rif category
rif category

التربية الإعلامية في العصر الرقمي: الحاجة إلى التفكير النقدي لمواجهة الأخبار الزائفة

الواجهة

3 فبراير 2026 - 17:38

التربية الإعلامية في العصر الرقمي: الحاجة إلى التفكير النقدي لمواجهة الأخبار الزائفة

نظرا للتحول الذي يعيشه المجتمع العالمي عامة والمغربي خاصة، والتغيير الذي يطال المنظومة الإعلامية في ظل الزحف الرقمي، أصبح موضوع التربية الإعلامية إشكالية راهنية تتطلب نقاشا جادا ومسؤولا. وفي هذا السياق، ركزت الحملة الوطنية للاستعمال الآمن للأنترنت، في نسختها 2026على مواجهة الأخبار الزائفة، لتعكس حجم الوعي المتزايد بخطورة التضليل الإعلامي، والحاجة إلى تحصين الأفراد -ولا سيما فئة الأطفال والشباب- من الممارسات الإعلامية غير المسؤولة. إذ لا يمكن فرض رقابة أو قانون صارم على كل ما يُنشر، لأننا نعيش زمن التحرر الإعلامي، أو ما يمكن وصفه بالانفلات الإعلامي، حيث جعلت وسائط التواصل الاجتماعي من كل فرد منا صانعا وناشرا للمحتوى. في عالم يتسم بتدفق غير مسبوق للمعلومات، وتداخل الخبر بالرأي، والواقعي بالمفبرك.

ينطلق مفهوم التربية الإعلامية من كون الوعي الإعلامي عملية دينامية ومتطورة، لا تتوقف عند حدود اكتساب مهارات أولية، بل تتطلب تحديثا مستمرا للكفايات بما يواكب تطور الوسائط الرقمية وأشكال إنتاج المحتوى. فالفرد مطالب دائما باكتساب مهارات جديدة تمكنه من استخدام الإعلام بوعي ونقد ومسؤولية، خاصة في سياق رقمي يتسم بالتعدد والتشابك. وتؤكد منظمة اليونسكو أن "التربية الإعلامية تشكل حقا من الحقوق الأساسية للمواطن. لذا فإن الحديث عن دور المؤسسة التعليمية في التربية الإعلامية أضحى أمرا ملحا، وذلك لما تمثله المؤسسة من دور حيوي في بناء ثقافة المجتمع، واكساب قيم الاقتناع والالتزام والممارسة، وهي مدعوة أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز أدوارها التقليدية المتمثلة في: التعليم والتعلم، إلى أدوار أخرى تؤهلها لمواكبة التحول الذي يشهده العالم والمجتمع، وتقديم إجابات ممكنة عنه من منظور الممارسة التربوية داخل الفصول الدراسية. ففي عالم غير واضح المعالم، يتعرض الأطفال والمراهقين لفيض هائل من الأخبار، والمحتويات غير اللائقة، وخطابات العنف والكراهية، مما يجعلهم فئة هشة أمام التأثيرات السلبية للإعلام.

تسعى التربية الإعلامية إلى تأهيل الأفراد لاكتساب كفايات تمكّنهم من تقييم المعلومات التي يتلقّونها، وبناء وعي إعلامي يحصّنهم من مخاطر الإعلام الرقمي. ويأتي هذا التوجه منسجما مع الرهانات التي تطرحها الأدبيات التربوية المغربية، والتي تؤكد على ضرورة "الانتقال بالتربية والتكوين والبحث العلمي من منطق التلقين إلى منطق التعلم والتعلم الذاتي، وتعزيز القدرة على الحوار والمشاركة، وإرساء تفاعل خلاق بين المتعلم والمدرس والمتعلمين فيما بينهم، في إطار عملية تربوية قوامها التشبع بقيم المواطنة، واكتساب المعارف والمهارات والقيم، وتنمية الحس النقدي وروح المبادرة، ورفع تحدي الفجوة الرقمية". وتقوم التربية الإعلامية على توليفة من القيم والمعارف والسلوكات، تتجسد في أربعة أبعاد متكاملة:

1. التقييم والتفكير النقدي؛

2. حرية التعبير واحترام الرأي الآخر؛

3. احترام القانون وقواعد العيش المشترك؛

4. الالتزام والفعل واتخاذ المواقف.

