الدلفين الأسود بريئ من كل التهم .. رفعت الجلسة
بعدما سُدَّت كل الأبواب في وجه كل أولئك الذين علَّقوا آمالهم على ركوب خوف الناس من الهزات الأرضية الأخيرة و محاولتهم إعادة سيناريو لجـان زلزال 2004، و بعد أن استعصت على حوارييهم تسويق الرعب النفسي و توزيعه مجانـا على سكــان ريفنــا الأبِي، ها هم يتسابقــون هذه المرة فُرادى و جماعــات لبيـت القاضي ليضعـوا ـ و بئس ما يفعلون شكايتهم و يخرجون.
تقول الشكــايـة يا سادة، إن ركـودا اقتصاديـا حادٌّا هَجَم صبــاح ذات يـوم على مدينتنــا الحسيمـة، حاصَـر صُنّاعَها و بِضاعتَها، اغتصب مواردها، أَقْفل دكاكينها، أَفْلًسَ مشاريعها، رَحَّل أهلها، و هَجَّر مراكب الصيد من مينائها...
تسترسل الشكاية في سطر من سطورها و تقول، إن المتهم حوتا يدعى دلفينا أسودا، و هو في البحر يعيث فسادا، يُقَطع الشباك، يُحَرِّرُ الأسماك، يُبْعِدُ الرزق عن البحارة و يُبَعْثر الأوراق...
بعد تقديم الشكاية، توافد من هَبَّ و دَبَّ ليُدْلي بشهادته، تَعدّدت رواياتهم و تِلكُمُ الشهادات المُنمَّقة المعهودة، انصبت كلها في تلفيق التهم للدلفين الأسود دونما دليل، تعالت أصواتهم هاتفة يموت يموت النيكرو، تتالت و يا حسرتاه خرجات النكرات فوزعوا الشتائم يُمنة و يُسرة على دلفيننا ثم كَالوا له من الادعاءات ما كَالوا، توالت اتهامات كل المجالس له دون سَنَد، و في كل اجتماع كان هو السبب، بأصابع الاتهام أشارت إليه عناوين أخبار كل مساء، فتواتر الناس كلامهم و ذابوا في توزيع التهم...
يوم المحاكمة، أحْضِرَ الدلفين عُنوة، أُودِع قفص الاتهام و بدأت الأسئلة، لم يترافع عنه أحد فقام و نطق و دافع و لم يَخَف...قال إنه بالبحر يأكل من خيراته و لا يعيث فيه فسادا، قال إنه سَمِع يوما من بعض بني جلدته الدلافين بأن ميناء ترفيهيا سَيُقام على أنقاض مرسى مراكب البسطاء و هو لا محالة سَيَقُضُّ مضجعهم و سيدفع بهم لإخلائه، و إن صيدا جائرا فتَّاكا تُسَخَّر فيه كل وسائل الاستنزاف من رصاص و تشفيط للسواحل لملئ بطون أصحاب المراكب هو لا شك سَيُعَجِّلُ بقوارب الصيد و راكبيه لمغادرة الميناء...
تعالت أصوات الحاضرين بقاعة المحكمة، فهوى القاضي بمطرقته فوق المنصة طالبا منهم الصمت للحظة، استرسل صاحب التهمة الكبرى، و قال و العهدة على أصدقائه الدلافين إنَّ تجارة التجار الصغار قد رَكَدَت و كَسَدَت و خَابَت بسبب متجر كبير نزل ذات يوم وسط المدينة، على أرضٍ صَفصفٍ طاهرة، فُوِّتَتْ بأثمنة بَخْسة، قيل يومها إنه سَيَحُلُّ مشكلة البطالة، ستَتَزيَّنُ المدينة، سيكْثُرُ الرواج و تزدهر التجارة... فخابت الظنون فيهم، تَمَّ تشغيل أبناء المدينة بعدَدِ الأصابع، آلت الإدارة إليهم، رَوَّجُوا سلعتهم فاشترى الناس أوهامهم، و مساءَ كلِّ يوم يجمعون مبيعاتهم و يحولونها لحسابات المركز فتختل دورة الحركة الاقتصادية، تَتَلمَّس الأزمة طريقها، تَتَحسَّر الجيوب و تتألم القلوب فَقابَ قوسين أو أدنى من الجمود.
صمتٌ رهيبٌ بقاعة المحكمة إلاَّ مِن أقوال المتهم، يلتفت جِهة الحضور، يستطرد و يقول إنه اسْتَرَق السَّمع ذات مساء فَعَلِم أنَّ سياحة المدينة كانت في أوجِها، فنادق لا تتوقف عن استقبال نزلائها، متاجر تقليدية لا تَمَل من كثرة زبائنها، أنشطة بسيطة و متنوعة جذبت كل سائـح و سائحـة من كل حَدْب و صَوْب...و لمـا تنوعت اللقاءات و تصريف القيل و القال، و كثـرت كؤوس الشاي و أصناف الحلويات، و لبست النكرات جبة مُنَظري السياحة و يا ليت لم يُنَظروا، و تَحَدَّث القلم و صَمتَ المعول، قيل إنَّ النهوض بالسياحة لمن الأولويات، إنَّ حقول الفلاحين لا بُدَّ أن تُبْنى عليها تلك الوحدات و إنَّ الشواطئ إذا فُوِّتَت لهذا و ذاك لَهُوَ عَين الصواب...فحدث ما لم يكن في الحسبان، مدينة سياحية فوق الأوراق و بلا سياح، فنادق مُصَنفة في كل مكان خاوية على عروشها إلا من أضواء الحانات، أوراق أوراق و أوراق و غبار في كل مكان...
تَوَقَّفَ المتهم لِلَحظة، دمعت عيناه، فتوقف عن الكلام ثم اعتذر للناس و المحكمة...تعالت أصوات الحاضرين و اشْرَأبَّتِ الأعناق لسماع الحكم ...أعاد القاضي فَتْح الملف و نَطَق بعد المداولة...الدلفين الأسود لم يُغْلِق متجرا، لم يُهَجِّر مركبا، لم يَقْطَعِ النور عن أحد، و هو في كُلِّ هذا بريئ من كل التهم... رفعت الجلسة.
فؤاد بنعلي
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

