتراما لصنـاديق الاقتراع، و هـذا جواب عملــي و واقعــي على كل الاتهـامات المغرضة لهم باستغلالهم للديموقراطية للإجهـاز عليـهـا ،فقد كشفت الأيام أن الإسلاميين مارسوا التدافع السلمـي و احترام حقوق الآخرين في الاعتراض و التجمهـر بل و بـالغـوا في السمـاح للإعـلام بنشـر سمومـاته و مؤامراته فلـم يغلقوا صحيفـة و لا اعتقلوا معـارضا و لا أحرقوا منشأة و لا زوروا انتخـابا و لا هـاجموا الأقليات وظلت سلوكـاتهم في مصر أكثر إخـلاصـا للوطن ، و عندمــا نـزلوا للميادين نزلوا بسلمية تـامـة يضعون بأجسامهم سلاسل بشرية أمـام المقرات و الكنـائس و مؤسسات الدولـة حفاظا لهـا و صونـا لهــا من أي شيء طارئ ، و في المـقابل تـجدُ العَلمـانيون الفوضويون جُبِلــوا علــى العنف فقـامـوا بشتــى ألـوان التخريب و إحراق المؤسسات و قتـل المعتصمين و رفع الأسلـحة جهـارا يهـاجمـون المقرات و يستخدمون المولوتوف بمـساعـدة ميليشيات الشرطـة المأجورة و عصابات البلاك بوك الإرهـابية تحت أنظـار وزارة الداخلية و تحت حمـايتهـا، و عندمــا انقلبوا علــى الشرعية انقلبوا عليهــا بالدبابــة و ديكتـاتورية العسكـر و حولـوا الدولـة إلـى ثكنـة عسكرية تحكم باسم الحديد و النـار و باشروا بحمـلات قتل الإعـلام الحـر و مصادرة الحقوق و حجز الأمـوال و اعتقال المئات من الأقلام الحرة و لفقـوا التهم و زوروا صور الإعـلام و فبركوا الفيديوهـات و أرسلوا ميليشيات البلاطجـة تستكمـل أدوارهـا في قنص الضحـايا و تحوّل الإعـلام العَلمـاني إلــى مؤسسة في خدمــة الديكتـاتورية تكذب و تلفق بلا قيم و لا إنسانية . كـفى بالمرابطين شرفـا أنهـم أصحـاب حق لم تتلوث أياديهـم بالدمـاء و لـم يستغلوا الإعـلام للكذب، كفى بهم شرفـا حمـاة للقيم بصدور عـارية و حنـاجـر مدوية و لله الأمــر من قبل و مـن بعد .

      نجيب الطلحاوي

 

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (3 )

-1-
بعض السلفيين جبناء...لماذا؟
7 غشت 2013 - 19:07
شكر أخي نجيب على جرأتك التي سيسجلك بفضلها على جبين المجد لقد قلت:

(هـاته المنزلـة بين المنزلتين لا يمكن لهـا إطـلاقا أن تنسجـم مـع الموقف التـاريخية لعلمـاء أهـل السنـة و الجمـاعـة)


السؤال المطروح عليك وهو الذي حيرني فعلا :
بعض السلفيين جبناء...لماذا؟ هل لأنهم يقتاتون من السعودية والامارات وأمريكا؟ هل لأنهم مغفلون لا يفهمون جواهر الأشياء بقدر فهم ظاهرها فقط؟
وشكرا مسبقا على إجابتك
مقبول مرفوض
5
-2-
نجيب
7 غشت 2013 - 22:35
جواب مختصر

