English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

3.00

  1. مشاريع اجتماعية لفائدة المراة بجماعات تارجسيت وبني عمارت واربعاء تاوريرت (0)

  2. استئناف محاكمة معتقلي الحراك بالدار البيضاء في غياب الزفزافي ورفاقه (0)

  3. اسبانيا .. اختفاء شاب مغربي والشرطة ترجح مقتله وتقطيع جثته (0)

  4. العثماني يثير مشاريع الحسيمة "منارة المتوسط" في لقاءه مع منتخبي الجهة (0)

  5. حادثة سير خطيرة بسبب تراكم الجليد على الطريق الرابط بين الحسيمة وشفشاون (0)

  6. طفل يبلغ من العمر 9 سنوات يضع حدا لحياته شنقا ضواحي الحسيمة (0)

  7. الوالي اليعقوبي يفجرها في وجه العثماني: جهة الشمال بعيدة عن المستوى الوطني (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

فجأةً...

فجأةً...

وجدنا أنفسنا نتكدّسُ داخل أقسام مدرسة صغيرة. ملامحنا تتشابه لأننا فَطَرنا بنفس الوجبة الغنية بعرق آبائنا، ونشرب مياه نفس البئر، ونسلك نفس الطريق المؤدية للمدرسة، ومن كان محظوظا منا في تلك الصبيحة، كان ينجح في "الأطوسطوب" ويجد وسيلة نقل تعفي رجليه من المشي لمسافة طويلة، وفي الغالب، تكون وسيلة النقل، عربة يجرها حمار نحيل البِنية..

فجأةً...

تعلمنا النشيد الذي نسّخر فيه من نصوص كراسة القراءة، وما إن نبتعد عن باب المدرسة بمسافة لم يعد بإمكان المدير أن يرانا منها، أو يسمع ثرثرتنا البذيئة، نردّد النشيد: " أش قرّاونا، قرد، بقرة، حمارٌ". نردد كلمات النشيد ونضحك، نتبادل نطق كلمة "قردٌ" ببراءة، غير مُدركين لنواياهم، بأنهم يهيؤُوننا لنصير قردة حقيقيين حين نكبر، فهم يدركون، أن الوصل بنا لمرتبة "حمار"، لا يقتضي منهم مجهوداً أو مخطّطا لذلك، فلم نكن نختلف عن حمير الدوار إلا "بالصفّايح"..

فجأةً..

كبُرنا قليلاً.. كبرنا في غفلة من سيارات تمرّ بسرعة بالطريق الضيّق، وهو نفسه الطريق الذي نسلكه أربعة مرّات في اليوم، ذهاباً ورجوعاً من المدرسة. نجونا بقدرة دعوات أمهاتنا من دهس عجلات شاحنة عملاقة خلف مقوّدها سائق سكران، ومن شدة خوفهن علينا، ينقلن لنا نصيحة كل صباح :

ــ ردّوا البال من الطريق.

كانت طريقاً مليئة بالحُفر وضيقة، ربما، ومن سخرية القدر، أنهن كن يعنيّنَ طريق حياتنا المُحفرة والمليئة بالعقبات، والنية لم تكن أبلغ من النصيحة، إذ نجونا من سيارات مسرعة بطريق المدرسة، وفشلنا في فعل ذلك مع طريق الحياة..

فجأةً..

وجدنا أنفسنا نستمع لأم كلثوم في أمسية راديو بشهر دجنبر البارد، كنا مُجبرين على اقتسام متابعة السهرة الإذاعية مع أمهاتنا وهن يخبزن لوجبة العشاء، وصوت قطرات مطر غزير تخدش عذرية الأرض. نتعب في محاولة يائسة لحفظ موشح صغير من أغنية طويلة، فنفشل، ورغم ذلك استطعمنا كلماتها، أحببناها قبل أن نعرف شكلها وقصّتها. أحببناها لأننا كنا نعتقد أنها أمّ لفتاة اسمها "كلثوم"، وتخيّلنا "كلثوم" صبية جميلة، بدينة قليلاً، ووجهها "بطبوطي" مستدير، تحصل على لعب كثيرة كهدايا يقدمها الرجال لأمّها تودّداً، وتخيلناها تملك سريراً لوحدها، ليس مثلنا، نقتسم بطانية واحدة بثلاثتنا. لها دولاب صغير وأنيق تزينه بورد بلاستكي لا يذبل، تُعلّق بداخله ملابسها النقية، لا أحد ينتظر أن تضيق عليها ليرثها، كما نحن، نراقب سراويل إخوتنا كأننا نراقب ظهور هلال شهر رمضان، ويوم يتعرض السروال لمكروه، كنا نبكي كثيراً لأننا سنرثه بعيبه الظاهر..

