22 يوليوز 2026 - 14:11
بقلم: المرتضى إعمراشا
تأتي على المجتمعات لحظات تاريخية فارقة لا يُقاس فيها عمق الأزمة بمقدار ما ينزل بها من خطوب مادية أو تحولات سياسية، بل بمدى التآكل الذي يصيب جهازها المفهومي والقيمي..؛ إن أشد المظاهر خطورة في التدافع المجتمعي الراهن ليس شطط السلطة وحده، ولا حدة المعارضة وحدها، بل هو ذلك التحول البنيوي الذي جعل الانتماء حَكَمًا على الحقيقة، والعدالة رهينة للموقف السياسي المسبق..، لقد انقلبت المعادلة الأخلاقية الحاكمة للنقاش العمومي، فلم يعد الفعلُ يُقوَّم بذاته وفي ضوء معايير موضوعية جامعة، بل بات يُكيَّف بحسب هوية الفاعل وموقعه في خريطة الاستقطاب. وفي هذه البيئة المشحونة، يتوارى النقد العقلاني لصالح عصبيات جديدة، وتتحول القضايا العامة إلى مجرد ذخيرة تُستغل في حرب الوجود والهوية، مما يفرغ المجال العام من أهليته لبناء مشترك إنساني أو سياسي صلب.
إن الركيزة التأسيسية التي يُبنى عليها أي عمران بشري سوي، كما صاغها الفكر الإنساني عبر عصوره، هي إقامة القسط بمعزل عن هوية الخصم أو الحليف، وقد وضع النص القرآني محددًا أخلاقيًا صارمًا يعلو على كل الدوافع الذاتية والعصبيات الفئوية في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. إنها دعوة لتفكيك التمركز حول الذات والانحياز للقبيلة أو الحزب، واشتراط للإنصاف حتى في أوقات العداء الشديد.. وهو ما أشار إليه ابن قيم الجوزية حين أكد أن "العدل واجب على كل أحد لكل أحد في كل حال"، ليجعل من المبدأ الأخلاقي عابرًا للحسابات الظرفية..، غير أن الشاهد اليوم في النقاش العمومي هو نكوص صريح عن هذا المبدأ الكوني، حيث يحل الموقف السياسي المسبق محل "الشهادة بالقسط"، فيُغَطي على خطأ الحليف تحت شعار النصرة المجردة، بينما يُضخَّم سهو الخصم ويُقرأ في إطار المؤامرة الدائمة.
هذا الانحراف في السلوك الجمعي يجد جذوره العميقة في تشخيص ابن خلدون لظاهرة "العصبية" التي تلغي التمييز الفردي لصالح انصهار كامل في الكتلة، غير أن عصبية اليوم لم تعد تستند إلى نسب القبيلة أو العشيرة، بل إلى شبكات الانتماء الأيديولوجي والافتراضي التي يصفها زيغمونت باومان في تحليلاته للحداثة السائلة بأنها تجمعات هشّة تشحذ انفعالاتها من الصراع الخارجي المستمر..، وحين تتضافر هذه العصبية المستحدثة مع محركات علم النفس الاجتماعي، ينشط "التفكير المدفوع بالهوية"؛ حيث يصبح الوعي الجمعي أسرع إلى تصديق الأخبار التي ترضي غروره المسبق وأقل قدرة على نقد الذات. يتماهى هذا التحليل مع ما حذر منه ابن المقفع قديماً في رسائله عندما أشار إلى أن "الهوى آفة الألباب"، لأن الهوى يغطي على القرائن البينة، فيصبح المرء مبصرًا لعيوب مخالفيه، عميًا عن هنات حلفائه.
وحين تتحول الجماهير إلى كتل انفعالية متكتلة، تنشط سيكولوجيا الغضب الانتقائي التي درسها غوستاف لوبون في سيكولوجيا الجماهير وبين أخطارها إريك هوفر في حديثه عن "المؤمن الصادق"؛ حيث يفقد الفرد داخل المجموعة القدرة على المحاكمة المنطقية المستقلة، وتنتقل العدوى العاطفية بين الأفراد كالنار في الهشيم.
