rif category
rif category

في الحاجة الملحة إلى "الطريق الثالث"

كتاب الرأي

20 دجنبر 2015 - 03:52

في الحاجة الملحة إلى "الطريق الثالث"

أصبح بودنا اليوم أن نتأسف على ما آل إليه وطننا في كل المجالات، الاقتصادية، السياسية، والثقافية..، وهذا دون أدنى شك من نتاج عدم سن سياسة سليمة وشاملة لكل مناحي الحياة في اتجاه التفكير السليم لمحو الفوارق الطبقية التي تتسع يوما بعد يوم.

 فقد أخضعت الحكومة اقتصاد البلاد بكامله لإملاءات المؤسسات المالية العالمية، وذلك عبر الانخراط التام في سياسة القروض والاستدانة وإغراق البلاد في المزيد من المديونية الخارجية، وهذه السياسة المنتهجة من طرف الحكومة الحالية أدت الى تجويع الملايين من أبناء الشعب والحكم على الآلاف بالبطالة الأبدية، والحكم كذلك على أجور العاملين بالتآكل المستمر، والفئات الوسطى بالانحدار التدريجي نحو الطبقات الدنيا. 

وما يزيد الأزمة تفاقما هي سياسة رفع الأسعار المتكررة التي تنهجها الحكومة منذ توليها دفة "الحكم"، والذي سينتج عنها بالتبعية تراجع مخيف على مستوى الخدمات المقدمة من طرف الدولة في مجالات عدة: الطب، التعليم، التشعيل.. وهذا يهدد بشكل أو بآخر التماسك الاجتماعي ونعمة الاستقرار التي ينعم بها الوطن..

 فالنخبة الحكومية الحالية والتي كانت تتغنى بالثورة الإصلاحية زمن "الحراك الشعبي"، هي نفسها للأسف التي تحولت اليوم إلى مدارس متخصصة في الفساد عبر نهج سياسة "عفا الله عما سلف"، شأنهم في ذلك شأن باقي النخب القديمة المتعاقبة على تسيير دفة "التدبير"، والتي غالبا ما استهلكت هي الأخرى جل قدراتها في مراكمة الثروة  والسلطة دون أن تنكب ولو قليلا على خدمة الوطن والمواطنين.

 وأمام هذا البؤس الذي يهددنا جميعا في اقتصانا وسياستنا وثقافتنا ومجتمعنا..، لابد أن ينكب تفكيرنا في اتجاه تقديم حلول ناجعة ممكنة وفعالة بديلة للتقليص من هول هذه الفوارق الاجتماعية المخيفة التي تتسع بشكل تدريجي، والعمل على تحقيق المزيد من التقارب بين شرائح المجتمع المختلفة فكريا المتباينة ماديا.

 والأمل معقود طبعا في هذا الاتجاه على ما نسميه اليوم ب"الطريق الثالث"، عبر ابتكار سياسات اجتماعية ناجعة تقوم على العدالة الاجتماعية والتوزيع المتساوي لثروات الوطن بين كل أبناءه دون تمييز أو إقصاء.

فما الذي نعنيه إذن ب"الطريق الثالث "؟ وما الذي سيقدمه للمجتمع المغربي حاضرا ومستقبلا؟ 

المقصود بالطريق الثالث في هذا السياق هي "الديمقراطية الاجتماعية"، بفحص سريع لهذا التوجه يتبين وبالملموس أنه قد عرف نموا لا يستهان به في معظم دول العالم مستمدا نموه وقوته من أسباب عديدة، مرتبطة أساسا بالمراجعات الفكرية الشاملة التي عرفتها قوى "اليسار" نتيجة لأزماته المتكررة، وسيظهر بالتحديد مع نهاية القرن الماضي، والذي حاول بأن يجمع ما بين "الليبرالية السياسية" بقيمها الكونية، و"اليسار الاجتماعي" الذي يتجسد في العدالة الاجتماعية وقيم المساواة، كل هذا سيتزامن مع انهيار المعسكر الشرقي بزعامة "الاتحاد السوفياتي" وسقوط ما يسمى ب"جدار برلين".

