قيم هذا المقال
الأمطار الأخيرة تملأ خمسة سدود بجهة الشمال.. وهذه وضعية سدود إقليم الحسيمة (0)
الجامعة تلجأ للمساطر القانونية لدى الكاف والفيفا للبت في انسحاب المنتخب السنغالي (0)
المغرب يُحبط محاولة اقتحام سياج سبتة تزامناً مع نهائي كأس إفريقيا (0)
الحسيمة .. حادثة سير خطيرة على الطريق الجهوية بجماعة لوطا (صور) (0)
- 39 قتيلاً في تصادم قطارين فائقي السرعة جنوب إسبانيا
- الأمطار الأخيرة تملأ خمسة سدود بجهة الشمال.. وهذه وضعية سدود إقليم الحسيمة
- الجامعة تلجأ للمساطر القانونية لدى الكاف والفيفا للبت في انسحاب المنتخب السنغالي
- إسبانيا بحاجة إلى المزيد من المهاجرين
- المغرب يُحبط محاولة اقتحام سياج سبتة تزامناً مع نهائي كأس إفريقيا
- الحسيمة .. حادثة سير خطيرة على الطريق الجهوية بجماعة لوطا (صور)
- الحسيمة.. حادثة سير خطيرة قرب مدخل شاطئ اسلي (فيديو)
- نشرة انذارية جديدة تحذر من تساقطات ثلجية كثفة وامطار قوية
مـا تـبـقـى من ايـث عـمـارت ؟!!
تقعُ آيْثْ عْمَارثْ في مكانٍ ما في أعالي جبال الريف لا يعرفُه إلا أهلُها والذين نُفُوا إليها من طرف حكوماتِ المغرب المتعاقبةِ تحت مُسَمّى "التّعيين في وظيفة حكومية"، وسيّاحٌ قليلون يعثرون عليها صُدْفة ممّن يعشقون تسلّقَ الجبال.يقاُل إن حالُها كان أكثر عزّا وكرامةُ في ظلمات الاستعمار الإسباني الذي عاث نهباً وفسادا في أًرْزِها وزرعها وضرعها. ويقول شهودُ العيان من شيوخها إنه كان فيها طبيبان امرأةٌ ورجلٌ يداويان فلاحاتِها الكادحات وفلاحيها البؤساء ليلَ نهاَر دون مقابل، وكان بها مدرسةٌ أنيقةٌ مبنيةٌ بالحجارة والحديد والإسمنت تشبه قاعاتُها تلك القاعاتِ المرسومة على صفحات التلاوةِ الفرنسية القديمة، وكانت القبيلةُ ملآى بالخير وبالناس،...مع ذلك لم يتأخر أهلُها في تلبية نداءِ قيادة المقاومة منذ انطلاق شرارتها الأولى،بدءا بمحاربة المستعمر الإسباني على كل الجبهات على الأرض مع إخوتهم في جيش التحرير، وتوفير ما يلزم من أخبار و لوجستيك وطعام وأغطية للمحاربين، وتسهيل تنقلاتهم وتحركاتهم في غابات وسفوح الجبال المحيطة، وانتهاء بملحمة "بوزينب" التي خطّت بدماء شهدائها وجرحاها دروسا سيمجدها التاريخُ في معاني الوفاء والإخلاص لله وللوطن، وقيم المواطنة الحقّة والصّبر ونكران الذات والتضحية الجسيمة والثّبات على حق تقرير المصير...في مواجهة جيوشِ وطائرات المستعمر الفرنسي سيّء الذكر....
حصل المغرب على استقلاله كما يقال، ومعه بدأت حكاية آيث عمارث مع النّزيف والتهميش الممنهجين، فمع مطلع السبعينات شرعَ أهلُها يرحلون فرادى وجماعاتٍ إلى مدائن وقُرى مستعمري الأمس تارةً،وتارةً إلى مغرب الأوراش الكبرى الأخضرِ النّافعِ،يقالُ إنّ أكثرَ من ثلاثة أرباعِ أهلها رحَلوا ولم يعودوا...لمّا ألتقي أحدا صدفةً في مدينة ما أسأله: لم هاجرت من هناك؟ فيكون الجواب دائما واحدا: "رحلْنا من هناك لمّا لَمْ نَجِدْ لا كهرباء ولا ماء لأكواخنا، ولا مدارس ولا مستقبل لأطفالنا، ولا طُرق ولا وسائل نقل لتنقلاتنا...".
