24 شتنبر 2026 - 19:42
من حركة لكل الديمقراطيين إلى حكومة الديمقراطيين الحداثيين
حين أُعلن عن تأسيس حركة لكل الديمقراطيين سنة 2008، لم يكن الأمر مجرد ميلاد مبادرة سياسية جديدة في مشهد حزبي مزدحم، بل كان مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم في التاريخ السياسي المغربي: لماذا ظل الديمقراطيون، على اختلاف مشاربهم الفكرية وتجاربهم النضالية، عاجزين عن بناء فضاء سياسي مشترك، رغم ما يجمعهم من تطلعات إلى الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية؟
استُقبلت المبادرة بكثير من الريبة. فقد رأى فيها منتقدوها محاولة لإعادة إنتاج الأحزاب الإدارية، واعتبرها آخرون مشروعاً لإعادة ترتيب الحقل الحزبي من خارج الأحزاب التاريخية. وفي المقابل، طرح مؤسسوها فكرة تجميع الديمقراطيين، وتجاوز بعض الانقسامات التي راكمتها عقود من الصراع السياسي.
واليوم، بعد ثمانية عشر عاماً، تعيد نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 ذلك السؤال إلى الواجهة، ولكن من موقع مختلف تماماً. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج الأولية بحصوله على 97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً.
وتكشف هذه الأرقام عن إمكانية حسابية لتشكيل أغلبية تجمع الأصالة والمعاصرة والأحزاب الثلاثة المرتبطة تاريخياً بتجربة الكتلة الديمقراطية، بمجموع 207 مقاعد، أي بتسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.
وقد حصل تحالف اليسار بدوره على ثمانية مقاعد، وهو ما يفتح النقاش حول إمكانية مساندة برلمانية نقدية ومشروطة، تتيح له دعم إصلاحات محددة مع الاحتفاظ باستقلاليته السياسية والتنظيمية.
إنها تركيبة ممكنة حسابياً، لكنها ليست تحالفاً قائماً حتى الآن. وتكمن أهميتها في أنها تتيح إعادة النظر في إحدى الأفكار التي رافقت ميلاد حركة لكل الديمقراطيين: إمكان التقاء تيارات سياسية متباينة في تاريخها، لكنها تتقاطع في بعض مرجعياتها الديمقراطية والحداثية.
ولفهم أبعاد هذا السؤال، لا بد من العودة إلى المناخ السياسي والفكري الذي سبق سنة 2008.
فقد فتحت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة نقاشاً وطنياً عميقاً حول علاقة المغرب بماضيه، وحول إمكان الانتقال من معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى بناء ضمانات مؤسسية تحول دون تكرارها. كما طرح تقرير الخمسينية أسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية والتفاوتات المجالية ومستقبل الإصلاح.
وفي ذلك السياق، برزت فكرة تجاوز بعض الانقسامات التي طبعت الحياة السياسية المغربية، والبحث عن أرضية مشتركة بين قوى الحركة الوطنية واليسار والتيارات الحداثية الجديدة.
غير أن استلهام تجربة الإنصاف والمصالحة لا يعني نقل منطقها آلياً إلى المجال الحزبي. فالمصالحة الحقوقية تتعلق بالحقيقة وجبر الضرر ومسؤوليات الدولة، بينما تتطلب المصالحة السياسية توافقاً برنامجياً ومؤسسياً يحترم الاختلاف والتعددية.
ولعل هذا التمييز هو ما يمنح النقاش الحالي أهميته.
فإذا كانت صناديق الاقتراع قد أفرزت إمكانية تشكيل أغلبية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فإن قيام هذه الأغلبية يظل رهيناً بقدرة قياداتها على الاتفاق بشأن طبيعة المشروع الحكومي، وأولوياته الاقتصادية والاجتماعية، وموقع الإصلاح الديمقراطي ضمن برنامجه.
ولا ينبغي أن يُختزل هذا النقاش في توزيع الحقائب أو البحث عن صيغة لتدبير التوازنات الحزبية. فهناك اختلافات تاريخية وبرنامجية حقيقية بين هذه الأحزاب، كما أن تجاربها السابقة في الحكومة والمعارضة تطرح أسئلة مشروعة بشأن مدى قدرتها على بلورة تصور مشترك.