إن هذا الغضب، وإن تسربل بمسوح أخلاقية، يسقط في مفارقة ازدواجية المعايير؛ فالجريمة نفسها، أو التجاوز الحقوقي عينه، يُقابل بالاستنكار والتنديد الشديد إذا صدر عن مؤسسة رسمية أو خصم أيديولوجي، بينما يُلتمس له ألف عذر وتأويل إذا وقع ممن يشاركنا الموقف أو الرؤية..، لقد أشار الجاحظ بذكائه المعرفي الفذ إلى هذه الآفة حين يتحدث عن أثر المحبة والشنآن في إفساد النظر، والنص النبوي الشريف حين أطلق مبدأ "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قد أعاد ضبط مفهوم النصرة إعادة جذرية حين بيّن أن نصرة الظالم إنما تكون بحمله على الحق وكفه عن الغي، لا بتبرير خطئه وتسويغ تجاوزه.
ولم تكن الطفرة الاتصالية المعاصرة سوى مضخم ميكانيكي لهذه الأدواء النفسية والاجتماعية؛ إذ أسست وسائل التواصل الاجتماعي لاقتصاد كامل قائم على الإثارة وصناعة الاستقطاب. تعتمد خوارزميات هذه المنصات، كما يحلل بيير بورديو في انتقاده للوسائط الجماهيرية، على تجزيء الواقع وإعادة تركيبه لخدمة خيارات الجذب السريع. نشأت بفعل ذلك "غرف الصدى" المغلقة، التي يعيد فيها الأفراد إنتاج آرائهم وتضخيمها دون التعرض لمنظومات فكرية مخالفة. يتحول الفضاء الأزرق هنا إلى حلبة لـ "المحاكمات الشعبية" السريعة التي يصدر فيها الحكم قبل استيفاء البينة، بالمخالفة التامة للموجه القرآني الحاسِم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. إن خطورة هذه المحاكمات الافتراضية لا تقف عند حدود إيذاء الأشخاص، بل تتعداها إلى تقويض فكرة "دولة القانون" والمساس بنزاهة المؤسسات المفترض فيها التثبت والموضوعية.
عند إنزال هذه المقولات الفكرية على الحالة المغربية، تتجلى الظاهرة في صور أنماط متكررة من السجال العمومي الذي يعقب القضايا الجنائية الكبرى، أو الاحتجاجات الفئوية، أو ملفات حرية التعبير والفساد. إن السمة الغالبة على هذه السجالات هي الاستباق الحاسم للنوايا قبل تبين المعطيات؛ إذ يتوزع النقاش سريعًا بين قراءتين صلبتين لا تعترفان بالمنطقة الرمادية: قراءة ترى السلطة دائمًا في موضع الشبهة والافتراس، وقراءة مقابلة تضفي النزاهة المطلقة على الإجراءات المؤسساتية وتتطوع بتجريم أي صوت معارض..، إن هذا الانقسام الحاد يغيب التحليل الاجتماعي العميق الذي تنبه إليه عبد الله العروي في تفكيكه لمفهوم الدولة والمجتمع بالشرق، حيث يُختزل التدافع المجتمعي البنيوي المركّب في ثنائيات طفولية تبسط المشهد وتبعده عن شروط التحديث السياسي الحقيقي.
إن التبسيط المخل للظواهر هو النتيجة الطبيعية لقيادة الانفعال، حيث تسود ثنائية أخلاقية اختزالية: السلطة كمتهم دائم بالشر، و"المعارضة" بريئة دائما من الخطأ. غير أن التحليل السياسي الحصيف، الممتد من أفكار ماكس فيبر إلى اطروحات حنة أرندت حول البيروقراطية والفضاء العام، يؤكد أن السلطة ليست كتلة صماء من الشر المطلق، كما أن المعارضة ليست مجرد طهارة ملائكية معصومة؛ فكلاهما يمارس الفعل البشري المحكوم بالحسابات وموازين القوى وإمكانية الانحراف. إن إعفاء أي طرف من المساءلة والنقد الذاتي لمجرد وجوده في موقع "المظلومية" هو في جوهره تأسيس لاستبداد بديل، يتستر برداء الضحية ليصادر حق الآخرين في الاختلاف والتفكير الحر.