حكايةُ آيث عمارث مع النسيان طويلةٌ لا يتّسع لها مقالٌ واحدٌ ولا مائة ولا ألْفٌ،وهي مثالٌ صارخٌ على عقيدة الفساد التي ترسّخت في عقليّات مهندسي المغرب الحديث القديمةِ على جميع المستويات،وعلى شريعة العقاب التي خصّت بها حكوماتُهُ المتعاقبةُ إقليمَ الرّيف ما بعد أحداث نهاية الخمسينات.فماذا بقِي اليوم من آيث عمارث؟
بناياتٌ بائسةٌ عشوائيةٌ سوادُها الأعظم من حجارة وطين متناثرةٌ هنا وهناك بلا أدنى شروطِ المعيشة أكلتْ عليها شقوقُ الهزات الأرضية المتواترة وشربتْ حدَّ الثمالة،منازلُ منكوبةٌ بلا ماء ولا مجاري،استوطنَها الفقرُ المدقعُ والحزْنُ والأمّيةُ وكلّ صنوف البؤس الاجتماعي،حتى أسلاك الكهرباء تلك التي لم تَصلها حتى بعْدَ الألفية الجيدة بسنوات صارت تنطفئ مع أوّل هبّةِ ريح،صيفا وشتاءً...وحتى عمّال وموظّفو مكتب الكهرباء هَجَروا القرية مبكّرا ولسنوات كثيرة وما عادوا يكترثون لما تسجّلُهُ عدّاداتهم ولا لأعمدتهم الخشبية التي تساقطت على أسلاكها كأوراق الخريف.ولَمّا صار للمكتب مديرٌ جديدٌ تذكَّرَ أنّ فواتير
آيث عمارثْ صارتْ ثقيلة تجاوزت في بعضها الملايين بعَثَ بها لهم مرفوقةً بمئات إشعارات قطْعِ التَّيار.يقالُ إنَّ مديرَ الكهرباءِ فتحَ تحقيقاً استنتج على إثره أنهم لم يحترموا عقودهم مع مكتبه النّوراني.
مسالكُ طرقية ضيّقة تهدّدُ حياةَ مستعمليها كل لحظة وحين تبدو عليها آثار حرْبٍ أهليّة مدَمِّرة، صارتْ كالسّلالم من كثرة الحُفَر كما قال سائِقُ أُجرة لقناة طنجة ذات حصَّة نِفاق تلفزيوني.
مَدارسُ ابتدائية متهالكةُ البنيان تُذَكِّرُ النّاظِرَ بمآوي لاجئي نزاعات القرن العشرين ببنائها المُفَكَّك منتهي الصّلاحية، وحجراتُها الفرعيّةُ المهترئةُ التي لا تصلحُ حتّى لإيواء الأغنام الموضوعَةُ بعشوائيّةٍ مُفْرِطَةٍ هنا وهناك استباحَها البَرْدُ والحَرُّ وكلُّ عوامِلِ التّعرية عبْر الفصول لا ماءَ ولا كهرباءَ ولا مراحيضَ فيها عَشَّشَتْ فيها كلُّ صنوفِ التَّعَثُّرِ و الكآبةِ والإقصاء والحرمان والفَشَل...فصارتْ مرتعا خصْبا لألاعيب أنصاف رجال الدّين المُفَضَّلةِ وسماسرة الدكاكين النقابية من أشباه المناضلين،وكلّ تلك الطُّفيليّات التي تنتعشُ على ما يُدْعى مجازاً بالمدرسة العمومية باسم المجتمع المدني ،ومشْتَلاً نموذجيّا لتفريخِ أجيالٍ من نُسْخَة طيور الجنّة ومَنْبَراً لا غنى عنهُ من منابر الترويج لثقافة حجابي عفّتي ولمبادئ الظلام الباقي يتمَدَّد...