يكمن جوهر الثورة الإعلامية المعاصرة في الذكاء الاصطناعي، الذي بات يشارك الإنسان في إنتاج المحتوى، وتحرير الصور والفيديوهات، وتقليد الأصوات، بل وصياغة الأخبار والرسائل. ومع سهولة تخزين المحتوى وتداوله على نطاق واسع، تزداد الحاجة إلى وعي نقدي يدرك حجم السلطة الجديدة التي يمتلكها الفرد، وما يترتب عنها من مسؤوليات أخلاقية وقانونية. فوجود جمهور واع وناقد يشكل عامل ضغط إيجابي يدفع وسائل الإعلام بدورها إلى تحسين جودة محتواها، والالتزام بالدقة والموضوعية، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز الثقة في الإعلام. يؤطرها الواجب الأخلاقي تجاه المجتمع، يتمثل في تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، وتجنب الإثارة والتهويل.

يسهم الوعي الإعلامي في بناء مواطن واع وناقد ومسؤول، قادر على التفاعل مع الإعلام بذكاء وأخلاقية ويميز الأخبار الزائفة، ويكشف ما يعرف بما وراء الحقائق (Post-truth)، التي تنتشر في الفضاء الرقمي وتعتمد على التأثير العاطفي بدل الوقائع، فإذا رجعنا إلى أحداث، نهائيات كأس إفريقيا 2025 بالمغرب، نجد أنها شكلت بيئة خصبة لتطبيق "نظرية العدوى النفسية". ففي ظل الحماس الوطني، برزت جيوش إلكترونية تستغل العواطف لنشر أخبار زائفة عن المؤامرة وشراء الحكام أو فبركة تصريحات. حيث انتقل التضليل إلى صناعة واقع بديل. وتابعنا أيضا كيف استُغلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تهويل فيضانات القصر الكبير، فتم تعديل صور لتظهر مشهدا غير واقعي. فعندما يغرق المتلقي بصور مفبركة للأزمات، فإنه يبدأ في رؤية العالم كمكان مرعب وغير آمن، وهو ما يسمى بـ "متلازمة العالم الشرير" حسب نظرية " (Cultivation Theory). لذلك فمهارة التفكير النقدي وتحليل الخطابات الإعلامية التي تروج صورا مفبركة ومعلومات مزيفة، تحد من إعادة إنتاج التهويل والإقصاء. تزداد أهمية هذه المهارة في أوقات الحروب والأزمات والأحداث الكبرى، حيث تتكثف الدعاية والتضليل، ويسهم التفكير النقدي في:

1. بناء الوعي الإعلامي لدى الفرد، وتجنّب فخ التضليل والإثارة والتسمم الإعلامي؛

2. تمكين المتلقي من فرز المواد الإعلامية بين ما هو سلبي ورديء، وما هو إيجابي ونافع؛

3. تحويل المتلقي إلى فاعل إيجابي قادر على انتقاء المحتوى وتحليله وتقويمه.

من هنا، يصبح إدماج التربية الإعلامية في السياسات التعليمية، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة في هذا المجال، رهانا أساسيا لبناء مجتمع ديمقراطي متماسك، وقادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي. خلاصة القول أنه يجب إعادة النظر في أدوار المدرسة التربوية، والتفكير الجدي في تجديدها وتسليحها بشتى الوسائل والإمكانات لتكون قادرة على استيعاب التقنيات الجديدة، فلا مجال لمنظومة تربوية ثابتة في عصر متحول دائم الحركة ولا مستقبل لمدرسة بدون مدخل الوعي الإعلامي. 

وردية السكاكي

مفتشة تربوية

عدد التعليقات (0 )

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

line adsense

بعد 17 سنة من الانخراط.. بودرا يغادر الأصالة والمعاصرة

 علمت جريدة دليل الريف أن الدكتور محمد بودرا قد قدّم، بشكل رسمي، استقالته من حزب الأصالة والمعاصرة، الذي انخرط فيه منذ 17 سنة، منهياً بذلك... التفاصيل

فالنسيا .. مغربي يتسلل إلى المدرج ويعتلي سقف طائرة متجهة إلى أمستردام

 في حادث أمني غير مألوف، شهد مطار فالنسيا الإسباني، مساء السبت فاتح فبراير 2026، حالة استنفار بعد تمكن رجل من الجنسية المغربية من التسلل إلى... التفاصيل

line adsense