rif category
rif category

المرتضى اعمراشا : العصر الهولوسيني وظهور آدم… أو ذاكرة الإنسان الأولى (2/2)

سياسة

3 يونيو 2026 - 13:10

المرتضى اعمراشا : العصر الهولوسيني وظهور آدم… أو ذاكرة الإنسان الأولى (2/2)

بقلم: المرتضى اعمراشا

في الجزء الأول من هذه المقالة حاولنا التوقف عند بعض نقاط التماس الممكنة بين الذاكرة الدينية للإنسان، وبين ما أصبح العلم الحديث يكشفه تباعاً عن تاريخ الأرض والبشرية؛ لا من باب إخضاع النصوص المقدسة للمختبر، ولا من باب إخضاع العلم للتأويل الديني، وإنما من باب البحث عن ذلك الأفق المشترك الذي يسمح بإعادة التفكير في الأسئلة القديمة بلغة أكثر اتساعاً. وقد بدا لنا أن بدايات العصر الهولوسيني، بما شهدته من استقرار مناخي غير مسبوق بعد آلاف السنين من الاضطرابات الجليدية، تمثل لحظة تستحق التأمل؛ ليس فقط لأنها شكلت البيئة التي ولدت فيها الزراعة والقرى والمدن الأولى، بل لأنها تبدو أيضاً أقرب المراحل التاريخية إلى الصورة التي احتفظ بها الوعي الإنساني عن زمن الوفرة والبدايات الأولى. غير أن السؤال الأهم ربما لا يتعلق بالمكان الذي بدأ منه الإنسان، بقدر ما يتعلق بما حدث له بعد ذلك، وكيف انتقل من كائن يعيش داخل الطبيعة إلى كائن يحمل عبء التاريخ.

إن ما يلفت الانتباه في القصص القرآني المتعلق بالبدايات، أن الإنسان لا يظهر فيه سيداً للعالم منذ اللحظة الأولى، ولا مخلوقاً مكتمل المعرفة والقدرة كما قد يتبادر إلى الذهن أحياناً؛ بل يظهر كائناً يتعلم باستمرار. يتعلم الأسماء، ويتعلم الزرع، ويتعلم الدفن، ويتعلم معنى الخطأ، ويتعلم معنى الندم. وحين نتأمل قصة ابني آدم، لا يصعب ملاحظة أن القرآن يضعنا أمام مشهد شديد الرمزية والدلالة؛ فبعد أول جريمة كبرى في التاريخ الإنساني يقف القاتل عاجزاً أمام جسد أخيه، لا يعرف ماذا يفعل به، حتى يرى غراباً يبحث في الأرض فيتعلم منه كيف يواري سوءة أخيه. وليس من السهل المرور أمام هذا المشهد دون تأمل. فالإنسان الذي سيبني بعد آلاف السنين المدن والإمبراطوريات، والذي سيصنع السفن والمعابد والقوانين، يظهر هنا تلميذاً للطبيعة، يتعلم من كائن آخر يشاركه الأرض. وكأن القرآن يريد أن يذكر الإنسان، في لحظة مبكرة جداً من حكايته، أنه لم يولد منفصلاً عن العالم الذي يعيش فيه، وأن معرفته الأولى لم تكن انتصاراً عليه، بل كانت ثمرة تفاعل طويل معه.

ولعل هذا المعنى يفسر حضور الحيوان والطير والنبات في مواضع كثيرة من القرآن الكريم؛ لا باعتبارها عناصر ثانوية في المشهد الكوني، بل باعتبارها جزءاً من قصة الإنسان نفسه. وحين يقول سبحانه: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ فإن الآية لا تبدو مجرد تذكير بقيمة الكائنات الأخرى، بل تذكير للإنسان بأصله أيضاً. فقبل أن يصبح صاحب حضارة ومدن وحدود وجيوش، كان جزءاً من هذا العالم الحي الواسع، يتعلم منه ويخاف معه ويقتات مما يقتات منه. وربما لهذا السبب احتفظت الذاكرة البشرية القديمة بعلاقة أكثر قرباً بالطبيعة مما نعرفه اليوم؛ فالإنسان الأول لم يكن يرى في الماء مجرد مادة كيميائية، ولا في النار مجرد تفاعل فيزيائي، ولا في الحيوان مجرد مورد اقتصادي، بل كان يرى في كل ذلك عناصر تؤسس وجوده نفسه.

وكلما تأملت آيات القرآن باحترام لأبرز ما توصل إليه العلم الحديث، دون إغفال لحقيقة نسبيتها، أجد نفسي أكثر اقتناعا بأن بلاغة القرآن الكريم وبيانه أقرب بكثير من محاولات ترميزه وإبعاده عن سياقه المنسجم مع كل ما هو عقلاني وعلمي.