وبذلك سيتجه الفكر البشري مباشرة نحو البحث عن تجارب انسانية أخرى رحبة وناجحة، باستطاعتها تقديم بدائل ممكنة وإجابات حول الإشكالات التي تواجه المجتمعات والتكتلات البشرية عبر العالم.

ولا يجب أن نغفل كذلك، أن الضرورة الديمقراطية قد استدعت هي الأخرى في التفكير في ما نسميه اليوم بـ"الطريق الثالث"، التي تدعونا دائما الى خلق فضاءات رحبة للتنافس الحر بين الأفكار والمواقف والبرامج، فالديمقراطية في جوهرها ليست هي حكم الأغلبية وفقط، بقدر ما تشكل حماية وضمانة لكل الأفكار والاتجاهات التي تنتمي الى نفس المجتمع، ذلك أن الديمقراطية والتنافس في البرامج والأفكار تقوم على القدرة على تقديم إجابات علمية للإشكالات التي تتخبط فيها تلك المجتمعات، وهذا لا يتحقق بأي شكل من الأشكال إلا بوجود أفكار وبرامج مختلفة وتنافسها وجدلها الدائم من أجل الخلق والابداع والابتكار.

وفي تعريف "للمؤسسة الدولية للاشتراكية"، تعتبر "الديمقراطية الاجتماعية" آلية سياسية تحقق نموذجا مثاليا من الديمقراطية الليبرالية يحل المشاكل الموجودة في الرأسمالية غير المقيدة، وهي التي تحاول أن تجمع وتوفق ما بين "الليبرالية السياسية" و"اليسار الاجتماعي".

واعتبرها الأستاذ الألماني "توماس مايير" على أنها نمط تفكير وقناعة تترجم في اختيارات وبرامج حزبية بشكل مختلف، حسب الأولويات وإن كانت المنطلقات الفكرية واحدة، وقد أكد كذلك على أن النظام الرأسمالي هو الذي وضع اللبنات الأولى للديمقراطية بسنه للحريات وبناء دولة الحق والقانون على أنقاض النظام الإقطاعي، غير أن السوق الذي بقي بدون ضوابط كابحة لقوة الرأسمال التدميرية أنتج لنا أزمات اقتصادية انعكست سلبا على المجتمعات الرأسمالية، الأمر الذي استلزم معه التدخل من طرف الدولة لضبط قوة الرأسمال وتوجيهه في خدمة الانسان أكثر.

والديمقراطية الاجتماعية بهذا الفهم هي تيار فكري يعتمد مناصريه على الإصلاح التدريجي للنظام الاقتصادي، ومحاولة إدخال مجموعة من المفاهيم الاشتراكية، العدالة الاجتماعية في مقدمتها ومحاولة دمجها في توليفة ممكنة مع "الليبرالية السياسية" المرتكزة على الحريات وحقوق الإنسان، والعمل على تنظيم هذه الحريات الفردية ضمن إطار واضح خدمة للمصلحة الجماعية. 

وتبنى هذه المرجعية اليوم في المغرب يتطلب التفكير في صيغ ذكية تمكننا من جعل روح "التحديث" تسري في عروق "تمغربيت"، والتي ستساعدنا في الرفع من فاعلية هذا التوجه دون السقوط في اجترار التقليد الذي قد يجرنا أكثر إلى الوراء في تكرار غير مرغوب فيه اجتماعيا لبعض الطروحات الظلامية التي تعادي التموقع.

وبحكم التطور السريع الذي يعرفه العالم اليوم، لابد من التحلي ببعض الليونة الفكرية، لتسهيل إمكانية مواكبة هذه التطورات السريعة التي يعرفها التفكير البشري، وذلك بالانفتاح على كل الاجتهادات الانسانية على المستوى العالمي بروح نقدية، والتي ستفيد تجربتنا المغربية دون السقوط في الانغلاق والجمود الفكري.

