29 يونيو 2026 - 20:58
بقلم: المرتضى إعمراشا
في البدء، لم يكن الإنسان يوماً كائناً يستوطن جغرافيا مادية عارية، بل هو سليل تمثلاته؛ إذ لا يعيش الوعي البشري في مواجهة مباشرة مع الواقع الموضوعي إلا نادراً، وإنما يتحرك في فضاء وسيط تشكله الصور، والرموز، والأسطوريات المنسوجة حول هذا الواقع. إن كل مجتمع إنساني، في محاولته لإثبات كينونته، يجد نفسه مقيماً في حيزين متوازيين لا يلتقيان إلا صدفة: فضاء وجوده العيني المعيش بتفاصيله اليومية الرتيبة والهامشية، وفضاء كينونته الرمزية التي تُصنع له في مختبرات المتخيل الجماعي، سواء بأيدي أبنائه أو بأيدي الآخرين؛ والمفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن الصورة الأكثر رسوخاً وهيمنة في الوجدان الإنساني ليست هي الأكثر مطابقة للحقيقة، بل هي الأكثر قدرة على الدوران والسريان في قنوات التلقي الاجتماعي. من هنا ينبثق السؤال الفلسفي المقلق: هل يمكن للصورة، في لحظة تاريخية ما، أن تتفوق على الأصل وتلتهمه؟ وهل تتحول التمثلات الرمزية، عبر التكرار والتراكم، من مجرد أدوات للوصف والتعريف إلى قوالب حديدية تُجبر المجتمعات على إعادة إنتاج ذاتها وفقاً للظلال المسقطة عليها؟ إن دراسة المقاربة الرمزية للمجتمعات تقتضي تجاوز ثنائية الصدق والكذب، والالتفات بدلاً من ذلك إلى آليات تشكل النماذج الإرشادية؛ وهي مقاربة تجد في "الريف" مختبراً سوسيولوجياً بالغ الكثافة، لا بوصفه جغرافيا معزولة تطلب الدفاع أو الاستعطاف، بل بوصفه حالة نموذجية لفهم الكيفية التي يتشكل بها *"الرأسمال الرمزي"*، وكيف يقع هذا الرأسمال فريسة للتجاذب بين التراكم التاريخي، والاستهلاك الإعلامي، والتآكل الداخلي. من هنا، يبرز السؤال المركزي الذي يؤرق كل محاولة جادة للفهم: من يملك، بحق، سلطة النطق باسم هذه الذات الجماعية؟ ومن هو هذا "الريف" الذي يُستدعى في كل حوار، ويُختزل في كل شعار، ويُتحدث باسمه في كل منبر، دون أن يُسأل يوماً عن حقيقة صوته المتعدد؟
حين تصدح الحناجر، أو تسيل أحبار المقالات، أو تتدفق التغريدات معلنة بكثير من اليقين الجازم: "الريف يريد"، "الريف يرفض"، "الريف يتذكر"، فإن الوعي النقدي يجد نفسه مدفوعاً نحو تفكيك هذه الصيغة الإطلاقية التي تختزل ملايين الأنفس والضمائر في ضمير مفرد غائب، كأنه كائن سحري ذو رأس واحد وإرادة متجانسة لا يأتيها الاختلاف من بين يديها ولا من خلفها. إن هذا التعميم ليس مجرد مجاز لغوي تقتضيه بلاغة الخطاب، بل هو عملية بتر أنطولوجي تمارسها النخب والفاعلون بوعي أو بغير وعي، حيث تُفرغ البنية الاجتماعية المعقدة من تبايناتها الطبقية، والفكرية، والجيلية، ليوضع مكانها "كيان متخيل" يُفصل على مقاس اللحظة السياسية أو الرهان الأيديولوجي. هذا "الريف المفرد" هو في حقيقته قناع رمزي يتحدث من خلفه الناطقون، مستعيرين هيبة الجغرافيا وتضحيات التاريخ ليمنحوا خطاباتهم الشخصية مشروعية متعالية لا تقبل النقاش، مما يحول الجماعة البشرية من فاعل تاريخي يصنع مصيره بتعدد خياراته، إلى موضوع للاستغلال الرمزي حيث يتم احتكار المعنى ومصادرة حق الأفراد في الاختلاف عن المجموع المصنوع سلفاً.
