31 أكتوبر 2026 - 20:02
بقلم: نوفل بوصفي *
لا يمكن الحديث عن التنمية بالمغرب دون التوقف عند واقع منطقة الريف وما تواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية ومجالية لا تزال تلقي بظلالها على حياة المواطنين، ولا سيما فئة الشباب التي تجد نفسها أمام أسئلة صعبة تتعلق بالمستقبل، وفرص الشغل، والإنصاف المجالي، والحق في العيش الكريم.
لقد راكمت منطقة الريف، على امتداد سنوات، العديد من الوعود والمخططات والبرامج التنموية التي كان من المفترض أن تشكل مدخلاً حقيقياً لإحداث تحول اقتصادي واجتماعي، وتعزيز جاذبية المنطقة، وخلق فرص جديدة للاستثمار والتشغيل غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو إلى أي حد انعكست هذه البرامج على الحياة اليومية للمواطنين؟ وهل استطاعت السياسات العمومية أن تستجيب فعلياً لانتظارات الساكنة وتطلعات الأجيال الصاعدة؟
إن مساءلة السياسات العمومية في منطقة الريف ليست مجرد نقاش عابر، بل هي ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، كما تفرضها الحاجة إلى تقييم موضوعي لمدى قدرة البرامج التنموية على تحقيق العدالة المجالية وتوفير شروط العيش الكريم.
أولاً: شباب الريف ومستقبل يبحث عن أفق
يشكل الشباب إحدى أبرز حلقات النقاش حول واقع التنمية بالريف. فبدلاً من أن يكون الشباب قوة محركة للإنتاج والابتكار والمشاركة في التنمية المحلية، يجد عدد منهم نفسه في مواجهة البطالة، وضعف فرص الإدماج الاقتصادي، ومحدودية المبادرات الاستثمارية القادرة على استيعاب الكفاءات والطاقات المحلية.
ولا يمكن فصل هذه الوضعية عن السياق الوطني العام. فقد أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في تقريره السنوي لسنة 2024، إلى أن معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ 36.7% على المستوى الوطني، كما بلغت نسبة الشباب الذين لا يشتغلون ولا يتابعون الدراسة أو التكوين 25.6% ضمن الفئة العمرية نفسها.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تكشف عن حجم التحدي المرتبط بإدماج الشباب في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، وتطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة السياسات العمومية المعتمدة في مجالات التعليم والتكوين والتشغيل.
ولعل من أبرز المؤشرات التي تستحق التأمل تنامي تطلع عدد من شباب الريف إلى الهجرة نحو الديار الأوروبية، بحثاً عن فرص شغل أفضل، وظروف عيش أكثر استقراراً، وإحساس أكبر بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، أورد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن 55% من الشباب المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة سبق لهم التفكير في الهجرة، لأسباب تتصدرها الاعتبارات الاقتصادية، إلى جانب أسباب مرتبطة بالدراسة وغيرها.
ورغم أن هذه الأرقام ذات طابع وطني ولا تخص منطقة الريف وحدها، فإنها تفتح المجال أمام قراءة أعمق لظاهرة الهجرة لدى الشباب، خصوصاً في المناطق التي تواجه تحديات مرتبطة بضعف فرص الشغل ومحدودية الآفاق الاقتصادية.
إن الرغبة في الهجرة ليست بالضرورة تعبيراً عن رفض الانتماء إلى الوطن، بل قد تكون انعكاساً لبحث مشروع عن الاستقرار وتحقيق الذات وبناء مستقبل أفضل. غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: لماذا لا يجد هؤلاء الشباب في مناطقهم من الفرص والإمكانات ما يشجعهم على البقاء والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم؟
فمن حق شاب الريف أن يحلم بمستقبل داخل وطنه، ومن حقه أن يجد فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاته، وأن يعيش بكرامة دون أن يضطر إلى اعتبار الهجرة الخيار الأكثر واقعية أمامه.
إن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون في منع الشباب من التفكير في الهجرة، بل في توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل البقاء والمشاركة في تنمية المنطقة خياراً واقعياً ومقنعاً.
ثانياً: التهميش المجالي وضعف العدالة الترابية
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المشاريع التي يتم الإعلان عنها، ولا بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، وإنما بمدى انعكاسها على جودة حياة المواطنين، وتحسين الخدمات العمومية، وتوفير فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية.
وفي هذا الإطار، تكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، أن معدل البطالة بجهة طنجة تطوان الحسيمة بلغ 19.6%، وفق منهجية الإحصاء العام للسكان والسكنى.