تامل بداية سورة الرحمان:

ٱلرَّحۡمَٰنُ، عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ، خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ، عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ، ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ، وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ، وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ، أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ، وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ، وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ، فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ، وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ، فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.

ومن المثير للتأمل أن سورة الواقعة تعود لتطرح هذه الأسئلة بصيغة تكاد تبدو أقرب إلى استحضار مراحل التعلم الأولى في حياة البشرية: ﴿أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾، ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾، ﴿أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾، ﴿أفرأيتم ما تمنون، أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾. ومن اللافت أن هذه العناصر نفسها تشكل الأعمدة الكبرى التي قامت عليها الحضارة الإنسانية الأولى. فالزراعة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي؛ بل كانت ثورة غيرت علاقة الإنسان بالزمن والأرض والغذاء. والماء كان أساس الاستقرار ونشوء التجمعات البشرية. والنار كانت إحدى أعظم أدوات التحول التقني والمعرفي. أما التكاثر والأسرة فقد شكلا الخلية الأولى التي خرجت منها البنى الاجتماعية اللاحقة. وكأن القرآن يعيد توجيه نظر الإنسان إلى الأشياء التي اعتادها حتى نسي دهشته الأولى أمامها.

فهذه النقطة تحديداً تقودنا إلى معنى مختلف لقصة آدم نفسها. فالمشكلة التي واجهها الإنسان، في ما يبدو، لم تكن مشكلة البقاء فقط؛ بل مشكلة الحرية أيضاً. فالكائن الذي تعلم الزرع والنار والبناء واللغة، تعلم معها شيئاً آخر أكثر تعقيداً: القدرة على الاختيار. ومن هنا يكتسب الخطاب الموجه إلى آدم عمقاً خاصاً حين يقول الشيطان: ﴿يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾. فاللافت أن الإغراء لا يرتبط بالطعام وحده، ولا حتى بالخلود وحده، وإنما يقترن بالملك. وكأن القصة تضع يدها على واحد من أعمق الدوافع التي سترافق التاريخ البشري كله؛ الرغبة في تجاوز الحدود الطبيعية للإنسان، والرغبة في امتلاك ما لا يمكن امتلاكه، والسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه إلى الأبد.

و ربما يمكن النظر إلى الخروج من الجنة، لا بوصفه انتقالاً جغرافياً فحسب، بل باعتباره انتقالاً وجودياً وحضارياً. فالإنسان لم يخرج فقط من مكان إلى مكان؛ بل خرج من طور إلى طور. خرج من عالم كانت الطبيعة فيه تمنحه الكثير دون عناء كبير، إلى عالم أصبح مطالباً فيه بالكدح والعمل والصراع والتنظيم. وإذا كانت بعض الاتجاهات التفسيرية القديمة قد ذهبت إلى أن جنة آدم كانت في الأرض، فإن هذا الرأي يفتح باباً واسعاً للتأمل في العلاقة الممكنة بين صورة الجنة الأولى وبين البيئة الاستثنائية التي عرفتها بدايات الهولوسيني. فبعد انحسار الجليد ارتفعت درجات الحرارة، واتسعت الغابات، وازدادت خصوبة الأراضي، وتوفرت المياه على نطاق لم تعرفه مراحل سابقة طويلة. ولم يكن الإنسان القديم يفصل بين الطبيعة والمعنى كما نفعل اليوم؛ فالمناخ بالنسبة إليه لم يكن مجرد أرقام، بل تجربة وجودية كاملة. والخصوبة لم تكن مجرد ظاهرة بيئية، بل إحساساً بالحياة نفسها. ومن هنا يمكن فهم كيف تحولت الذاكرة البيئية إلى ذاكرة رمزية، وكيف أصبح الحنين إلى زمن الوفرة جزءاً من السرديات الكبرى للبشرية.

غير أن الإنسان، ما إن بدأ يستقر حتى بدأ يتغير. فالاستقرار أنجب الملكية، والملكية أنجبت التنافس، والتنافس أنجب الصراع. ومع ظهور القرى والمدن الأولى بدأت الفوارق الاجتماعية تتسع، وظهرت السلطة المنظمة، وبدأ الإنسان يكتشف وجهاً جديداً من نفسه. ولذلك قد يكون السقوط الحقيقي، في أحد معانيه الممكنة، ليس مجرد مخالفة أمر إلهي، بل دخول الإنسان إلى التاريخ بكل ما يحمله التاريخ من أعباء. فالحضارة كانت دائماً هدية باهظة الثمن؛ أعطت الإنسان اللغة المكتوبة والفن والعلوم والعمران، لكنها أعطته كذلك الحروب والحدود والهيمنة والخوف من المستقبل. لقد ربح الإنسان العالم، لكنه خسر شيئاً من بساطته الأولى.