أعتــقد أن موقف بعض السلفيين (و ليس كلهم إذ نجد واضحـا انخـراط العديد منهم في حمـلات رفض الانقلاب كالأنصاري و مسعد أنور ) في مـا يدور من حراك شعبـي أسهـم فـي رسـم صورة سلبيــة لمـا يجب للعلمـاء أن يقوموا به تجـاه مجتمــعاتهم خصوصـا في ايام المحن الصعبـة ، و للأسف فمتـابعـاتنـا لمختلف مـا أبانت عنه خرجـات بعض السلفيين( الشيخ حسان و الحويني) و صمت آخرين (يعقوب، محمود المصري) أفضت بنــا في رأينــا إلــى إعـادة صورة فقهـاء التغلب إلــى المشهـد المعـاصر مجتمعة في عبارة "من غلب على شيء فهو له "، فلازال مـوقف الخضوع لسلـطة "الأمـر الواقع" و طـاعـة المستـولــي بحكم الغلبـة لازالَ يتحكـم في بعض مواقف شيوخنــا إذ أن الشرعــية عندهم تستمـد سندهــا من سلـطة الغلبة و الشوكـة في حيازة السلـطة درء للمفسدة و جلبا للمصلحـة، و أعتقد -و الله أعلـم- بأن حديث الشيخ محمد حسـان حـول المصالحـة و حقن الدمـاء بشكل مكرر دون التوغل في أصول الأزمـة تيبن طبيعـة الفقه السياسي الذي يتحرك فيــه .
إضـافـة إلــى ذلك أرى أن البعض منهــم ربمـا لازالَ يحمـل في ذاتـه توجسـا من الإخـوان المسلمين كتيار إسلامي حركـي وزاحف حيث يملـك هـذا التنظـيم رؤيـة مستقبلية لمـا يجب أن تـكون علـيه المجتمـعات الإسلامية في عـلاقتهـا بالعـالم الخـارجي ، كمـا أنهُ تنظيم يخـالف الفقه السياسي الذي تأسس عليه الفقهـاء و الدعـاة الناهمين من سلطـة آل سعود، فضلا عن كونــه تنظيم عـالمـي يتحـدى المشروع السعـودي و ينـاقضه.
إن أكـبر جنـاية-في نظري- شوهـت مواقف أهـل السنـة و الجمـاعـة في عـلاقتهـا بالسلـطة الحـاكمة هـي نظرية التبرير "الشرعي" للمتغلب و إعـطاءه الغطـاء الشرعـي لإدارة الدولة، فـهـذه الأطروحـة شجعـت كثيرا تـاريخ الاغتيالات و الانقلابات و قدمـت للطغـاة الأرضية المنـاسبة لممـارسـة الاستبداد و التفكير في صنـاعـة المؤامرات العـائلية و العشائرية لأجـل الوصول للسلـطة بحكم القوة. و للأسف مـا نقرأه الآن في مواقف رموز السلفيـة الأفاضل لا يختلف كثيرا عــن تبرير ولايـة المتغلب و لا يخـرج عن أدبياتـه،فالبيان الثالث و الثلاثون الذي أصدره مجلس شورى العلمـاء في بنده السابع يقول بأن" ما وقع من قرارات المجلس العسكري قائمة على لون اجتهاد - يُغفَر لهم إن شاء الله - ولا يُطعَن عليهم بما نعلمه عنهم من محبتهم لبلادهم "...آمـلُ أن أكون قد وضحتُ جانبا من السؤال و الله أعلــم
مقبول مرفوض
5
-3-
بعض السلفيين جبناء...لماذا؟- رقم:2
8 غشت 2013 - 01:14
شكرا أخي نجيب على جوابك...تعرفني جيدا أنني أقصد بالسلفيين حزب النور الذي انخدع وتحول شتيمة تلوكها الألسن فهناك من سماه حزب الزور وهناك من سماه حزب النار...أين هو استئساد محمد حسان بلغته القحة وافتخاره بعلمه الغزير...أين هي نصائحه للمسلمين بأن الإيمان بالله يصنع المعجزات...إذن فهو ناقص الإيمان ويقول ما لا يفعل إذا كان قد أصبح جبانا في الانحياز إلى المظلومين...ولماذا التحامل على الاخوان المسلمين كونهم مسلمين مثقفين واعين منفتحين على العالم والمعرفة بشتى أصنافها..هناك من السلفيين من يبرر موقف السعودية فيقول لك بأن الاخوان المسلمين أقرب في عقيدتهم للشيعة من السنة...فهل تظن بأن هدا صحيح؟ شكرا سي نجيب..شكرا دليل الريف
مقبول مرفوض
4
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية