rif category
rif category

المرتضى اعمراشا : العصر الهولوسيني وظهور آدم… أو ذاكرة الإنسان الأولى

الواجهة

15 مايو 2026 - 20:14

المرتضى اعمراشا : العصر الهولوسيني وظهور آدم… أو ذاكرة الإنسان الأولى

(1/2)

بقلم: المرتضى اعمراشا

-ليست مشكلة الإنسان الحديثة في أنه عرف الكثير عن الأرض؛ بل في أنه صار يظن أن المعرفة العلمية وحدها تكفي لفهم معنى وجوده فوقها… فكلما تقدم العلم في كشف الطبقات القديمة للكوكب، وفي تتبع الأجناس البشرية الأولى، وفي إعادة تركيب تاريخ المناخ والجليد والبحار؛ ازداد شعور الإنسان المعاصر بأنه فقد شيئًا آخر لا تمنحه المختبرات… شيئًا يتصل بالمعنى، وبالسؤال الأول الذي ظل يرافق البشرية منذ بدأت تنظر إلى السماء وتدفن موتاها وتخاف من الزمن.

لقد أصبحنا نعرف اليوم أن الأرض مرت بتاريخ بالغ العنف والتقلب، عصور جليدية طويلة، وانقراضات كبرى، وتحولات مناخية هائلة، وارتجاجات جيولوجية غيّرت شكل القارات والبحار أكثر من مرة… كما أصبح واضحًا أن الإنسان نفسه لم يظهر دفعة واحدة؛ بل جاء نتيجة مسار طويل من التحولات البيولوجية التي امتدت عبر مئات آلاف من السنين…، غير أن هذه المعرفة، على أهميتها، لا تبدو كافية وحدها للإجابة عن السؤال الأعمق: متى أصبح الإنسان إنسانًا فعلًا…؟

فثمة فرق هائل بين كائن قادر على الصيد والتكاثر والبقاء؛ وبين ذلك الكائن الذي يعرف الأسماء، ويشعر بالذنب، ويبني المعابد، ويبحث عن العدالة، ويخاف من الموت، ويتساءل عن معنى وجوده فوق هذه الأرض، إن التاريخ البيولوجي للإنسان لا يفسر وحده ولادة الإنسان الرمزي، ولا يفسر اللحظة التي بدأ فيها هذا الكائن يشعر بأنه ليس مجرد جزء صامت من الطبيعة؛ بل حامل لمعنى ما… .

ولعل واحدة من أكثر الإشارات القرآنية إثارة للتأمل في هذا السياق، هي قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ الآية الأولى من سورة الإنسان.

فالآية، في أفقها الواسع، لا تبدو مضطرة للحديث عن عدم بيولوجي مطلق؛ بل تسمح على الأقل، بقراءة أخرى، قراءة تفترض أن الإنسان مرّ فعلًا بزمن طويل كان فيه موجودًا داخل الطبيعة، لكنه لم يكن بعدُ “شيئًا مذكورًا” بالمعنى الحضاري والرمزي والروحي، كان جزءًا من الأرض، من الحيوان، من الغابة، من الخوف البدائي، ومن الصراع الطويل من أجل البقاء، ثم بلغ لحظة مختلفة تمامًا؛ لحظة أصبح فيها قادرًا على الوعي بالمعنى، وعلى حمل الأمانة، وعلى النظر إلى نفسه بوصفه أكثر من مجرد جسد يتحرك داخل العالم.

إن التأمل لما يبدو عليه بداية العصر الهولوسيني كواحدة من أكثر اللحظات إثارة في التاريخ الإنساني كله، ليس فقط لأنها شهدت نهاية العصر الجليدي الأخير؛ بل لأنها مثّلت بداية العالم الذي نعرفه اليوم، ندرك بما أثبته العلم التجريبي أن تلك المرحلة بدأت فيها درجات الحرارة ترتفع تدريجيًا، وبدأ الجليد ينحسر، وامتلأت الأنهار، وظهرت السهول الخصبة، واستقر المناخ نسبيًا بعد زمن طويل من القسوة والتقلب، وكأن الأرض نفسها خرجت من زمن بدائي عنيف إلى زمن أكثر رحمة واتزانًا.

وفي هذه البيئة الجديدة بدأت التحولات الكبرى، ظهرت الزراعة في مناطق الهلال الخصيب والأناضول؛ واستقرت الجماعات البشرية؛ وبدأ الإنسان يبني القرى، ويدجن الحيوان، ويخزن الطعام، وينظم الزمن حول المواسم والدورات الزراعية، غير أن التحول الحقيقي لم يكن اقتصاديًا فقط؛ بل وجوديًا أيضًا، ففي الهولوسيني المبكر بدأت تظهر الطقوس الجنائزية المعقدة، والمعابد البدائية، والرموز المقدسة، والوعي المتزايد بالموت والزمن والمعنى، أي إن الإنسان لم يكتشف الزراعة فقط؛ بل اكتشف نفسه أيضًا.

وهنا تحديدًا يمكن إعادة التفكير في قصة آدم "الإنسان المصطفى المذكور"، لا بوصفها لحظة ظهور الإنسان البيولوجي الأول، بل بوصفها لحظة اكتمال الإنسان الرمزي والروحي… لحظة الاصطفاء الكبرى داخل المسار الطويل للتطور البشري

إن كثيرًا من التأريخات الدينية القديمة، سواء في التراث اليهودي أو المسيحي أو بعض الروايات الإسلامية، تضع زمن آدم ضمن نطاق قريب نسبيًا من بدايات الهولوسيني أو مراحله الوسطى، وهي ملاحظة لا تثبت شيئًا علميًا بطبيعة الحال؛ لكنها تفتح أفقًا بالغ الأهمية للتأمل، وكأن الذاكرة الدينية تحتفظ بصورة بعيدة لتلك اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يدخل تاريخه الحضاري الحقيقي.

وحين يقول النص القرآني: ﴿إني خالق بشرًا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾…

فإن الآية تبدو  ضمن هذا الأفق التأويلي، وصفًا لمسار طويل متعدد الطبقات، فالخلق من طين يشير إلى الأصل الأرضي المادي للحياة البشرية، أما “التسوية” فتبدو أقرب إلى الاكتمال التدريجي للبنية الإنسانية عبر زمن ممتد من التحولات البيولوجية والإدراكية، ثم تأتي “النفخة” باعتبارها لحظة الانتقال الكبرى؛ اللحظة التي أصبح فيها الإنسان شيئًا آخر، شيئًا يتجاوز الغريزة والبقاء.

إن النفخة هنا لا تبدو حدثًا بيولوجيًا؛ بل حدثًا وجوديًا… لحظة ظهور الوعي الرمزي، والقدرة على اللغة، والشعور الأخلاقي، والاستعداد الفطري لتلقي المعنى، ولعل هذا ما تشير إليه أيضًا الآية: ﴿وعلّم آدم الأسماء كلها﴾، فالاسم ليس مجرد لفظ؛ بل القدرة على إدراك العالم وتحويله إلى معنى، الإنسان الذي يعرف الأسماء، لم يعد مجرد حيوان ذكي؛ بل أصبح قادرًا على بناء الحضارة، وتأويل الواقع، وصناعة التاريخ.

أما السجود لآدم؛ فإنه في أفق القرآن أوسع بكثير من الحركة الجسدية المعروفة، فالنجوم تسجد، والشجر يسجد، والجبال تسجد… أي إن السجود هنا أقرب إلى الخضوع للنظام الكوني والاعتراف بالمقام داخل ترتيب الوجود، ومن هنا يمكن فهم سجود الملائكة لآدم باعتباره إعلانًا عن اكتمال ميلاد الكائن الذي بلغ مرتبة جديدة داخل العالم… الكائن الذي أصبح أهلًا للمعرفة والاستخلاف، ( لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ).

وإذا كان الهولوسيني قد مثل فعلًا أكثر الفترات دفئًا واستقرارًا وخصوبة مقارنة بما سبقه من عصور جليدية قاسية؛ فإن صورة “الجنة” الأرضية التي سكنها آدم نفسها تكتسب بعدًا مختلفًا، ربما لم تكن فقط رمزًا ميتافيزيقيًا؛ بل أيضًا صدى لذاكرة إنسانية بعيدة عن زمن بدا فيه العالم أكثر رحمة، مياه وفيرة، غابات، خصوبة، استقرار مناخي، وبيئة سمحت للإنسان أن يخرج من قلق البقاء الحيواني اليومي إلى بداية الطمأنينة الحضارية.

لقد كان الهولوسيني المبكر، مقارنة بما سبقه، أقرب ما يكون إلى فردوس أرضي حقيقي… لكن هذا الفردوس لم يدم طويلًا، فمع الزراعة ظهرت الملكية، ومع الملكية ظهر الصراع، ومع الاستقرار ظهرت السلطة والعنف والتفاوت، وبدأ الإنسان يخرج تدريجيًا من براءته الأولى إلى تعقيد الحضارة الثقيلة، (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

ومن هنا يمكن فهم “السقوط” بوصفه بداية التاريخ الإنساني نفسه، لأن الحضارة كانت دائمًا لحظة مزدوجة، لقد منحت الإنسان اللغة والفن والدين والمدينة والقانون؛ لكنها منحته كذلك الحرب والطمع والقلق والإحساس العميق بالموت والزمن.