إعداديّةٌ ثانويةٌ خصَّصتْها وزارة التربية لتعلّم الحلاقة في رؤوس الأيتام،يديرها تقنيٌّ مساعِدٌ مكلَّفٍ بالحراسة الليلية،بينما مسؤولوها الحقيقيون مشغولون بانتقاء القاصرات من بين لوائح التلميذات الصّالحات للزواج،حتّى صارتْ مَعْرِضاً لمرضى البيدوفيليا بامتِياز،في أمانِ فقهاء قوانين الأسرة وحِفْظِ سياسات المصلحة الفُضْلى للطِّفل المُعْلَنَة والساهرين على احترام المواثيق الدّولية.
مستوصَفٌ قَدْ تَعْثُرُ فيهِ على أيِّ شيْءٍ ماعدا الدّواء،تنطبقُ عليْه مقولةُ تشبَّث غريقٌ بغريق.
دُورٌ أنيقةٌ بحدائقَ مرتَّبَةٍ بعنايةٍ مهجورَةٌ لاَ أَحَدَ يعْرِفُ لمَ شُيِّدَتْ أصْلاً،تُرْصَدُ لها الأموالُ وكلّ ما يلْزمُ منْ أحْدَثِ أنواع تصاميم البيروتيك والشاشاتِ الذكية لِخدمةِ الأشباح،غارقةٌ في صمْتِها الأبَديّ،تُمَجِّدُ البنكَ وصُنْدوقَ النَّقدِ الدَّولييْنِ والعَهْدَ الجديدَ ومقارباته التّشاركية الغريبة العجيبة...
مَعابِدُ فاخِرةٌ كلَّفتْ أموالاً ضَخْمَةً استنْفَرَ الجميعُ بعضَهُمْ بعْضاً لتشييدِها،وتزيينِها بالخَشب الغالي والرّخام بأفخَرِ ماركات المكيّفات والزّرابي الشرقية والثريّات الغربية "ليَشْتكيَ فيها البؤَساءُ فقرَهُم إلى اللّه" كما علَّقَ أحدهم على حائطه الفيسبوكي،يسودُ فيها الجَهْلُ المُقَدَّسُ وما لَذَّ وطابَ منْ وصفات الشعوذة والدّجل.
مَسْؤولون مَحَلِّيون لفظَتْهم صناديقُ زجاجيَّةٌ لا روحَ فيها،امتَهنوا السِّياسَةَ على نَهْجِ "انصُرْ أخاكَ ظالِماً ومظلوماً"،مهمَّتهم الوحيدةُ إعْطاءَ وُعودٍ وحْدَهُ الزّمنُ سيتكفّلُ بتنفيذها يوما على سُنّة "وكمْ من حاجَة قضيناها بتركها ،يتَعَشَّوْنَ مع الذِّئبِ ويبكونَ مع الرّاعي،وينشغلونَ باقتناصِ فرصٍ ذهبيّة كثيرَةٍ لنْ تَدوم.فصاروا لا يصلحون سوى لتقديم فروضِ الولاءِ والطّاعةِ وإطالة عمر الانحطاطِ والتخلُّفِ قُرونا أخرى.
هذا ما تبقّى من آيث عمارث اليوم.قريةٌ شبع فيها النسيانُ طيّاً،بعْدما أدارَ لها أبْناؤُها ظُهورَهم قبل غيْرهم،وتَفَنَّنوا في الإساءَةِ إليها في مجالسهم ومضاجعهم،فصارت اليومَ كأَيِّ يتيمَةٍ في عُرْسِ لِئَام.وبناءً عليْهِ اتَّخَذَ مديرُ الكهرباءِ الجديدُ قراراَ يقضي بقطْعِ كهربائه عنْها يوم الجمعة المقْبل ليُسَهِّلَ الرَّحيلَ على مَنْ لَمْ يَرْحلْ بعدُ،وحتّى من بقي سيتحدّى الظلامُ ويبقى لن يَصْمُدَ كثيراً أمامَ سلْطانِ العطشِ القادِم على مهل.
جمال اليوسفي
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....


أضف تعليقك