ورغم أن هذا المؤشر يهم الجهة بأكملها ولا يعكس بالضرورة الوضع الخاص بكل إقليم من أقاليم الريف، فإنه يبرز أهمية مواصلة تحليل سوق الشغل على المستوى الترابي، وعدم الاكتفاء بالمعدلات الوطنية التي قد تخفي تفاوتات محلية مهمة.
ومن هذا المنطلق، تظل مجموعة من الأسئلة مطروحة بشأن وضع البنيات التحتية، والخدمات الصحية، والمؤسسات التعليمية، والنقل، والاستثمار، والفرص الاقتصادية في عدد من مناطق الريف، خصوصاً المجالات القروية والجبلية التي تواجه تحديات إضافية.
كما أن التفاوتات المجالية لا تتجلى فقط في حجم الاستثمارات، بل تمتد إلى مدى قدرة المواطنين على الولوج إلى الخدمات الأساسية، وإمكانية استفادة الشباب من فرص التكوين والتشغيل، ومدى توفر بيئة اقتصادية قادرة على استقطاب المشاريع المنتجة.
إن العدالة المجالية ليست امتيازاً تمنحه الدولة لبعض المناطق، بل هي مبدأ أساسي في بناء الدولة الاجتماعية، يقتضي توزيعاً منصفاً للاستثمارات العمومية، وتكافؤاً في الفرص بين مختلف جهات وأقاليم المملكة.
ثالثاً: الوعود التنموية وإشكالية تقييم الحصيلة
لقد شهدت المنطقة الإعلان عن عدد من البرامج والمشاريع التنموية، ومن بينها برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، الذي خضع لفحص وتقييم من طرف المجلس الأعلى للحسابات سنة 2017.
ويشكل هذا البرنامج محطة مهمة في النقاش حول التنمية المجالية بالريف، ليس فقط من حيث حجم المشاريع والالتزامات المعلنة، بل أيضاً من حيث أهمية التقييم المؤسساتي لمدى تنفيذ البرامج العمومية وتحقيق أهدافها.
إن استحضار هذا النموذج يطرح ضرورة الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق قياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بالتشغيل، وتحسين الخدمات، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز جاذبية المنطقة.
فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات والوعود التي تتكرر مع كل محطة سياسية، بقدر ما يحتاج إلى نتائج واضحة، ومشاريع مكتملة، وفرص اقتصادية حقيقية، ومؤسسات تتحمل مسؤوليتها في تنفيذ السياسات العمومية.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بعدد المشاريع التي تمت برمجتها أو الإعلان عنها، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، وما إذا كانت قد ساهمت فعلياً في تحسين ظروف عيش الساكنة وخلق فرص مستدامة للشباب.
إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمصداقية والشفافية والوفاء بالالتزامات. كما أن تقييم السياسات العمومية ينبغي ألا يُفهم باعتباره موقفاً سلبياً، بل هو ممارسة ديمقراطية ومؤسساتية ضرورية لتصحيح الاختلالات وتحسين الأداء.
رابعاً: الاستثمار وفرص الشغل.. الحلقة التي تحتاج إلى إعادة التفكير
من بين الإشكالات التي تستحق نقاشاً أعمق في منطقة الريف مسألة محدودية الدينامية الاقتصادية القادرة على خلق فرص شغل مستدامة، واستيعاب الكفاءات المحلية، وتحفيز المبادرات المقاولاتية.
فالتنمية لا يمكن أن تقوم على البنيات التحتية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تحتاج أيضاً إلى اقتصاد منتج، وإلى بيئة استثمارية مشجعة، وإلى سياسات قادرة على تحويل المؤهلات المحلية إلى فرص اقتصادية حقيقية.
وتتوفر المنطقة على إمكانات ومؤهلات متنوعة، سواء في المجال السياحي أو البحري أو الفلاحي أو التجاري، فضلاً عن الرصيد البشري والكفاءات التي راكمها أبناء المنطقة داخل المغرب وخارجه.
غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية مضافة يقتضي تجاوز عدد من الإكراهات المرتبطة بالتمويل، والعقار، والمواكبة الإدارية، والتكوين، وضعف الربط بين المؤهلات المحلية ومتطلبات سوق الشغل.
كما أن تشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الشباب حاملي المشاريع، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، كلها مداخل يمكن أن تساهم في بناء دينامية اقتصادية أكثر استدامة.