إن التفتيش في طبقات هذا المتخيل يكشف عن أن الصورة الأكثر شيوعاً للريف لم تكن يوماً نتاج تأمل بريء في واقعه، بل هي تراكم لخطابات متقاطعة تعاقبت على صياغتها قوى متباينة الأهداف والمصالح عبر التاريخ. فمنذ اللحظة الكولونيالية الأولى، اشتغلت الترسانة الأنثروبولوجية الأجنبية على إنتاج "معرفة سلطوية" تعيد صياغة الريف كبقعة من الاستعصاء الدائم والممانعة السوسيولوجية التي لا تخضع لضابط، وهي قراءة وظفتها القوى الاستعمارية لتسويغ آلتها العسكرية بوصفها أداة للتحديث والضبط؛ والمفارقة هنا هي أن هذا التنميط الأجنبي لم يمت برحيل المستعمر، بل جرى تبنيه وتوطينه محلياً بفعل آليات التغذية الراجعة، حيث تحولت التهمة الاستعمارية بالتمرد إلى وسام شرف محلي، دون الانتباه إلى أن كلا القراءتين تسجنان المجتمع في نفس الخانة: خانة الكائن المقاتل الذي لا يعرف الاستقرار، ويُعرف دائماً بالضدية والنزوع نحو المواجهة.
ومع تشكل الدولة الوطنية الحديثة، دخلت صناعة التمثيل في طور جديد من التعقيد، إذ تأرجحت السردية الرسمية في فترات التوتر السياسي بين قراءتين مختزلتين: قراءة ترى في المنطقة جغرافيا محفوفة بالتوجس الأمني وتستدعي الحذر المؤسساتي الدائم، وقراءة أخرى لاحقة حاولت احتواء هذا التميز من خلال إدماجه في فلك "الفولكلور" السياحي أو حصر تفرده في البعد البطولي التاريخي المرتبط بحركة المقاومة الوطنية ضد المستعمر. إن هذا الالتفاف الرمزي، برغم مسحته التقديرية الظاهرة، ينطوي على رغبة مضمرة في تحنيط الريف داخل متحف الذاكرة القديمة، ونزع صفة المعاصرة عنه؛ فالريف في هذه السردية مرغوب فيه بطلاً كلاسيكياً في كتب التاريخ، ولكنه مقلق كفاعل سوسيولوجي راهن يطالب بنصيبه من التنمية والاندماج الديمقراطي الشامل، مما جعل الصورة الرسمية تعيد إنتاج العزلة بطرق ناعمة تتوسل بالثقافة والرمز لتقنين الحضور وتوجيهه.
بيد أن هذا الضغط الرمزي الخارجي قابله، في المقلب الآخر، إنتاج محلي لا يقل عنه خطورة في ميله نحو التنميط واحتكار التحدث باسم المجموع، وتحديداً من خلال الخطاب الذي يعتمد على *"المظلومية البنيوية المستدامة"* كركيزة وحيدة للهوية. إن هذا الخطاب، الذي نشأ كرد فعل طبيعي على فترات من التهميش التنموي والسياسي، سرعان ما تحول مع الوقت إلى "صناعة رمزية" تقتات على استدامة الشعور بالضغينة والاقصاء، وتختزل تاريخ المنطقة الغني والمتعدد الأبعاد في مجرد متوالية لا تنتهي من الصدمات والصدامات مع المركز؛ والخطورة المعرفية في هذا المنحى تكمن في أنه يجرد الإنسان الريفي من فاعليته الحضارية والتاريخية المستقلة، ويحوله إلى "ذات سلبية" لا تتحرك إلا كصدى لأفعال الآخرين، كأنما وجوده لا يكتسب معناه إلا إذا كان متأذياً، أو منتهكاً، أو واقعاً تحت وطأة الفعل الخارجي.
> إن وسائل الإعلام الحديثة لا تخترع الأكاذيب بالضرورة، بل إن خطيئتها المعرفية الأكبر تكمن في آلية الانتقاء الممنهج؛ فالانتقاء هو هندسة صامتة للإدراك الجماعي، وحين يُحصر مجتمع ما في لحظاته الاستثنائية، يغدو هذا الاستثناء في ذهن المتلقي هو القاعدة السوسيولوجية الوحيدة.
إن التمعن في وسائل الإعلام، سواء التقليدية منها أو تلك الرقمية العابرة للحدود، يوضح كيف تحولت هذه "المظلومية" وهذه "البطولية" إلى بضاعتين رائجتين في سوق "اقتصاد الانتباه" المعاصر؛ فالإعلام لا يعمد إلى اختلاق الأكاذيب الفجة حول الريف بقدر ما يمارس *الانتقاء الممنهج*؛ وهو آلية تعمل على إبراز لحظات الصخب، والاحتجاج العارم، والتشنج اللفظي، مع تعمد إغفال الرتابة الطبيعية المطمئنة للحياة اليومية. إن هذا التركيز الحصري على الاستثناء يصنع في مخيلة المتلقي واقعاً موازياً يصور الريف كفضاء متوتر بنيوياً، يعيش أهله في حالة تعبئة قصوى دائمة وضد كل شيء، مما يعمق الفجوة النفسية بين المنطقة ومحيطها، ويخدم، من حيث لا يدري الفاعلون، السرديات الأكثر راديكالية وتوجساً من الجانبين، حيث يصبح الحوار العقلاني مستحيلاً وسط ضجيج الصور النمطية المتبادلة.
