10 يونيو 2026 - 13:43
بقلم المرتضى إعمراشا
خلال السنوات الأخيرة، وفي أكثر من مناسبة، وجدت نفسي داخل مدارس وجمعيات تُعنى بتعليم أبناء الجالية المغربية في هولندا وبلجيكا، وكان المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون واحدة، أطفال ينحدر أغلبهم من أسر ريفية، آباؤهم وأمهاتهم ولدوا في الحسيمة أو الناظور أو الدريوش أو القرى المنتشرة بين جبال الريف وسواحله، وبعض هؤلاء الأطفال ما زالوا يفهمون اللغة الريفية أو يسمعونها داخل بيوتهم، غير أن اللغة التي يحرص كثير من الآباء على تعليمها لهم ليست اللغة الريفية، بل الدارجة المغربية، أما العربية فتبقى خارج هذا النقاش لأنها لغة دين وحضارة ومعرفة، ولا يتعلق الأمر هنا بمنافستها أو التقليل من شأنها، وإنما يتعلق بلغة أخذت تحتل بالتدريج المجال الذي كانت تشغله اللغة الريفية داخل أسر ريفية خالصة، حتى أصبح من المألوف أن تجد طفلاً ريفياً في أمستردام أو بروكسيل أو أنتويرب يتحدث الدارجة المغربية بطلاقة أكبر من حديثه بلغة أجداده، والأمر نفسه بدأ يتكرر داخل المغرب، في الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومدن أخرى، حيث لم تعد اللغة الريفية بالنسبة إلى أعداد متزايدة من أبناء الأسر الريفية لغة التواصل اليومية الأولى، بل تحولت شيئاً فشيئاً إلى لغة يفهمونها أكثر مما يتحدثون بها.
غير أن هذه المشاهد، على أهميتها، ليست سوى الجزء الظاهر من مشكلة أعمق بكثير، لأن الخطر الذي يواجه اللغة الريفية اليوم لا يكمن فقط في تراجع استعمالها داخل بعض البيوت أو في صعود لغات أخرى تنافسها، بل في التحولات الديموغرافية الكبرى التي يعرفها الريف نفسه، فحين صدرت نتائج الإحصاءات الأخيرة لسنة 2024 كان أكثر ما استوقفني ليس الأرقام المجردة، بل الدلالة العميقة الكامنة خلفها، وهي أن جزءاً مهماً من إقليم الريف يعيش منذ سنوات حالة نزيف سكاني متواصل، وأن معدلات النمو الديموغرافي في عدد من المناطق الريفية أصبحت ضعيفة أو شبه متوقفة، وأن تجديد الساكنة لم يعد يتم بالوتيرة التي كان يتم بها في العقود السابقة، وهو ما يعني ببساطة أن المجال البشري الذي كان ينتج المتحدثين باللغة الريفية ويعيد إنتاجهم جيلاً بعد جيل بدأ يفقد جزءاً من قدرته على الاستمرار، فاللغة لا تنتج نفسها بنفسها، بل تحتاج دائماً إلى جماعة بشرية مستقرة تتوارثها وتحملها وتنقلها إلى أبنائها، وعندما يتراجع حجم هذه الجماعة أو تضعف قدرتها على التجدد فإن اللغة نفسها تدخل في دائرة الخطر.
والأخطر من ذلك أن هذا النزيف لا يقابله تعويض لغوي مماثل، فالمهاجر الذي يغادر الريف نحو طنجة أو الرباط أو الدار البيضاء أو بروكسيل أو أمستردام يحمل معه اللغة الريفية في البداية، لكنه يدخل تدريجياً في فضاء لغوي جديد يفرض عليه وعلى أبنائه أنماطاً مختلفة من التواصل، بينما القادمون إلى الريف من مناطق أخرى لا يحملون اللغة الريفية معهم، بل يحملون الدارجة المغربية أو لغات أخرى، وهو ما يعني أن الريف لا يفقد جزءاً من مخزونه البشري فقط، بل يفقد في الوقت نفسه جزءاً من مخزونه اللغوي دون أن يعوضه بمتحدثين جدد، وهنا تكمن إحدى أخطر الحقائق التي لا تحظى بالنقاش الكافي، فنحن لا نعيش فقط حالة هجرة بشرية، بل نعيش حالة استنزاف تدريجي للمجال الإنساني الذي كان يشكل الحاضنة الطبيعية للغة الريفية.
ولذلك فإنني أعتقد أن النقاش الدائر حول مستقبل تاريفيت ما زال أسير مقاربة ناقصة، لأنه يركز غالباً على اللغة باعتبارها موضوعاً ثقافياً أو هوياتياً مجرداً، بينما الحقيقة أن مصير اللغة مرتبط قبل كل شيء بمصير المجتمع الذي يحملها، فاللغات لا تموت لأنها فقيرة في معجمها أو عاجزة عن التعبير، ولا تستمر لأنها جميلة أو عريقة أو محبوبة من أهلها، بل تموت حين يتآكل مجالها الاجتماعي، وتستمر حين يظل المجتمع الحامل لها قادراً على إعادة إنتاج نفسه. ومن هذه الزاوية يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً تماماً عما يُطرح عادة، فالقضية ليست هل اللغة الريفية مهددة أم لا، بل هل ما يزال الريف ينتج الشروط الديموغرافية والاجتماعية التي تسمح للغته بالبقاء.
