English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

  1. وفاة والد معتقل حراك الريف محمد حاكي (1.00)

  2. الحسيمة .. متشرد يعتدي على تلميذ ببني بوعياش (0)

  3. تفاصيل الوعكة الصحية التي تعرض لها ناصر الزفزافي (0)

  4. لاعب شاب من ريال مدريد بجذور حسيمية يشعل الصراع بين المغرب وإسبانيا (0)

  5. فاطمة سعدي تمثل مجلس المستشارين في أشغال لجنة وضع المرأة بالأمم المتحدة (0)

  6. الحسيمة.. إسدال الستار على الأمسيات الرمضانية للمديح والسماع وتكريم حفظة القرآن (0)

  7. توقعات بارتفاع كبير في أسعار المحروقات بالمغرب (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | الواجهة | المرتضى اعمراشا : ميلاد ملك وتشكّل العقيدة السيادية للدولة.. قراءة في سبعة عقود من الاستقلال المغربي

المرتضى اعمراشا : ميلاد ملك وتشكّل العقيدة السيادية للدولة.. قراءة في سبعة عقود من الاستقلال المغربي

المرتضى اعمراشا : ميلاد ملك وتشكّل العقيدة السيادية للدولة.. قراءة في سبعة عقود من الاستقلال المغربي

بقلم: المرتضى إعمراشا

في صيف سنة 1963 وُلد في الرباط الأمير محمد بن الحسن، ولي عهد المملكة المغربية، في لحظة بدت في ظاهرها حدثاً تاريخيا داخل القصر الملكي، لكنها وقعت في زمن سياسي كثيف الدلالة، إذ كانت الدولة المغربية الحديثة لا تزال تعيد ترتيب نفسها داخل جغرافيا خرجت لتوها من زمن الإمبراطوريات. ولم تمض سوى أسابيع قليلة على ذلك الميلاد حتى كانت الحدود الشرقية للمملكة تدخل أول اختبار جيوسياسي حقيقي في تاريخ المغرب المستقل حين اندلعت في أكتوبر من السنة نفسها المواجهة العسكرية التي عُرفت لاحقاً باسم حرب الرمال بين المغرب والجزائر. وكأن التاريخ، في مفارقاته العميقة، أراد منذ اللحظة الأولى أن يضع ولي العهد الجديد داخل درس مبكر من دروس السياسة الواقعية، درس يقول إن استقلال الدول لا يعني نهاية الصراع بل بدايته، وإن الجغرافيا التي تتركها الإمبراطوريات خلفها ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط بل منظومات توتر كامنة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى بؤر نزاع.

وليس من قبيل المبالغة القول إن الدولة المغربية الحديثة خرجت إلى التاريخ المعاصر وهي تحمل إرثين متداخلين: إرث السيادة الذي أعاده الاستقلال سنة 1956، وإرث الخرائط الاستعمارية التي أعادت القوى الأوروبية رسمها وفق مصالحها الاستراتيجية في شمال إفريقيا والصحراء الكبرى ومضيق جبل طارق. ولهذا فإن فهم المسار السياسي للمغرب بعد الاستقلال لا يمكن أن يتم داخل سردية احتفالية بسيطة تتحدث عن نهاية الحماية وبداية الدولة الوطنية، لأن ما حدث في الواقع كان أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فقد دخل المغرب منذ لحظة استقلاله في عملية تاريخية طويلة لإعادة تركيب مجاله الترابي داخل فضاء سياسي لم يكن قد استقر بعد.

لقد أنهى المغرب نظام الحماية الفرنسية في الثاني من مارس سنة 1956، ثم خرجت إسبانيا من المنطقة الشمالية في السابع من أبريل من العام نفسه، قبل أن تنتهي الوضعية الدولية الخاصة بمدينة طنجة في أكتوبر من السنة نفسها لتعود المدينة إلى السيادة المغربية بعد عقود من الإدارة الدولية التي فرضتها التوازنات الأوروبية في مضيق جبل طارق. غير أن هذه المحطات لم تكن سوى البداية، لأن استكمال السيادة الترابية للمغرب كان مساراً متدرجاً تحرك عبر مراحل متعددة، ففي سنة 1958 استعاد المغرب إقليم طرفاية بعد مفاوضات مع إسبانيا أعقبت العمليات التي خاضها جيش التحرير المغربي في الجنوب، ثم جاءت محطة أخرى سنة 1969 حين استعاد المغرب مدينة سيدي إفني بعد أكثر من قرن من الاحتلال الإسباني. وهكذا يتضح أن بناء السيادة المغربية لم يكن حدثاً واحداً بل عملية تاريخية متراكمة تتحرك ببطء داخل الزمن السياسي.