وقد تفاقم هذا الانحراف الرمزي بشكل غير مسبوق مع انتقال المجتمع إلى عصر المنصات الرقمية وخضوعه لسلطة الخوارزميات التي لا تحكم بناءً على الحقيقة أو العمق المعرفي، بل بناءً على قدرة المادة على إثارة الانفعالات الجارفة كالغضب والدهشة والعداء والابتذال. في هذا الفضاء الرقمي الانفعالي، تراجع صوت المثقف الرصين والباحث السوسيولوجي الهادئ لصالح "المؤثر الرقمي" والناشط المشهدي الذي يتقن صناعة "الترند" وإشعال المعارك الوهمية؛ وبذلك تحول الرأسمال الرمزي للريف، الذي بني عبر قرون من التضحيات الأخلاقية والأنفة العقلانية، إلى مجرد مواد استعراضية مبتذلة تُستهلك يومياً في أسواق المزايدات الرقمية، حيث تُمنح صكوك الوطنية أو التخوين بناءً على مدى حدة التدوينة أو منسوب الصراخ في البث المباشر.
إن هذا الاندفاع نحو الراديكالية الرقمية والاستعراض المجاني للمواقف يحجب خلفه حقيقة سوسيولوجية كبرى تتمثل في وجود *"الريف غير المرئي"*؛ ريف الأغلبية الصامتة التي تبني الحياة والحقيقة في تفاصيل وجودها اليومي بعيداً عن صخب الشاشات وعدسات الكاميرات. إن هذا الريف الحقيقي هو ريف المعلمين والأساتذة الذين يقطعون المسالك الوعرة في أعالي الجبال المنسية ليضيئوا عقول الناشئة بالمعرفة والعلم؛ وهو ريف الأطباء والممرضين الذين يقدمون الرعاية الطبية في شروط قاسية مستلهمين نبل الواجب الإنساني؛ وهو ريف الفلاحين والحرفيين والعمال الذين يصارعون شظف العيش بكرامة صامتة وعرق جبين لا يصنع عنواناً إخبارياً مثيراً؛ وهو ريف النساء الريفيات، حارسات الذاكرة الحقيقية وتماسك الأسرة، اللواتي يغزلن خيوط الحياة اليومية بصبر لا يعرف الضجيج؛ وريف الباحثين والمثقفين الذين يشتغلون في عتمة المكتبات والمختبرات لتفكيك بنية المجتمع وتدوين تاريخه بأسلوب علمي رصين يبتعد عن التحيز والانفعال.
إن غياب هذه الفئات البانية عن واجهة الصورة الجماعية للريف ليس صدفة، بل هو ناتج عن كون "الفضيلة" و"الرتابة" و"الصمت البناء" لا تملك الخصائص الميكانيكية التي تسمح لها بالسريان في قنوات الاستعراض الرقمي والإعلامي؛ فالتعايش الطبيعي لا يصنع خبراً، والنزاهة اليومية لا تجتذب الخوارزميات، والعمل الهادئ لا يثير الغرائز السياسية. وبذلك، يُحكم على المجتمع الحقيقي بالغياب الأنطولوجي التام عن مشهد التمثيل، ويُترك الفضاء العام لقمة جبل الجليد الطافية المتمثلة في الأصوات الأكثر تشنجاً، والتي يظن المتابع من الخارج، والجاهل بالداخل، أنها تختزل هوية المنطقة وإرادة سكانها، بينما هي في الواقع لا تمثل إلا نفسها والمصالح الرمزية أو المادية التي تحركها.
من هنا، ينكشف الوجه الأكثر إيلاماً في أزمة التمثيل الحالية، وهو الانزلاق نحو *"النوستالجيا المرضية"* وتقديس الماضي الأعمى الذي يمارسه بعض أبناء المنطقة كآلية للدفاع الرمزي؛ إذ يجري استدعاء لحظات تاريخية معينة، كفترة المقاومة الريفية في العشرينيات من القرن الماضي، لا بوصفها درساً تاريخياً ملهماً يُستفاد منه لبناء المستقبل، بل كملجأ رمزي للهروب من استحقاقات الحاضر وعجز الذات عن صياغة مشاريع فكرية وتنموية واقعية تلائم العصر. إن تحويل التاريخ إلى "أيقونة مقدسة" غير قابلة للنقد أو المساءلة العلمية يحول الثقافة المحلية من طاقة دافعة ومتجددة إلى عبء رمزي ثقيل يعوق الاندماج في التاريخ الراهن، ويمنع الأجيال الجديدة من تطوير أدوات معرفية جديدة قادرة على محاورة العالم الكوني والانسجام مع تحولاته المتسارعة.