إن المطلوب هو الانتقال من منطق المبادرات المتفرقة إلى رؤية اقتصادية ترابية متكاملة، تجعل من الاستثمار المنتج والتشغيل محوراً أساسياً في السياسات التنموية الموجهة للمنطقة.
خامساً: أي نموذج تنموي نريده لمنطقة الريف؟
إن تجاوز الاختلالات القائمة يقتضي التفكير في نموذج تنموي ترابي مندمج، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية لمنطقة الريف، ويجعل الإنسان في صلب السياسات العمومية.
ومن بين الأولويات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام:
* إرساء سياسة فعالة للتشغيل، تستهدف الشباب وحاملي الشهادات، وتربط التكوين بالحاجيات الحقيقية لسوق الشغل.
* تشجيع الاستثمار المنتج، وتوفير التحفيزات للمقاولات والمبادرات الاقتصادية المحلية.
* دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتعاونيات والمقاولات الصغيرة والمتوسطة.
* تطوير البنيات التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، خاصة بالمناطق القروية والجبلية.
* تعزيز التكوين المهني والتأهيل الرقمي، بما يتيح للشباب فرصاً جديدة للاندماج الاقتصادي.
* إرساء آليات فعالة لتقييم المشاريع العمومية ومراقبة تنفيذها، مع نشر الحصيلة بشكل شفاف.
* إشراك الشباب والفعاليات المدنية والمنتخبين والباحثين في صياغة الأولويات التنموية وتتبع تنفيذها.
* الاستفادة من كفاءات أبناء المنطقة المقيمين بالخارج، وتشجيع استثماراتهم ومساهماتهم في التنمية المحلية.
* إرساء سياسة ترابية تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف مناطق الريف، ولا تجعل الاستفادة من التنمية مرتبطة بالقرب من المراكز الحضرية الكبرى.
إن هذه الأولويات لا ينبغي أن تبقى مجرد توصيات نظرية، بل يتعين ترجمتها إلى برامج محددة الأهداف، ومؤشرات قابلة للقياس، وآجال زمنية واضحة، وآليات منتظمة للتقييم والمساءلة.
الريف لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة في الإنجاز :
إن إثارة واقع منطقة الريف ليست دعوة إلى التشاؤم، ولا تشكيكاً في أهمية المجهودات التنموية التي تبذلها الدولة، وإنما هي ممارسة لحق مشروع في مساءلة السياسات العمومية، والتنبيه إلى الاختلالات، والمطالبة بتصحيح المسار.
فالرهان الحقيقي اليوم ليس في إنتاج مزيد من البرامج والمخططات، وإنما في ضمان فعاليتها وتحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
إنه لأمر يستحق التأمل أن يصبح حلم عدد من شباب الريف مرتبطاً بالبحث عن مستقبل في الضفة الأخرى من المتوسط، في الوقت الذي يفترض أن تكون منطقتهم فضاءً يتيح لهم تحقيق طموحاتهم والمساهمة في بنائه.
فحين يفكر الشاب في الهجرة بحثاً عن فرصة عمل أو ظروف اجتماعية أفضل، فإن ذلك يستدعي منا جميعاً إعادة التفكير في شروط التنمية، وفي مدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.
إن التنمية لا ينبغي أن تقتصر على تشييد البنيات والتجهيزات، بل يجب أن تمتد إلى بناء الثقة، وتوفير الفرص، وصون كرامة الإنسان، وضمان حق الشباب في المشاركة في صناعة مستقبلهم.
إن شباب الريف لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يطالب بفرصة عادلة، وبحقه في الشغل والكرامة والمشاركة في صناعة مستقبل منطقته. كما أن ساكنة الريف لا تنتظر خطابات جديدة، وإنما تنتظر تنمية منصفة تنهي الفجوة بين الوعود والواقع.
فالريف جزء أصيل من الوطن، وتنميته ليست مطلباً محلياً فحسب، بل مسؤولية وطنية تقتضي الإنصاف والجدية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
(*) باحث في الدراسات السياسية والجيوستراتيجية
جامعة محمد الخامس بالرباط
خلدت عمالة إقليم الحسيمة، اليوم السبت 31 أكتوبر، الذكرى الأولى لعيد الوحدة، من خلال تنظيم مراسم تحية العلم الوطني، التي ترأسها عامل الإقليم فؤاد حجي،... التفاصيل
تستعد أسعار المحروقات بالمغرب لتسجيل تغييرات جديدة ابتداءً من الساعات الأولى من يوم الأحد فاتح نونبر 2026، في إطار التحيين الدوري للأسعار، غير أن هذه... التفاصيل