ومع ذلك ظل هذا المسار مفتوحاً ولم يكتمل بعد، لأن قضية السيادة المغربية لم تكن محصورة في الجنوب فقط، بل كانت تشمل أيضاً الثغور الشمالية المحتلة مثل سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، التي بقيت شاهداً على أن الاستعمار في المغرب لم ينته دفعة واحدة، بل ترك وراءه جيوباً استراتيجية تذكّر بأن الاستقلال في معناه العميق ليس مجرد خروج الإدارة الأجنبية من العاصمة، بل استعادة تدريجية للمجال الوطني بكامله.

غير أن العقدة الأكثر حساسية في السنوات الأولى للاستقلال لم تظهر في الجنوب ولا في الشمال، بل في الشرق، حيث كانت الحدود المغربية الجزائرية تحمل في داخلها واحدة من أعقد المسائل التي خلفها الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا. فخلال الحقبة الاستعمارية أعادت فرنسا رسم الحدود داخل المجال المغاربي وفق اعتبارات إدارية وعسكرية تخدم مصالحها في الصحراء الكبرى، فضمّت مناطق واسعة مثل بشار وتندوف إلى الجزائر الفرنسية ضمن تنظيم إداري لم يكن يعكس بالضرورة التاريخ الاجتماعي للمجال المغاربي ولا الامتداد التقليدي للعلاقات الاقتصادية والقبلية التي كانت تربط هذه المناطق بالمجال المغربي منذ قرون.

وعندما استعاد المغرب استقلاله كان يدرك أن هذه الخرائط ليست سوى نتاج مؤقت لمرحلة استعمارية، ولهذا رفض في أواخر الخمسينيات مقترحاً فرنسياً يقضي بتثبيت الحدود مع الجزائر الفرنسية. ولم يكن هذا القرار مجرد موقف جغرافي بل كان أيضاً موقفاً سياسياً وأخلاقياً، لأن المغرب لم يكن مستعداً لأن يمنح شرعية نهائية لحدود رسمها الاستعمار في وقت كانت فيه الجزائر تخوض حرب تحرير دامية ضد القوة الاستعمارية نفسها. كان الرهان المغربي آنذاك واضحاً: تأجيل النقاش حول الحدود إلى ما بعد استقلال الجزائر أملاً في أن تتم معالجة هذا الإرث الاستعماري داخل فضاء مغاربي مشترك بين دولتين مستقلتين خرجتا معاً من تجربة الاستعمار.

لكن التاريخ، كما تُظهر تجارب الدول الحديثة، لا يسير دائماً وفق منطق النوايا الأخوية. فعندما استقلت الجزائر سنة 1962 وجدت قيادتها نفسها أمام مهمة هائلة تتمثل في بناء دولة خرجت لتوها من حرب تحرير مدمرة خلّفت مجتمعاً مثقلاً بالخسائر البشرية والاقتصادية. وفي مثل هذه الظروف يصبح الحفاظ على الحدود القائمة، مهما كان أصلها الاستعماري، وسيلة لضمان الاستقرار السياسي للدولة الوليدة. ومن هنا تبنت الجزائر مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو المبدأ الذي سيصبح لاحقاً أحد الأسس القانونية للنظام الإفريقي بعد الاستقلال. غير أن هذا التحول خلق فجوة سياسية واضحة بين الرباط والجزائر، لأن المغرب كان يرى أن بعض المناطق التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر الاستعمارية يمكن أن تكون موضوع تفاوض بين دولتين مستقلتين، بينما كانت الجزائر ترى في أي مراجعة لهذه الحدود تهديداً مباشراً لسيادتها.

ومع تصاعد التوترات تحولت الخلافات السياسية إلى مواجهة عسكرية في خريف سنة 1963 فيما عُرف لاحقاً باسم حرب الرمال. ورغم أن تلك الحرب كانت قصيرة زمنياً فإن أثرها السياسي كان عميقاً، لأنها كشفت مبكراً حدود التضامن المغاربي الذي بدا ممكناً خلال سنوات النضال ضد الاستعمار. فمنذ تلك اللحظة بدأ يتشكل داخل الدولة المغربية إدراك استراتيجي جديد يقوم على أن الدفاع عن السيادة لا يمكن أن يعتمد فقط على الذاكرة التاريخية أو الخطاب الأخوي، بل يحتاج أيضاً إلى أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية قادرة على حماية المجال الترابي للدولة داخل نظام دولي تحكمه توازنات القوة.