فلم يعد هذا التوجه الفكري المتمثل في "الديمقراطية الاجتماعية" في بلدنا اليوم مجرد وجهة نظر، بل أضحى ضرورة موضوعية ومطلوبة مجتمعيا لتجنيب المجتمع كارثة حقيقية تهدد مستقبله، وانقاذنا جميعا من حياة الشقاء والبؤس والتهميش الذي نتخبط فيه.

وترتيبا على ما سبق، فإن المشهد السياسي المغربي اليوم في حاجة ملحة للما نسميه بـ"الطريق الثالث"، الذي يستمد مشاريعه وأفكاره من هذا التوجه الاقتصادي الاجتماعي. مع تكييفه المتواصل طبعا مع البيئة والمكان الذي ينطلق منه النشاط الانساني، دون التفريط في هويتنا الوطنية حتى لا نتحول إلى مجموعة من التائهين، والعيش في حالة من التمزق والانفصام بين انتمائنا والأفكار الغير ممكنة التطبيق. فقد يبدوا ما سبق حلما، لكن يلزمنا أن نحلم وهذا نابع من إيماننا الأكيد بأن كل هاته  المشاكل التي يتخبط فيها المجتمع المغربي اليوم لا يمكننا حلها بمعزل التيار الديمقراطي الاجتماعي.

 وأمام هذه الوضعية، فإن المشهد السياسي المغربي اليوم في حاجة ملحة للما نسميه بـ"الطريق الثالث"، الذي يستمد مشاريعه وأفكاره من هذا التوجه الاقتصادي الاجتماعي. مع العمل على تكييفه المتواصل مع البيئة والمكان الذي ينطلق منه الفعل البشري، دون التفريط في هويتنا الوطنية والأفكار المراد تطبيقها.

وختاما، لابد من التذكير بأن كل هذه الأفكار والأماني إذا لم تقرن بتنظيمات سياسية جادة وواعية برسالتها التاريخية ستبقى حبرا على ورق، وهنا أقصد الأحزاب السياسية التي لا غنى عنها في ذلك، باعتبارها أداة في تحقيق الحلم المنشود، بما تشكله من مدخلات أو حلقة اتصال بين المجتمع والدولة. وهي مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى، الى القطع مع طغيان ثقافة المصالح الشخصية التي تنخر هياكلها، والانتصار دوما  للديمقراطية الداخلية والاحتفاء بالفكر، مع الانكباب على تقديم حلول بديلة وناجعة للإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع على كافة المستويات.

يوسف أشحشاح

line adsense

وزارة النقل تكشف تفاصيل مخطط لربط الحسيمة بشبكة السكك الحديدية

 كشفت وزارة النقل واللوجيستيك عن معطيات جديدة بخصوص مشروع إحداث خط سككي يربط بين الحسيمة والناظور، وذلك في جواب رسمي موجه إلى النائبة البرلمانية فاطمة... التفاصيل

الامن الوطني يحبط محاولة للتهريب الدولي للمخدرات وحجز حوالي 12 طن من الحشيش

  تمكنت عناصر الشرطة بالمنطقة الإقليمية للأمن بمدينة الصويرة بناء على معلومات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، زوال اليوم الثلاثاء، من إحباط محاولة... التفاصيل

غرناطة.. العثور على جثة سادسة يرفع حصيلة فاجعة قارب الهجرة

 تتواصل فصول المأساة التي هزت سواحل غرناطة جنوب إسبانيا، بعدما تم صباح اليوم العثور على جثة جديدة بمنطقة “كاستيل دي فيرو”، في تطور يرفع عدد... التفاصيل

تعاون مغربي اسباني يقود لتفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم "داعش"

 تمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في عملية متزامنة ومشتركة مع المفوضية العامة للاستعلامات “CGI” التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية، صباح... التفاصيل

هزتان أرضيتان خفيفتان تضربان بحر البوران قبالة سواحل الريف

 سجل المعهد الجغرافي الوطني الإسباني، خلال الساعات القليلة الماضية، هزتين أرضيتين خفيفتين في منطقة بحر البوران جنوب إسبانيا، قبالة السواحل الشمالية للمملكة المغربية، دون تسجيل... التفاصيل

line adsense