10 يوليوز 2026 - 16:12
بقلم: المرتضى إعمراشا
تنطلق الحركات الاجتماعية في لحظات الاحتقان التاريخي مدفوعة بألم حقيقي، ورغبة صادقة في انتزاع الكرامة والعدالة، غير أن اختبارها الحقيقي لا يكمن في شعاراتها الأولى، بل في قدرتها على صيانة خيار السلمية وضبط النفس باعتباره وعياً سياسياً وأخلاقياً رفيعاً، وليس دليلاً على الضعف أو التراجع، فالانفعال العفوي قد يمنح الحركة لحظة مجد عابرة وصدى يملأ الآفاق، لكنه قد يكلف المجتمع في المحصلة عقوداً من التيه والألم المتواصل، ولعل الذاكرة القريبة تستحضر حراك الريف في المغرب، ليس لمناقشة تفاصيله السياسية أو سجالاته اليومية، بل لاستلهام درس بليغ في كيفية إدارة اللحظات الحرجة، إذ يذكر الجميع كيف حرص الناشط ناصر الزفزافي علناً، وقبل فترة وجيزة من اعتقاله، على إطلاق نداءات متكررة ومشددة تؤكد على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاج، معتبراً أن السلمية هي السلاح الأخلاقي الذي يحمي الإنسان ويضمن استمرار عدالة المطالب، وهو موقف يمثل تجلياً واضحاً لمعضلة المسؤولية والقيادة تحت الضغط، حيث تدرك النخب الميدانية أن قوة أي حركة لا تُقاس بحدة نبرتها أو بمقدار القواسم التصادمية التي تصنعها، وإنما بقدرتها على حماية دماء أبنائها وتحصين مجتمعها من الانزلاق نحو المجهول، ومن هذا الفهم الأخلاقي العميق للفعل الجماعي، ينفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية متأنية لظاهرة إنسانية متكررة، تظهر في كل زمان ومكان كلما هبت رياح التغيير أو ارتفع صوت الهامش، وهي الظاهرة التي يمكن صياغتها استناداً إلى استعارة شعبية ذكية متداولة في الثقافة المغربية، تُعرف بـ " تبياع لعجل".
إن تفكيك هذا المفهوم وتحويله من مجرد تعبير دارج مستمد من لغة الأسواق التقليدية إلى أداة تحليل سياسية واجتماعية، يتيح لنا رصد نمط بنيوي يتكرر حتماً داخل المسارات الاحتجاجية دون أن يستهدف أشخاصاً بعينهم أو تيارات محددة، فكل مشروع تغييري أو حراك شعبي يجذب إلى فلكه بطبيعة الحال فئات اجتماعية متباينة الأدوار والنزعات، حيث ينقسم الفاعلون في العمق إلى نوعين رئيسيين، نوع أول يتحمل المسؤولية الميدانية والأخلاقية كاملة، يقف في الواجهة مستعداً لدفع ثمن مواقفه من حريته وسلامته الشخصية، يقوده وعيه بضرورة التغيير البناء، ونوع ثانٍ يتقن تمثّل دور المحرض، يدفع الآخرين نحو الخطوط الأمامية للمواجهة، بينما يحرص هو على البقاء في مناطق آمنة، بعيداً عن أي مخاطرة فعلية أو تبعات مادية وقانونية، هذا النمط لا يتحرك بالضرورة بناءً على نية سيئة أو عمالة لجهة ما، فـ "بائع العجل" قد يكون في كثير من الأحيان مخلصاً في مشاعره السطحية، جياش العواطف، لكنه يفتقر تماماً إلى الحكمة الاستراتيجية والصبر السياسي، وقد يكون أحياناً أسيراً لحماس أعمى يعميه عن رؤية موازين القوى على الأرض، أو باحثاً عن مجد ورموز وبطولات افتراضية تصنعها تضحيات غيره، أو لعله مجرد متفرج بعيد يجد في التصعيد مادة دسمة للفرجة وإثارة النقاش، أو مستفيداً بشكل غير مباشر من إدامة مناخ الأزمة واستمرار الاحتقان، والمشترك البنيوي في كل هذه الحالات أن بائع العجل يمارس وظيفة ثابتة، وهي أنه يبيع العجل ولا يدخل السوق، يحدد للناس مسارات المعركة ويوجههم نحو أقصى درجات المغامرة، بينما لا يدفع هو شيئاً من الثمن الباهظ الذي تقتضيه تلك الخيارات.