وقد تجلى هذا الإدراك بوضوح في منتصف السبعينيات حين بدأت إسبانيا التفكير في إنهاء وجودها الاستعماري في الصحراء الغربية، ففي السادس من نوفمبر سنة 1975 أعلن الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء التي شارك فيها نحو ثلاثمائة وخمسين ألف مغربي ساروا سلمياً نحو الصحراء حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في واحدة من أكثر لحظات التعبئة السياسية تأثيراً في التاريخ المغربي الحديث. غير أن انسحاب إسبانيا لم ينه النزاع، بل فتح مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، وخلال الثمانينيات تحولت الصحراء إلى مسرح حرب استنزاف طويلة قبل أن ينتهي القتال بوقف إطلاق النار سنة 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة.

وعندما اعتلى الملك محمد السادس العرش سنة 1999 كان قد مضى أكثر من ثلاثة عقود على حرب الرمال التي اندلعت في السنة نفسها التي شهدت ميلاده، وكان النزاع حول الصحراء قد أصبح جزءاً من معادلة جيوسياسية معقدة في المنطقة. ومع ذلك حاول الملك الجديد منذ السنوات الأولى لحكمه فتح صفحة جديدة في العلاقات المغربية الجزائرية إدراكاً منه أن مستقبل المغرب الكبير لا يمكن أن يُبنى في ظل قطيعة دائمة بين أكبر دولتين فيه، غير أن تلك المبادرات لم تجد الاستجابة المنتظرة.

وفي ظل هذا الواقع اتجهت الدبلوماسية المغربية إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز حضورها في إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما تجسد في عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود. كما قدم المغرب سنة 2007 مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي لقضية الصحراء، وهو المقترح الذي حظي تدريجياً بدعم متزايد من عدد من القوى الدولية، قبل أن يشهد الملف تحولاً مهماً سنة 2020 حين أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء.

غير أن قراءة هذه المسارات السياسية لا ينبغي أن تختزل في تفاصيل النزاعات أو التحولات الدبلوماسية وحدها، لأن المسألة في عمقها تتعلق بطبيعة الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار. فالدولة المغربية، مثل كثير من دول العالم الثالث التي خرجت من تجربة الإمبراطوريات، وجدت نفسها منذ البداية أمام مهمة مزدوجة: بناء مؤسسات الدولة الحديثة من جهة، وإعادة تعريف مجالها الترابي داخل خرائط رسمها الاستعمار من جهة أخرى.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم قضية الصحراء باعتبارها جزءاً من مسار تاريخي أوسع لإعادة تركيب المجال الوطني المغربي. فالصحراء ليست حادثة منفصلة في التاريخ المغربي المعاصر، بل حلقة مركزية داخل عملية أطول لإعادة بناء السيادة داخل فضاء جغرافي لا تزال حدوده تحمل آثار الزمن الإمبراطوري القديم.

وإذا كانت حرب الرمال قد شكلت أول اختبار جيوسياسي للدولة المغربية بعد الاستقلال، فإن أثرها الأعمق ربما كان في الدرس السياسي الذي تركته داخل الوعي الاستراتيجي للمغرب، وهو أن بناء السيادة لا يتم دفعة واحدة، بل يتم عبر الزمن، وأن الخرائط التي يرسمها الاستعمار لا تختفي بمجرد إعلان الاستقلال، بل تبقى آثارها حاضرة في الجغرافيا السياسية لعقود طويلة.

ومن هنا فإن استكمال السيادة الترابية للمغرب لا يقتصر على ملف الصحراء وحده، بل يرتبط أيضاً بملفات أخرى لا تزال مفتوحة في الذاكرة الجيوسياسية للمملكة، وفي مقدمتها الثغور الشمالية المحتلة في سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، التي تمثل بقايا استراتيجية لمرحلة استعمارية لم تُغلق صفحاتها بالكامل. كما يرتبط كذلك بتسوية الإرث الحدودي الذي تركته خرائط الاستعمار في الشرق والجنوب ضمن رؤية سيادية هادئة وطويلة النفس تدرك أن مثل هذه القضايا لا تُحسم بالانفعال بل بالزمن السياسي والدبلوماسية المتراكمة.

وعند هذه النقطة بالذات يمكن فهم معنى السيادة في التجربة المغربية الحديثة، فهي ليست مجرد وضع قانوني يعلن في لحظة تاريخية، بل مشروع تاريخي طويل تتحرك فيه الدولة عبر الزمن من أجل إعادة تركيب مجالها الوطني داخل جغرافيا ورثتها من زمن الإمبراطوريات. وفي هذا المعنى تبدو سبعون سنة من الاستقلال ليست نهاية مسار بل محطة داخل مسار أطول، مسار دولة تعلّمت عبر التجربة أن السيادة لا تُمنح دفعة واحدة بل تُبنى عبر الزمن.

 

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media