لقد كان الريف، عبر قرون طويلة، فضاءً متماسكاً نسبياً، وكانت اللغة الريفية فيه لغة البيت والشارع والسوق والعمل والحقل والبحر والاحتفال والحزن والفرح، وكانت تنتقل بصورة طبيعية من جيل إلى آخر دون حاجة إلى مؤسسات أو قوانين أو برامج خاصة، لأن المجتمع نفسه كان المؤسسة الكبرى التي تتولى هذه المهمة، أما اليوم فإن جزءاً كبيراً من ذلك المجتمع يتعرض لإعادة تشكيل عميقة، فالشباب يغادرون، والقرى تفرغ تدريجياً من طاقاتها البشرية، ومعدلات الإنجاب تنخفض، والكتلة السكانية التي كانت تشكل الخزان الديموغرافي للغة لم تعد تتجدد كما كانت في السابق، وفي المقابل تتوسع المدن وتزداد جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، وتتعاظم الهجرة الخارجية، ويصبح الانتقال من المجال الريفي إلى مجالات أخرى جزءاً من المسار الطبيعي للحياة.
وإذا أضفنا إلى ذلك التحولات الثقافية والرقمية الجارية فإن الصورة تصبح أكثر إثارة للقلق، لأن اللغة الريفية لا تخسر حضورها داخل المجال الجغرافي التقليدي فقط، بل تواجه أيضاً صعوبات حقيقية في تثبيت حضورها داخل المجالات الجديدة التي انتقل إليها أبناؤها، فالطفل الريفي الذي يولد في بروكسيل أو روتردام أو أنتويرب أو الدار البيضاء لا يعيش داخل البيئة نفسها التي عاش فيها أجداده، وهو يتلقى يومياً تأثيرات لغوية أقوى وأكثر كثافة من تلك التي توفرها اللغة الريفية، ومع مرور الوقت تصبح اللغة التي كانت في السابق لغة حياة كاملة مجرد لغة منزلية محدودة، ثم تتحول إلى لغة للفهم أكثر منها لغة للإنتاج، ثم تبدأ الصلة بينها وبين الجيل الجديد في الضعف التدريجي.
إن أخطر ما في هذا المسار أنه يحدث بصمت، فلا توجد لحظة واحدة يمكن الإشارة إليها والقول إن اللغة بدأت تموت عندها، بل إن التراجع يتم ببطء شديد يجعل كثيرين يعتقدون أن الأمور ما تزال بخير، بينما تكون المؤشرات الحقيقية قد بدأت منذ زمن في إطلاق إشارات الإنذار، فحين يتناقص عدد السكان في المجال التاريخي للغة، وحين يضعف تجديد الساكنة، وحين تتزايد الهجرة، وحين يتخلى جزء من الأسر عن استعمال اللغة مع أبنائها، وحين تتقلص الوظائف الاجتماعية للغة داخل المدن والمهجر، فإننا لا نكون أمام ظواهر منفصلة، بل أمام حلقات متصلة في سلسلة واحدة عنوانها تآكل المجال الإنساني الحامل للغة.
ولهذا فإن الحديث عن إنقاذ اللغة الريفية لا ينبغي أن يقتصر على المطالبة بحصص إضافية في الإعلام أو التعليم، على أهمية ذلك، بل يجب أن يبدأ من إدراك حقيقة أكثر جوهرية، وهي أن الدفاع عن اللغة يبدأ بالدفاع عن الإنسان الذي يحملها، وعن المجال الذي ينتجها، وعن الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح ببقاء السكان داخل أرضهم، لأن اللغة في نهاية المطاف ليست مجموعة أصوات وكلمات، بل هي تعبير حي عن وجود جماعة بشرية في التاريخ. وحين تبدأ تلك الجماعة في الانكماش الديموغرافي والتشتت الجغرافي والانقطاع بين الأجيال، فإن اللغة تدخل تلقائياً في دائرة الخطر مهما بدا وضعها مطمئناً في الظاهر.
إنني لا أعتقد أن اللغة الريفية تقف اليوم على حافة الانقراض، لكنني أعتقد أنها تواجه خطراً أكبر مما يتصوره كثيرون، لأننا اعتدنا النظر إلى عدد المتحدثين الحاليين بينما يغيب عنا السؤال الأهم، من أين سيأتي متحدثو الغد، وكيف سيُعوَّض أولئك الذين يفقدهم الريف كل سنة بالهجرة والشيخوخة وضعف النمو الديموغرافي، وكيف يمكن للغة أن تحافظ على حيويتها إذا كان مجالها البشري يتآكل بصورة مستمرة. تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح اليوم بجدية، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للغات ليس أن تواجه التهديد، بل أن تواجهه بينما يصر أهلها على الاعتقاد بأن الوقت ما زال في صالحهم، في حين أن عقارب الساعة تمضي في الاتجاه المعاكس.