يتأسس خطاب هذا النمط الوظيفي على آلية سيكولوجية تعتمد الاقتيات على الغضب الجمعي واستثمار الجراح المشتركة لتأجيج المشاعر، حيث يجلس بعيداً وينفخ في النار من بعيد، مستخدماً بلاغة لفظية حادة لا تعترف بالوسطية أو الحلول التدريجية، فهو يوزع الشجاعة على الناس مجاناً عبر منصات التعبير والخطابة، ويطالب الحشود بالثبات المطلق ورفع سقف المطالب إلى حدود تعجيزية، دون أن يقدم تصوراً واحداً لكيفية حماية هؤلاء الناس عندما تتدخل الآلة القمعية للمركز، إنها السلوكيات التي تختزلها العبارة السائرة بأنه مستعد لأن يحارب حتى آخر شاب، كونه يكتب بالدم الذي لا ينزفه، ويصنع السرديات البطولية من عذابات الأمهات وزنازين المعتقلين، بينما يكتفي هو بالتصفيق للمعركة من خلف الشاشة، والعيش على صدى الشعارات الجوفاء التي يطلقها الفضاء الافتراضي، وفي غمرة هذا الاندفاع اللفظي، يتحول بائع العجل إلى قاضٍ أخلاقي يوزع صكوك الشرف على طرف حِينآ والتخوين على كل من يبدي مرونة سياسية أو جنوحاً نحو التهدئة والحوار، مستخدماً سلاح المزايدة العلنية لإحراج الذوات الميدانية الحقيقية وإجبارها على مجاراة هذا السقف المرتفع، ليكون الإجراء الفعلي لخطابه هو أنه يشعل الفتيل ثم يختفي في لحظة الحقيقة، تاركاً الجماهير البسيطة تواجه مصيرها وحيدة تحت سقف انهار بسبب غياب الأعمدة الاستراتيجية والنضج السياسي، إن هذه الوظيفة لا تعيق فقط إمكانية التوصل إلى تسويات تخدم الساكنة وتخفف عذابات المعتقلين وعائلاتهم، بل تؤدي إلى إرباك الحركة من داخلها عبر تفخيخ قنوات الثقة واستبدال منطق البناء بمنطق المزايدة والتشكيك أو الاستعراضية، التي ترى في بقاء الملف مفتوحاً ونازفاً نجاحاً في حد ذاته.
ولا يمكن قراءة هذه الدينامية المعاصرة بمعزل عن تحولات الفضاء الرقمي الذي أعاد تشكيل شروط التواصل والنضال الاجتماعي، حيث وفرت شبكات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لظهور الهويات المجهولة والحسابات المستعارة، والتي تؤدي في الحقيقة وظيفة مزدوجة تستدعي التحليل الهادئ دون تشنج، فمن جهة، يمثل التخفي حماية ضرورية لأصحاب الرأي والنشطاء في بيئات سياسية استبدادية بقضاء موجه تفتقر لضمانات حرية التعبير، حيث يغدو الاسم المستعار درعاً يحمي الفرد من الملاحقة ويسمح له بنقل الحقائق والجهر بمطالبه، ولكن من جهة أخرى، وفي قراءة معاكسة، فإن هذا الغياب للمحاسبة الفورية عندما تنفصل الكلمة عن المسؤولية الجسدية والميدانية، يسهل على بعض الأصوات إطلاق دعوات تصعيدية غير محسوبة وتوجيه الشارع نحو مسارات تصادمية، دون الاضطرار لتحمل نتائج تلك الكلمات، فالحساب الرقمي المجهول لا يدفع فواتير الاعتقال ولا يعاني وطأة التهميش اليومي، مما يجعله قادراً على ركوب الموجة وتوجيه التحريض ببرود شديد، مستفيداً من اقتصاد الانتباه الرقمي الذي يرفع من شأن الأصوات الأكثر صخباً وحدة على حساب الكلمات العقلانية والمتبصرة، وبذلك يسهم الفضاء الافتراضي في تضخيم ظاهرة بائعي العجول عبر منحهم منابر واسعة تسمح لهم بالحديث باسم الجميع دون أن يفوضهم أحد، وبقطف الثمار الرمزية لمعارك لم يزرعوا بذورها ولم يسقوها بعرقهم أو تضحياتهم.
إن العودة إلى نموذج حراك الريف تقدم لنا درساً بليغاً في تفكيك هذه الجدلية، فقد كان الحراك في أصل منطلقاته حركة شعبية واعية تميزت بقدرة استثنائية على تنظيم المسيرات الحاشدة والحفاظ على الطابع السلمي والحضاري للاحتجاج رغماً عن التشنج الأمني المعهود اتجاه الريف، وهو الإنجاز الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة الحركات الاجتماعية كدليل على نضج الساكنة وعدالة مطالبها، إلا أنه وفي المقابل، ظهرت بالتوازي مع هذا الصمود الميداني أصوات من داخل المشهد وخارجه، وخاصة من بعض المنصات العابرة للحدود، مارست نوعاً من المزايدة اللفظية وعمدت إلى رفع الأسقف السياسية بما لا يتناسب مع طبيعة الملف المطلبي للحراك وبما يتجاوز المصلحة المباشرة للناس في الصحة والتعليم والشغل، مما خلق نوعاً من التشويش البنيوي الذي استغلته السرديات الرسمية لتبرير المعالجة الأمنية الصارمة وتلفيق المحاضر بناء على هذه المواقف.