وحينا صرنا نفهم قليلاً، أدركنا أن "كلثوم" لم تكن ابنتها، بل كانت حُنجرتها الذهبية، ورغم ذلك ظللنا نحبها بنفس القدر الذي أحببنها به وهي أمٌّ "لكلثوم".. استمرّينا في حبها لشيء واحد، أننا مدينون لها بوقع كلمات أغنياتها.. "لسّة فاكر".. "أراك عصيّ الدمع".. " ليلة حبّ".. كنا محظوظين بأن آذاننا استطعمت صوتها أولاً، قبل أن يظهر أمينوكس، ودنيا باطما، والداودية بأغنيتها، التي وصفتها مقدمة برنامج غنائي، بالقنبلة: "سيدتي"..

فجأة..

وجدنا أنفسنا نقلد بطل رسوم متحركة، نجد أننا أقرب إليه لو تحولنا لأطفال كرتون، غير مستوعبين أن زمن الكرتون سيأتي، يوم سنصيّرُ فيه رجال كرتون حقيقيين. كانت الساعة السادسة مساءً ساعة مهمة في اليوم، نركض عائدين لندرك حلقة "الكابتن ماجد"، مصدقين أنه فعلا، قضى ليلتين كاملتين في الهواء وهو يقفز على الجميع محاولا قذف الكرة. يتَملكنا شغف أن نراه ينزل، ونحدّق في عينيه محاولين التحقق من نومه. في عُرفنا، ونحن صغار، أن من يستيقظ من نومه للتوّ، تكون عيناه معمشتين. كانتا غير معمشتين، فصنفناه تلقائيا، وقبل ظهور "ويكيبيديا"، على أنه من الخوارق..

كنا جميعاً نعرف أن "النمر المقنع" هو "تامر"، عدا رئيس تحرير الجريدة الغبي، والصحفية الجميلة، وما هي من مرّة، صرخت بلا شعور أُنبهها، أن الشخص الذي تحبّه في صمت، هو نفسه "النمر المقنع"، فلا تأبهُ لصراخي الذي بلغ مداه لأذن والدتي، فيأتيني تحذيرها كصاعق كهربائي :

ـ سكّتنا المسخوط راه غنكولها لبّاك..

فألزم الصمت تاركاً "العضّاض"، خصم النمر المُقنع، يقدم ضمانات لسيده بأنه سيلقنه درسا قاسياً في الحياة.. وما انتظرنا أن يكون درس الحياة لنا أقسى مما من ذاك الذي وعد به "العضّاض" سيّدهُ....

فجأةً..

أُجبرنا على تعلم المقالب، حبك الخُدع والحيل.. لعبنا "البيّار" بعشرين سنتيماً بجغّناها لتصير بحجم الدرهم. ويوم ضبطنا مُسيره نخدع الكرات للخروج بإيهامها أن ما دسسّناه في جوف "البيّار" درهماً، أشبعنا ضرباً، ومنعنا من ارتياد محلّ ألعابِه لشهر كامل، هو نفسه الشهر الذي عرفنا فيه طريق المجلات الإباحية، وصرنا نجمع السنتيمات لنكتري واحدة لا نعيدها لصاحبها أبداً... ثقبنا أكياس اللبن بشوكة طلح نصمُّ منه بعض اللّبن البارد، معتقدين أن أُمهاتنا لن تكشفن الثقب المجهري الصغير، لكن هو ثاني شيء تكتشفنه، بعد أن يكتشفن أن "الصّرف" بددناه في شراء حلويات مركزة السكر.. 

تذكرتُ كل هذا في حنين لتلك الأيام، يوم كان كل شيء جميل..

حتى كذبنا على آبائنا وأمهاتنا كان جميلاً، وكذب الوزراء المسيرين للبلاد، كان كذبا يحتاج لأن تكون ملمّاً بالسياسة لتكتشفه.. عكس اليوم..

تحول لكذب مفضوح، لم يعودوا في حاجة للاجتهاد في كذبهم، فهم نجحوا، وعبر سنوات طويلة، في أن يحولوننا لقردة كما غنينا ذات مساءٍ ساخرين من نظام تعليمي بئيس..

بقلم : عماد واعروص

مشاركة في: Twitter Twitter

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 )

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية