نزيف الثروة السمكية بسواحل الشمال يهدد مستقبل الصيد التقليدي بين طنجة والحسيمة
تشهد السواحل المتوسطية المغربية، خاصة الممتدة بين طنجة والحسيمة، وضعاً مقلقاً في قطاع الصيد البحري، في ظل تزايد المؤشرات على تراجع حاد في الموارد السمكية، ما يضع مستقبل آلاف الأسر المرتبطة بهذا النشاط الحيوي أمام تحديات غير مسبوقة.
معطيات متطابقة صادرة عن مهنيين وتقارير علمية حديثة تشير إلى استنزاف متسارع للمخزون السمكي، نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها ضغط الاستغلال المفرط، وتأثيرات التغيرات المناخية على النظم البيئية البحرية، إلى جانب استمرار ممارسات الصيد غير القانوني وضعف آليات المراقبة.
على المستوى الميداني، تكشف الأرقام المسجلة بـميناء الحسيمة خلال سنة 2025 عن تراجع واضح، حيث لم تتجاوز المفرغات 2151 طناً بقيمة مالية تقارب 111 مليون درهم، مسجلة انخفاضاً بنسبة 5% في الكمية و9% في القيمة مقارنة بالسنوات السابقة. هذا التراجع يعكس بشكل مباشر تدهور مردودية القطاع، ويؤثر بشكل يومي على دخل البحارة.
دراسة حديثة أنجزتها جمعية “أزير” للبيئة والتنمية البحرية أكدت بدورها خطورة الوضع، حيث سجلت انخفاضاً يفوق 30% في إنتاج الصيد الساحلي والتقليدي مقارنة بسنة 2017، مع تراجع ملحوظ في أنواع رئيسية مثل السردين والأخطبوط وأبو سيف، ما ينذر باختلالات في التوازن البيولوجي للمنظومة البحرية.
في السياق ذاته، يندرج هذا التراجع ضمن تحولات مناخية أوسع يشهدها البحر الأبيض المتوسط، المصنف من طرف خبراء المناخ ضمن “البؤر الساخنة” عالمياً، حيث يسجل ارتفاعاً في درجات الحرارة يفوق المعدل العالمي، وهو ما يساهم في هجرة الأنواع السمكية وتغير توزيعها الجغرافي، إضافة إلى تأثيره على استقرار النظم البيئية البحرية.
كما يشكل الصيد الجائر، خاصة استهداف الأسماك الصغيرة غير الناضجة، عاملاً حاسماً في تعميق الأزمة، إذ يحد من قدرة المخزون السمكي على التجدد الطبيعي، ويؤدي إلى تسارع وتيرة الاستنزاف.
في مواجهة هذه التحديات، شرعت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري في تفعيل نظام “تنطيق الصيد الساحلي بالجر” مع بداية موسم 2026، وهو إجراء يهدف إلى تنظيم استغلال المصايد عبر تقسيم الساحل الوطني إلى وحدات تدبير محددة، ومنع التنقل العشوائي للأساطيل، خاصة في الواجهة المتوسطية التي تعرف وضعاً بيولوجياً هشاً.
غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، يواجه تحديات على مستوى التطبيق، في ظل استمرار بعض الممارسات غير القانونية وغياب الالتزام الكامل من طرف جميع الفاعلين. كما كشفت معطيات تقنية عن ارتفاع ملحوظ في قدرات أسطول الصيد الساحلي، حيث زادت الحمولة بنسبة 52% بين 2015 و2024، مقابل نمو ضعيف في الإنتاج لم يتجاوز 1%، ما يعكس بلوغ عدد من المصايد مرحلة الإشباع.
ويأتي هذا الوضع في وقت تراهن فيه الدولة على تطوير “الاقتصاد الأزرق” كرافعة للتنمية، من خلال مشاريع كبرى وبنيات تحتية حديثة، غير أن الفجوة لا تزال قائمة بين هذه الطموحات وواقع الصيد التقليدي، الذي يعاني من هشاشة التدبير وضعف الاستثمار، خاصة في المناطق الشمالية.
في المقابل، يواصل المهنيون، خصوصاً الصيادين التقليديين، التحذير من خطورة الوضع، مؤكدين أن استمرار استنزاف الثروة السمكية يهدد مصدر عيشهم بشكل مباشر. ومع دخول إجراءات التنظيم الجديدة حيز التنفيذ، تبقى الأنظار موجهة نحو مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على استدامة الموارد البحرية.
متابعة
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

