rif category
rif category

فكري سوسان: جرأة التفكير.. من ميثاق سفيان الحتاش إلى ذكاء الحلول في الريف

كتاب الرأي

1 شتنبر 2026 - 21:14

فكري سوسان: جرأة التفكير.. من ميثاق سفيان الحتاش إلى ذكاء الحلول في الريف

بقلم فكري سوسان

بعيداً عن السجالات الانفعالية وتشخيصات التهميش النمطية، يفتح مقال الدكتور سفيان الحتاش حول الريف، عشية الذكرى العاشرة للحراك، نافذة مهمة للخروج من جمود الملف نحو أفق التعاقد. غير أن قيمة هذا النداء لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل أيضاً في السؤال المنهجي الذي يضعه أمامنا: كيف ننتقل من إدارة الأزمة إلى بناء الحل؟

هنا تبدو الحاجة إلى توسيع النقاش. فالدعوة إلى «ميثاق من أجل مستقبل الريف» لا ينبغي أن تبقى مجرد صيغة أخلاقية أو وثيقة حسن نوايا، بل يمكن أن تتحول إلى تمرين جماعي في التفكير العملي: ما المشكلة التي نريد حلها بالضبط؟ من هم الفاعلون المعنيون؟ ما الالتزامات القابلة للقياس؟ وما المؤشرات التي تسمح لنا بعد سنوات بأن نقول إننا تقدمنا فعلاً، أو إننا أخفقنا ويجب تصحيح المسار؟

تأتي لحظات في تاريخ المجتمعات يصبح فيها تجديد طريقة التفكير ضرورة توازي الدفاع عن الحقوق واستحضار الذاكرة. ويبدو النقاش العمومي في الريف عالقاً منذ سنوات في حركة بندولية مرهقة: سجال ينفجر مع كل حدث، ثم فتور يدفع نحو الصمت والانسحاب. لذلك فإن اقتراح الحتاش يستحق أن يُقرأ لا فقط باعتباره مبادرة سياسية، بل كدعوة إلى تغيير طريقة النظر إلى الملف.

نعرف مظاهر الانسداد: بطالة الشباب، هجرة الكفاءات، هشاشة الاقتصاد المنتج، تعثر بعض المشاريع، تراجع الثقة في المؤسسات والمنتخبين، والشعور بغياب الإنصاف المجالي. تراكمت التشخيصات، بينما ظلت القدرة الجماعية على تحويلها إلى حلول محدودة. لهذا يستحق المنهج الذي نفكر به قدراً من الاهتمام يوازي اهتمامنا بالنتائج.

في كتابه »تاريخ عالمي للحلول: بحثا عن الموهبة السياسية (Historia universal de las soluciones. En « busca del talento político)، يقترح الفيلسوف الإسباني خوسيه أنطونيو مارينا  (José Antonio Marina) قراءة تاريخ المجتمعات من خلال الحلول التي ابتكرتها لمشكلاتها. فقد نجحت حلول، وفشلت أخرى، وتحول بعضها إلى أزمات أشد من الأزمات التي استهدفت معالجتها.

يسمي مارينا القدرة على تحديد المشكلات وابتكار مخارج لها »الذكاء القادر على الحل والحسم« . ويبدأ هذا الذكاء بتمييز أساسي بين الصراع والمشكلة.

يدفع الصراع أطرافه إلى التخندق، ويختزل المشهد في منتصر ومهزوم. أما التعامل مع الوضع باعتباره مشكلة، فيفرض تحديد ما نريد تغييره، وفهم أسبابه، واقتراح البدائل، ثم فحص نتائجها. وهنا بالضبط يمكن أن يلتقي اقتراح الحتاش مع أفق مارينا: تحويل ملف الريف من مساحة استنزاف رمزي وسياسي إلى ورشة وطنية لبناء المشكلة وصياغة الحلول.

هذا التحول لا يلغي السياسة ولا يفرغ الحقوق من معناها. فبعض الصراعات يكشف خللاً حقيقياً في توزيع السلطة والموارد والمسؤوليات، ويمنح الاحتجاج وظيفة أساسية في إظهار ما جرى تجاهله. لكن الصراع الذي يتحول إلى إقامة دائمة يستنزف أصحابه ويعيد إنتاج شروطه. أما بناء المشكلة، فيضيف إلى الاحتجاج قدرة على الاقتراح والتفاوض والمحاسبة.

حين نقول إن الريف يعاني التهميش، فنحن نصف وضعاً عاماً. تبدأ صياغة المشكلة عندما نسأل: هل يتعلق الأمر بقلة الاستثمار أم بطبيعته؟ هل تحتاج المنطقة إلى مشاريع أكثر أم إلى مشاريع مرتبطة بكفاءات سكانها ومواردها؟ هل يكمن الخلل في نقص التجهيزات أم في محدودية أثرها على الحياة اليومية؟ وما جدوى مؤسسة جامعية إذا استمرت الفجوة بين التكوين وفرص العمل؟

قد تنفق ميزانيات ضخمة لمعالجة الأعراض، بينما تستمر الأسباب. وقد ترتفع أرقام الاستثمار من دون أن تتوسع فرص الشباب، أو تفتتح مؤسسات جديدة من دون أن تستعيد الثقة. لهذا تصبح صياغة المشكلة جزءاً من الحل.

يقترح مارينا، في هذا السياق، تنمية ما يسميه »الرأسمال الحلولي«؛ أي قدرة المجتمع على اكتشاف مشكلاته، وتحديد أسبابها، وإنتاج البدائل، والتعلم من التجربة، وتصحيح المسار. وترتبط به »المنهجية الباحثة عن الحلول»  التي تجمع بين تحديد المشكلة، وابتكار البدائل، وتقييم نتائجها.