تتفاقم هذه الأزمة حين يتخلى المثقف والإعلامي عن دورهما التنويري التاريخي. فبدلاً من إعمال العقل النقدي واستخدام البناء المنطقي الصارم لتفكيك الخطابات، على طريقة محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي، نرى استسلامًا متزايدًا لشروط "الشارع الرقمي". يتحول الفاعل الفكري في كثير من الأحيان من قاطرة تقود الرأي العام إلى مقطورة تابعة تزود الجماهير بما تتوق إلى سماعه طلباً للتأييد السريع أو هروباً من ألسنة التشهير الرقمي..، تتجلى هنا حقيقة ما حذر منه جورج أورويل في كتاباته الأدبية حين أشار إلى أن التضليل ينجح أكثر حين يمارسه النخب قبل العوام، وما نبه إليه ألبير كامو في مقالاته الفلسفية من أن التنازل عن الحقيقة لصالح الأيديولوجيا هو أول خطوة نحو تدمير الحرية نفسها.
إن العدالة في زمن الاستقطاب غدت تتطلب شجاعة مدنية وفكرية مضاعفة، لأنها تضع المرء في مواجهة عواصف الغضب الرقمي والتعبئة الجماهيرية من كافة الأطراف..، لقد استقر في الفكر السياسي الحديث، منذ مونتسكيو في تفكيكه لروح القوانين وجون ستيوارت ميل في دفاعه عن الحرية، أن الضمانة الوحيدة لاستقرار المجتمعات ليست صخب الجماهير ولا صلف السلطة، بل هي سيادة قانون تجريدي يطبق بمسطرة واحدة على الجميع. ولن يتحقق هذا إلا إذا استعاد المجتمع وعيه بأن الحق ليس قرين الموقع السياسي، وأن المؤسسات، مهما اعتراها من قصور يحتاج الإصلاح والنقد المستمر، تظل الحصن الأخير ضد فوضى الانتقام الفردي والمحاكمات الجماهيرية العشوائية.
إن الخروج من تيه العصبية الرقمية والاستقطاب الانتقائي لا يتم بالدعوات الوعظية المسطحة، بل عبر مراجعة جذارية تمس ثقافة الفضاء العام بأكمله.. إن المطلوب ليس خلق توافق شكلي يُلغي صراع الأفكار والمصالح، بل بناء مشروع مجتمعي يعيد الاعتبار للعقل النقدي والنزاهة الفكرية كشرطين أساسيين لأي تدافع ديمقراطي حقيقي. إن الديمقراطية الرشيدة لا تقوم على التأييد الأعمى للسلطة في كل ما تتخذه، ولا على الرفض المطلق لمبادراتها في كل ما تنشئه، بل على إخضاع الجميع، سلطة ومعارضة، أفرادًا ومؤسسات، لميزان واحد لا يميل مع الهوى؛ ميزان الحقيقة والعدالة والمواطنة الكاملة.. وإن المجتمع الذي يتسامح مع التزييف دفاعاً عن "حليفه" إنما يقدم شبكته الأخلاقية قرباناً على مذبح الصراع السياسي اللحظي، ليصحو غداً على بيئة خالية من المعايير، يعجز فيها الجميع عن إثبات الحق أو دفع الظلم.
أعادت شكاية وُجهت إلى السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالحسيمة ملف احتلال الملك العمومي بمدينة بني بوعياش إلى واجهة النقاش، وسط تساؤلات متزايدة بشأن... التفاصيل