إن خطورة هذا المنحى الارتدادي تتبدى عندما يتحول خطاب الدفاع عن الخصوصية إلى نوع من "القبلية الثقافية الرقمية" التي ترفض كل نقد ذاتي وتعتبر كل محاولة لتفكيك السلوكيات المحلية هجوماً على الريف أو تنكراً لإشكالاته. إن النقد الفكري الحقيقي والنزيه هو الذي يمتلك الشجاعة المعرفية لإخضاع الذات لنفس معايير المساءلة الصارمة التي يخضع لها الآخر، وهو الذي يدرك أن حماية الرأسمال الرمزي للمنطقة لا تتم بحجب عيوبها واختلالاتها السلوكية، بل بتسليط ضوء النقد عليها وتطهيرها من شوائب المزايدة والابتذال اللفظي والتخوين المتبادل الذي بات يطبع النقاشات المحلية على المنصات الرقمية ويهدم أسس التضامن الرصين الأخلاقي الذي تميزت به المنطقة تاريخياً.
إن الفخ الفلسفي الكبير الذي تقع فيه المجتمعات المسجونة في صورها النمطية هو ما يمكن تسميته بـ *"الدائرية الرمزية المخيفة"*؛ حيث تبدأ التمثلات المصنوعة والمستقرة في الفضاء العام في ممارسة ضغط غير مرئي على سلوك الأفراد والجماعات، فيميل هؤلاء بوعي أو بغير وعي إلى التصرف وفقاً للتوقعات والظلال التي أسقطت عليهم، مما يؤدي بدوره إلى تزويد الصور النمطية بوقائع يومية جديدة تؤكدها وتمنحها مشروعية البقاء؛ وبذلك يتحول "التمثل" بمرور الوقت من مجرد أداة واصفة إلى صانع فعلي للواقع، وتجد المجتمعات نفسها مسجونة داخل الهوية التي صُنعت لها في أوقات التوتر أو الاستهلاك، عاجزة عن الفكاك منها لأنها بدأت، في لحظة وهن معرفي وفقدان للمسافة النقدية، تعتقد أن صورتها المبالغ فيها أو المشوهة هي حقيقتها المطلقة والوحيدة التي يجب الدفاع عنها حتى الموت.
بناءً على هذه القراءة السوسيولوجية المعمقة، يتضح أن معركة الريف الحقيقية اليوم، ومعركة كل مجتمع يمر بتحولات انتقالية مريرة، لا تكمن في خوض مواجهات دونكيشوتية مستمرة لتعديل نظرة الآخرين أو استجداء إنصافهم الرمزي والسياسي، فالآخر يرى دائماً من خلال مشكاة مصالحه وهواجسه؛ بل تكمن المعركة الحقيقية في مدى قدرة هذا المجتمع على الحفاظ على مسافة نقدية كافية تفصله عن صوته الأكثر صخباً وتشنجاً، ومدى امتلاكه للحرية الفكرية والشجاعة المعرفية لإعادة كتابة سرديته الخاصة بأدوات العلم، والوعي، والمعرفة الرصينة، والعمل اليومي الصامت، قبل أن تتحول الصور الموروثة أو المصنوعة بلحظات الانفعال العابر إلى قدر سوسيولوجي حتمي يبتلع الحاضر والمستقبل معاً. إن المجتمعات الحية والقوية لا تبحث عن كينونتها في مرايا الآخرين المشوهة ولا في صدى أصوات المزايدين من أبنائها، بل في قدرتها المستمرة على تحطيم تلك المرايا مجتمعة، لتبصر وجهها الحقيقي والناصع في مرآة الوعي بالذات وتحديات العصر المشترك الذي لا يرحم الواقفين على هوامش البكاء والانتظار.
إن مأساة المجتمعات الإنسانية لا تبدأ حين يتحدث الآخرون عنها بالسوء أو يشوهون تاريخها وجغرافيتها، بل إن الفاجعة الحقيقية تولد في اللحظة التي تصدق فيها هذه المجتمعات أن صوتاً واحداً مرتفعاً من بينها قد أصبح، بفعل التكرار والترهيب الرمزي، هو صوتها الوحيد الممكن والنهائي.