ـ طوفان نوح/طوفان البحر الأسود:

ثم تأتي المرحلة التالية في هذه السردية الكبرى، مرحلة نوح والطوفان.

إن أغلب التصورات الدينية التقليدية تضع زمن نوح بعد آدم بقرون طويلة، وإذا حاولنا قراءة ذلك داخل التاريخ الجيولوجي للهولوسيني؛ فإننا نقترب من واحدة من أكثر الفرضيات إثارة في العقود الأخيرة: فرضية طوفان البحر الأسود.

وفق هذه الفرضية، التي ارتبطت بأعمال الجيولوجيين ويليام رايان ووالتر بيتمان، فإن البحر الأسود كان في مرحلة ما بحيرة عذبة منخفضة؛ ثم أدّى ارتفاع مستوى البحر المتوسط بعد ذوبان الجليد إلى اختراق هائل للمياه عبر البوسفور قبل نحو سبعة آلاف وستمائة سنة تقريبًا، ما أدى إلى غرق مناطق واسعة وهجرة جماعات بشرية كاملة.

ولا يبدو مستبعدًا أن تتحول كارثة بهذا الحجم إلى ذاكرة مقدسة داخل الوعي الإنساني القديم، فالإنسان القديم لم يكن يعرف “العالم” كما نعرفه نحن اليوم، عالمه كان الأرض التي يراها والنهر الذي يعيش حوله، فإذا غمرت المياه ذلك كله؛ بدا الأمر وكأن العالم نفسه قد انتهى.

ومن هنا ربما نفهم لماذا ظهرت أساطير الطوفان في حضارات متعددة؛ من ملحمة جلجامش إلى روايات الديانات السماوية، وكأن البشرية تحتفظ في عمق ذاكرتها بصورة كارثة مائية كبرى أعادت تشكيل بداياتها الحضارية.

إن هذه القراءة لا تدّعي أنها تقدم تفسيرًا علميًا نهائيًا؛ كما لا تزعم أنها تعيد تعريف العقيدة أو تصحيح النصوص، إنها فقط محاولة للتفكير في الإنسان داخل تاريخه الطويل، محاولة للبحث عن منطقة تماس ممكنة بين التاريخ الطبيعي للأرض، وبين الذاكرة الدينية التي رافقت الإنسان منذ بدأ يسأل عن نفسه، وربما تكمن قوة النصوص الكبرى في أنها لم تكن تتحدث فقط عن الماضي؛ بل عن الإنسان نفسه، عن ذلك الكائن الذي خرج من الطين عبر زمن لا يُحصى؛ ثم بلغ لحظة صار فيها “شيئًا مذكورًا”،  لحظة بدأ فيها يسمّي الأشياء، ويبني المعابد، ويخاف من الموت، ويتطلع إلى السماء، ويحكم سيطرته على الكائنات الأخرى، وكأن الكون كله كان ينتظر ظهور هذا الكائن الذي يحمل في داخله شيئًا من الأرض… وشيئًا من المعنى.

line adsense

الحسيمة .. العثور على جثة شخص توفي في ظروف غامضة بشاطئ السواني

 عُثر، اليوم الخميس 14 ماي، على جثة رجل سبعيني بشاطئ السواني”الطايث”، التابع لجماعة آيت يوسف وعلي بإقليم الحسيمة، في ظروف استنفرت السلطات المحلية ومصالح الدرك... التفاصيل

مؤسسة الثقافات الثلاث ومركز الذاكرة المشتركة يفوزان بجائزة ابن رشد للوفاق بإسبانيا

 حصلت مؤسسة مؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط ومركز مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم على الجائزة الثالثة لابن رشد للوفاق، التي تمنحها جمعية... التفاصيل

ينحدر من الريف .. توقيف بارون مخدرات في تركيا مطلوب دوليا

 أوقفت السلطات التركية، خلال عملية أمنية بمدينة إسطنبول، شخصا مغربيا يدعى محمد بولخريف، يُشتبه في ارتباطه بشبكات إجرامية دولية تنشط في مجال الاتجار غير المشروع... التفاصيل

“الأمازيغ والمخزن في جنوب المغرب”.. كتاب مونطاني يعود للواجهة في ترجمة عربية

 كتاب للسوسيولوجي الكولونيالي روبير مونطاني(1893\1954)، شرع في تاليفه 1929 وانتهى من عمله سنة 1930، عرفت اهم مضامين كتابه من خلال الدراسات البحثية، ومباشرة بعد صدور... التفاصيل

نور الدين مضيان يفضح اختلالات ملاعب القرب

 أثار الدكتور نور الدين مضيان، يوم الاثنين الماضي، خلال مناقشة موضوع ملاعب القرب، عدداً من الاختلالات التي تعتري هذه المشاريع، خاصة بالعالم القروي، مؤكداً على... التفاصيل

line adsense