ومن بين القضايا التي يمكن أن تشكل أرضية لهذا النقاش استكمال الإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحريات العامة، وتفعيل ضمانات عدم التكرار، وربط الحقوق السياسية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية.
أما مساندة اليسار من خارج الحكومة، فهي احتمال سياسي مختلف عن المشاركة فيها. إذ يمكن أن تقوم على دعم تدابير وإصلاحات محددة، مع ممارسة الرقابة والاعتراض على السياسات التي لا تنسجم مع مرجعياته.
وفي المقابل، قد يفرز المشهد البرلماني الجديد معارضة متعددة المرجعيات، تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية، إذا اختارت هذه الأحزاب عدم المشاركة في الحكومة المقبلة. وقد حصلت، وفق النتائج الأولية، على 66 و54 و29 مقعداً على التوالي.
وستتحدد طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة بعد انتهاء المشاورات الحكومية واتضاح مواقع مختلف الأحزاب. فالتعددية لا تتوقف على عدد القوى الممثلة في البرلمان، بل تشمل أيضاً استقلالية المعارضة وفعالية الرقابة البرلمانية ووضوح المسؤوليات السياسية.
ويفرض الدستور بدوره إطاراً مؤسسياً لا يمكن تجاوزه. فالفصل 47 ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، بينما يشترط الفصل 88 حصول البرنامج الحكومي على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.
لكن قراءة النتائج لا تكتمل دون التوقف عند نسبة المشاركة، التي بلغت، بحسب النتائج الأولية المعلنة، 38.08%، مقابل 50.86% في انتخابات 2021.
وهذا التراجع يطرح على جميع الأحزاب، سواء شاركت في الحكومة أو اختارت المعارضة، سؤال العلاقة بين المواطنين والمؤسسات التمثيلية. ولا يمكن افتراض أن الامتناع عن التصويت يعبر عن موقف سياسي موحد، لكن حجمه يستدعي دراسة أسبابه ومراجعة الوسائل التي تعتمدها الأحزاب للتواصل مع المجتمع وتمثيل تطلعاته.
من رهان 2008 إلى اختبار 2026
هل تتحقق إذن نبوءة فؤاد عالي الهمة؟
إذا كانت النبوءة تعني أن المشروع الذي ارتبط بتأسيس حركة لكل الديمقراطيين كان يتطلع إلى تجاوز التشتت الحزبي وتجميع قوى ديمقراطية وحداثية، فإن نتائج انتخابات 2026 تتيح إعادة طرح هذا الرهان في ضوء معطيات سياسية جديدة.
أما إذا كان المقصود أن تركيبة حكومية بعينها قد جرى تصورها منذ سنة 2008، وأن النتائج الحالية تمثل تحقيقاً لخطة سياسية مسبقة، فلا تتوافر معطيات موثقة تسمح بهذا الاستنتاج.
إن القيمة السياسية لهذه اللحظة لا تكمن في البحث عن تطابق بين الماضي والحاضر، وإنما في اختبار قدرة الأحزاب المعنية على الانتقال من التقارب المفترض في المرجعيات إلى التعاقد الفعلي حول السياسات العمومية.
فالأغلبية التي يمكن جمع مقاعدها اليوم لا تصبح مشروعاً سياسياً بمجرد اكتمال حسابها. إنها تحتاج إلى برنامج معلن، ومؤسسات قادرة على المساءلة، والتزام واضح باحترام التعددية، وآليات تسمح للمواطنين بتقييم نتائج العمل الحكومي
وبين حركة لكل الديمقراطيين التي أُعلن عنها سنة 2008 واحتمال قيام حكومة تجمع قوى ديمقراطية وحداثية سنة 2026، تمتد ثمانية عشر عاماً من التحولات والتجارب والخلافات.
لقد أعادت الانتخابات فتح السؤال الذي رافق ميلاد الحركة. أما الإجابة عنه، فلن تقدمها صناديق الاقتراع وحدها، بل ستتحدد بما ستسفر عنه المشاورات السياسية، وبالبرنامج الذي سيُعرض على البرلمان، وبحصيلة الحكومة التي ستنبثق عنها.
فالتاريخ قد يمنح الأفكار فرصة جديدة، لكنه لا يعفي أصحابها من اختبارها أمام المجتمع والمؤسسات.
من لينينغراد التاريخية – روسيا بقلم: عبد السلام بوطيب