إن التركيز على هذا الجانب لا يهدف إلى الخصومة أو تعميم الأحكام، بل يبتغي استخلاص الدرس التاريخي الذي يؤكد أن القيادة الحقيقية ليست هي الأكثر صراخاً، بل هي الأكثر قدرة على صيانة شروط البقاء وتحقيق المكاسب الفعلية على أرض الواقع، فالنضال الحقيقي لا يبدأ بإشعال المعارك الكبرى بل بحماية الإنسان، والشجاعة الحقيقية ليست في مطالبة الآخرين بتقديم التضحيات وتحمل الآلام، بل في امتلاك القدرة الأخلاقية على تحمل تبعات القرارات السياسية والتكتيكية بروح المسؤولية التي تضع سلامة المجتمع كمعيار أسمى ومحدد نهائي لكل خطوة نضالية.
تتدرج الأفكار بنا لتكشف أن النضج السياسي للمجتمعات يكمن في قدرتها على التمييز بين الحماسة العاطفية العابرة وبين الاستراتيجية البناءة ذات النفس الطويل، فالحركات الاجتماعية لا تنجح بمقدار ما تثيره من صخب، وإنما بمقدار ما تبنيه من وعي مؤسساتي وقنوات تفاوضية قادرة على انتزاع الحقوق وحمايتها، وغالباً ما تكون الحكمة في السياسة متمثلة في معرفة اللحظة المناسبة للتقدم، واللحظة المناسبة للتراجع التكتيكي الذي يحفظ خطوط الرجعة ويحقن الدماء ويوفر الطاقات لمعارك البناء الطويلة؛ إن غياب هذا التوازن الأخلاقي والاستراتيجي يفتح الباب على مصراعيه أمام وظيفة بائع العجل الذي ينطح صاحبه بمجرد امتلاكه، والتي هي مهمة تقتات على استمرار النزيف وتجد في بقاء الضحية ضحية أفضل وسيلة لإدامة مشروعيتها الرمزية وتجارتها بالبطولة، وهي معضلة فلسفية وسياسية تتكرر في مسارات التحرر الإنساني، حيث يثبت التاريخ دائماً أن أخطر ما يواجه الحركات المطلبية العادلة ليس القمع الخارجي وحده رغماً عن قسوته وكلفته، بل هو أيضاً تلك البنى الداخلية والخطابات الاندفاعية التي تحول تضحيات البسطاء إلى وقود لمعارك شخصية أو أيديولوجية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مما يستدعي يقظة فكرية وحصانة مجتمعية تضع الكلمة في سياق المسؤولية المباشرة وترفض الانقياد وراء شعارات الإثارة السريعة التي ترفع السقف وتترك الناس لقمة سائغة للرياح.
كم من الأوطان تأخر بناؤها وتأجلت تنميتها لأن بائعي العجول كانوا أكثر حضوراً وصخباً في الفضاء العمومي من البنائين الحقيقيين الذين يشتغلون بصمت وأناة لترميم التصدعات وزرع الأمل في النفوس الجريحة؟ وكم من القضايا العادلة والمشروعة خسرت خيرة أبنائها وطاقات شبابها لأنها صدقت، في لحظة غليان وعاطفة جياشة، أصوات أولئك الذين يبيعون الشجاعة اللفظية بالمجان ولا يدفعون من عرقهم أو حريتهم ثمن شعار واحد يرفعونه؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تترك في الوجدان سؤالاً مفتوحاً يدعو للتأمل العميق في شروط ممارسة الفعل التغييري المعاصر، حيث يخرج القارئ مقتنعاً بأن حماية الإنسان وصيانة كرامته وسلامته الجسدية والمعنوية هي المعيار الأخلاقي الأعلى والوحيد الذي يجب أن يُقاس به نجاح أي فعل سياسي أو نضالي، وأن الحكمة المتبصرة ليست بأي حال من الأحوال نقيضاً للشجاعة الإنسانية، بل هي صورتها الأكثر نضجاً وعمقاً واكتمالاً، تلك التي تبني الأوطان وتحفظ دماء الأبناء وتصنع المستقبل بروح المسؤولية والوعي التاريخي البعيد عن الأقنعة والظلال.
أحبطت السلطات الهولندية محاولة جديدة لتهريب كمية ضخمة من مخدر الكوكايين عبر ميناء روتردام، بعدما تمكنت عناصر الجمارك من حجز 3867 كيلوغراماً من المخدرات كانت... التفاصيل