ويمكن فهم قصص الأنبياء اللاحقة وكأنها تتبع المراحل المختلفة لهذا التحول. فقصة نوح تأتي بعد انتشار الفساد، وقصة عاد وثمود تأتي بعد اتساع العمران والقوة، وقصة فرعون تأتي بعد بلوغ السلطة ذروتها. وكأن القرآن لا يسرد تواريخ متفرقة، بل يتابع مساراً إنسانياً واحداً يتكرر بأشكال مختلفة. ولهذا تكتسب الآيات المتعلقة بقوم عاد وثمود أهمية خاصة في هذا السياق: ﴿أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين﴾. فالآيات لا تهاجم العمران في ذاته، وإنما تنتقد الوهم الذي يرافقه أحياناً؛ وهم الخلود، ووهم أن تراكم القوة المادية يمكن أن يعفي الإنسان من شروط وجوده وحدوده.

وفي هذا السياق نفسه يمكن النظر إلى قصة صالح والناقة من زاوية تتجاوز القراءة التقليدية المباشرة دون أن تنفيها. فالناقة تظهر في قلب مجتمع بدأ يعيد تشكيل البيئة من حوله، ويعيد تنظيم الموارد وفق مصالحه. ومن هنا يمكن أن تصبح رمزاً لعلاقة الإنسان ببقية الكائنات التي تشاركه الأرض. وحين يذكّر القرآن بأن الدواب والطير أمم أمثالنا، فإنه يضع حدوداً أخلاقية لفكرة السيادة البشرية المطلقة. فالإنسان مستخلف في الأرض، لكنه ليس مالكاً مطلقاً لها. وهو جزء من شبكة حياة أوسع منه، لا مركز الكون الوحيد.

إن ما يجعل قصة الطوفان تحتفظ بكل هذه القوة الرمزية عبر آلاف السنين. فسواء ارتبطت، كما يذهب بعض الباحثين، بذكرى أحداث جيولوجية كبرى كفيضان البحر الأسود، أو ارتبطت بكوارث إقليمية أخرى عرفها الإنسان القديم؛ فإن أهميتها لا تكمن في حجم المياه التي ارتفعت بقدر ما تكمن في الدرس الذي حملته. فالطوفان يذكر الإنسان بأن الأرض ليست ملكه، وأن الحضارات مهما بلغت من القوة تبقى جزءاً صغيراً من تاريخ أطول بكثير منها. ولعل الذاكرة الإنسانية احتفظت بقصص الطوفان في حضارات متعددة لأنها كانت تحتفظ، في العمق، بذكرى هشاشتها أمام قوى الطبيعة الكبرى.

وربما يكون هذا كله هو ما يجعل قصة آدم، في النهاية، أكثر من مجرد قصة بداية. إنها قصة الإنسان نفسه. قصة الكائن الذي خرج من الطبيعة دون أن ينفصل عنها، وتعلم من الأرض ثم حاول السيطرة عليها، وحمل الأمانة دون أن يتوقف عن التعثر تحت ثقلها، وبنى الحضارات ثم ظل يفتش عن المعنى الذي سبق الحضارة نفسها. ولهذا فإن السؤال الذي يرافق هذه الرحلة الطويلة ليس: أين كانت الجنة؟ ولا متى وقع الطوفان؟ ولا كيف بدأ التاريخ؟ بل سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بإنسانيته وهو يزداد قوة؟ وكيف يمكن له أن يظل وفياً لذلك الكائن الأول الذي تعلم من الغراب كيف يدفن أخاه، قبل أن يتعلم كيف يبني المدن ويقيم الممالك ويغير وجه الأرض؟

أليس هذا هو السؤال الذي ما زال مفتوحاً منذ آلاف السنين... ولعل النصوص الكبرى لم تُدون لكي تقدم أجوبة نهائية عنه، بل لكي تمنع الإنسان من نسيان كل ذلك.

line adsense

تحويلات الجالية المقيمة بالخارج تواصل الارتفاع

 أفاد مكتب الصرف بأن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ناهزت 39,98 مليار درهم عند متم أبريل 2026، مقابل 36,42 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة... التفاصيل

ارتفاع غير مسبوق في أجور عمال الحصاد بإقليم الحسيمة

 يشهد إقليم الحسيمة خلال الموسم الفلاحي الحالي حركية استثنائية بالمناطق القروية، بعد التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، والتي ساهمت في تحقيق... التفاصيل

line adsense