إذا استعرنا هذا المفهوم لقراءة مبادرة الحتاش، أمكننا القول إن الميثاق المقترح لن ينجح بمجرد التوقيع عليه، بل بقدر ما يتحول إلى بنية لإنتاج هذا الرأسمال الحلولي. أي إلى فضاء يجمع المواطن والباحث والمقاول والطبيب والمدرس والمنتخب والفاعل المدني، ويصل بين المقيمين في الريف وكفاءاته المنتشرة داخل المغرب وخارجه.

لكن المعرفة الموزعة تحتاج إلى بنية تجمعها، وإلى قواعد تحول الاختلاف إلى عمل تراكمي. فالأفكار المعزولة تبدأ كل مرة من الصفر، مهما بلغت قيمتها. ولا يكفي، في هذا السياق، الحديث عن نخبة ريفية في الداخل والمهجر، ما لم تتحول هذه النخبة إلى قوة اقتراح منظمة، قادرة على إنتاج معرفة مشتركة، وترجمتها إلى مقترحات قابلة للتنفيذ، ووضعها أمام الدولة والمجتمع بمنطق المسؤولية لا بمنطق المزايدة.

لقد امتلك الريف تاريخياً قدرة استثنائية على المقاومة وحفظ الذاكرة. ويستدعي المستقبل إضافة قدرة أخرى: تحويل هذه الذاكرة إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى اقتراحات، وهذه الاقتراحات إلى خيارات قابلة للفحص.

هنا يظهر مفهوم آخر لدى مارينا هو »قياس قوة الحلول )ergometría de las soluciones( «  فالمشروع يقاس بأثره، لا بحجم الإعلان عنه. ينبغي أن نعرف ماذا غيّر في حياة الناس، ومن استفاد منه، وما كلفته، وهل خلق فرصاً دائمة، وقلص الفوارق، وعزز الثقة. ويجب أن يسمح التقييم أيضاً بالاعتراف بالإخفاق وتصحيح القرار.

وهذه النقطة تمنح فكرة «التعاقد» التي يقترحها الحتاش مضمونها الحقيقي. فالتعاقد لا يعني فقط إعلان النوايا، بل يعني برامج، آجالاً، مؤشرات، مسؤوليات، وآليات تتبع ومحاسبة. من دون ذلك، يمكن لأي ميثاق أن يتحول إلى وثيقة جميلة تضاف إلى أرشيف الخطابات غير المنجزة.

ويضع مارينا «السعادة العامة felicidad pública)( «في صلب هذا القياس. والمقصود وضع يشعر فيه المواطن بالأمان والاحترام، ويجد فرصاً واقعية للتعليم والعمل والمشاركة وبناء مشروع حياته. بذلك تصبح الكرامة والحرية والعدالة والفرص المحسوسة معايير سياسية، لا مجرد عبارات أخلاقية.

من هنا، يمكن أن نقرأ سؤال الريف بطريقة مختلفة. ليس المطلوب أن نختار بين الذاكرة والمستقبل، ولا بين الدولة والمنطقة، ولا بين الاعتراف بالألم والدفاع عن الوحدة الوطنية. المطلوب أن نمتلك الجرأة الفكرية والسياسية لبناء مشترك جديد، يحفظ الذاكرة من التوظيف، ويحمي الدولة من الإنكار، ويمنح المجتمع فرصة للخروج من الدوران في الحلقة نفسها.

إن الانتقال من توصيف الجدار إلى هندسة المخرج يبدأ ببناء هذا الرأسمال الحلولي. فالريف يملك الأفكار والأصوات والخبرات؛ وما يحتاج إليه هو بنية تجمعها، وقواعد تختبر المقترحات، وآليات تحول الاختلاف إلى قوة اقتراح ومساءلة.

بهذا المعنى، لا يأتي هذا المقال لمعارضة دعوة سفيان الحتاش، بل لاستكمالها من زاوية أخرى. فإذا كان الحتاش يدعو إلى ميثاق يفتح أفقاً سياسياً ومؤسساتياً، فإن الحاجة اليوم هي إلى منهج يجعل هذا الميثاق قابلاً للحياة: منهج يحول الصراع إلى مشكلة قابلة للبناء، والذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى حلول، والحلول إلى أثر ملموس في حياة الناس.

من دون ذلك، سيظل كل جيل مضطراً إلى بدء النقاش من الصفر. أما إذا امتلكنا شجاعة التفكير، فقد تصبح الذكرى العاشرة للحراك لا مناسبة لتجديد الجراح، بل لحظة لبناء تعاقد وطني أكثر نضجاً حول مستقبل الريف.

line adsense

هولندا.. قتيل وإصابة شرطيين في عملية إطلاق نار

 شهدت قرية أوفراسلت التابعة لبلدية هيومن بمقاطعة خيلدرلاند الهولندية، فجر اليوم الثلاثاء، حادث إطلاق نار خطير أسفر عن مقتل شخص وإصابة شرطيين بجروح. ووفق المعطيات التي... التفاصيل

عودة النشاط الزلزالي قبالة سواحل الحسيمة

  شهدت منطقة جنوب بحر البوران خلال الأيام الأخيرة توالي عدد من الهزات الأرضية، تراوحت قوتها بين هزات ضعيفة وأخرى تجاوزت ثلاث درجات، وفق المعطيات المنشورة... التفاصيل

حادثة سير بين سيارة وشاحنة بالطريق الساحلية بإقليم الدريوش

 شهدت الطريق الوطنية رقم 16، المعروفة بالطريق الساحلية، مساء اليوم الثلاثاء فاتح شتنبر، حادثة سير على مستوى منطقة لعزيب بإقليم الدريوش، إثر اصطدام بين سيارة... التفاصيل

line adsense