“الأمازيغ والمخزن في جنوب المغرب”.. كتاب مونطاني يعود للواجهة في ترجمة عربية
كتاب للسوسيولوجي الكولونيالي روبير مونطاني(1893\1954)، شرع في تاليفه 1929 وانتهى من عمله سنة 1930، عرفت اهم مضامين كتابه من خلال الدراسات البحثية، ومباشرة بعد صدور ترجمته العربية التي تعد الأولى من نوعها، في الأيام القليلة الماضية، فقد تمكنت من قراءته بشكل أولي سريع ومتمعن، لمعرفة محتوياته، وتوسعي في الاطلاع على مضامينه مستقبلا..
وقد أنجز مشكورا هذه الترجمة العلمية مع التعليق عليها المترجم والباحث الأكاديمي عبد الرحيم حزل..
فوجدته، أي المؤلف؛ يتكون من مقدمة الترجمة ومقدمة المؤلف، وثلاثة كتب، يندرج ضمن كتابها الأول أربعة فصول، والكتاب الثاني تضمن خمسة فصول، في حين اشتمل الكتاب الثالث والأخير على أربعة فصول، وخاتمة، مع ثبت بأهم المصادر الأجنبية المعتمدة في الترجمة، والكتاب المترجم يبلغ عدد صفحاته قرابة خمسمائة صفحة..
شخصيا أعتبر هذه الخطوة الثقافية مجرد تعريف بالكتاب، ولايمكنني أن أدعي جازما، بكونها عملية قراءة أو تقديم للكتاب، فقد يكون هناك من أهل الاختصاص من هو أجدر مني بذلك، بعد توفر عامل الزمن المناسب لعمل فكري ومعرفي دقيق من هذا القبيل ..
للمؤلف روبيرمونطاني دراسات أخرى عديدة، يطغى عليها كلها طابع السوسيولوجيا والتاريخ، وكتبا ذات قيمة علمية لا يمكن إغفالها، أنجزها بين 1924و1930، ضمنها كتاب "الحياة الاجتماعية والسياسية للبربر" الذي ترجم بدعم من وزارة الثقافة سنة 2014، وقد تولى القيام بعملية الترجمة هذه الباحث الأكاديمي محمد ناجي بن عمر.
وكتاب " ثورة في المغرب" سنة 1930، الذي لم تتح لحد الآن عملية ترجمته، وهو كتاب يجمع كعادته بين علمي الأنتروبولوجيا والتاريخ، وبين علم الاجتماع والإثنوغرافيا، وتناول فيه دور شباب الحركة الوطنية وأصولهم الاجتماعية ومسارهم العلمي والدراسي، والمقاومة المغربية في الريف وجبال الاطلس؛ والحياة اليومية للفلاحين في البادية في مقارنتهم مع ساكنة المدن والحواضر .
يكاد يمر الآن على تأليف الكتاب " الامازيغ والمخزن في جنوب المغرب" زهاء مئة سنة، لتصدر ترجمته العربية الأولى في المغرب، ونحن نعرف أن الترجمة تعتبر من أصعب وأعقد أنشطة البحث الأكاديمي، لكون الترجمة في نظر الدارسين والباحثين تتجلى خطورتها في محاولة تحري النزاهة والموضوعية واحترام النص الأصلي
وذلك بهدف تحقيق الأمانة العلمية المفروض توفرها في جميع الأعمال المترجمة، ودرءا في نفس الوقت لأية خيانة لفكرة ما، أو لبعض الأفكار المترجمة، والمعربة عن نصها الأصلي، في وقت يتزاحم، بشكل يصعب الفصل فيه، بين بعض المفاهيم على المستوى الحقوقي والسياسي، والحرص في توخي الحفاظ على المفهوم المعرفي والتاريخي لمضمون بعض المفاهيم..
من جانب آخر، فإن دراسات وأبحاث السوسيولوجي الكولونيالي روبر مونطاني؛ تبقى رغم قيمتها المعرفية القصوى، مرتبطة بتوجيهات سدنة السياسة الاستعمارية ودهاقنة الطبقة العسكرية الفرنسية المتطلعة نحو الاحتلال والتوسع واستغلال مقدرات بلادنا وخيراتها ..
لذلك فقد أمر الحاكم العسكري العام المقيم في المغرب الجنيرال ليوطي، ضابطه العسكري مونطاني بالبقاء في المغرب؛ ووضع رهن إشارته وأمامه جميع الإمكانيات الكفيلة بتشجيعه في هذا الصدد.
وتكليفه مقابل ذلك، بإعداد دراسات حول عدد من المناطق الامازيغية في المغرب؛ التي كانت تتوزع بين المنطقة السلطانية والخليفية، في الجنوب والشمال والوسط..
لذلك تمكن روبر مونطاني من دراسة اللغتين العربية والأمازيغية ونجح في إتقانهما، مع إحداثه في هذا الإطار لمعهد الدراسات الإسلامية والإدارية في فرنسا وملحقاته في المغرب
وتمكنه من دراسة الأعراف القبلية الأمازيغية في الجنوب والريف المغربي، الذي عاش فيه خلال حرب المقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي، وساهم حسب هذا الكتاب المترجم؛ في عملية استسلام الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي حين اضطر إلى وقف المقاومة
كمادرس عن كثب وميدانيا؛ المؤسسات المغربية بمختلف مظاهرها وتشكلاتها؛ سواء المخزنية منها، أومؤسسة الأمغار وعلاقة هذه الأخيرة، بتعاظم السلطة الشخصية لإمغارن، وتصادمهم لاحقا مع استبداد القياد الكبار للمخزن ابتداء من القرن الخامس عشر الميلادي إلى غاية القرن 19
وكذلك قياد الجبل من الامازيغ الكبار، بحيث انسحبت أعمال دراسته على السوس المغربي من الأطلس الكبير والمتوسط والصغير، وعلى الريف(خطر بوحمارة بين فاس وتازة غرب الريف في بداية القرن 20)، وكذلك جبالة في شمال المغرب، والقبائل التاريخية الكبرى ذات الأصول الامازيغية في الشمال والجنوب والوسط ..
ودور مؤسسة السلطان، والبلاط والجيش الشريف، والحركات السلطانية لتحصيل الضرائب، حينما يحصل التنافر والتصادم بين ما يسمى في بعض الدراسات ببلاد السيبة وتحكيم العرف، وبلاد المخزن التي تحتكم لشرع الإسلام ..
إن هذا الكتاب المترجم من قبل الاستاذ الجامعي عبد الرحيم حزل؛ يعكس مدى حاجتنا إلى استعادة تجربة البحث السوسيولوجي العلمي، الذي دشنه الأجانب والمغاربة على حد سواء.
والتنقيب في التراث السوسيولوجي لروبر مونطاني، وجاك بيرك، وبول باسكون، وعبد الكبير الخطيب ومحمد جسوس، وفاطمة المرنيسي.. ودافيدهارت ورايموند جاموس وغيرهم..
فمن أجل تجاوز الصعوبات والأزمة التي تعيشها علوم الاجتماع الإنسانية في الجامعة المغربية، لابد من استلهام نتائج أعمال هذه النخبة النيرة.
وذلك في أفق فهم قوانين الحياة الاجتماعية والهويات المحلية ونظمها الثقافية والاجتماعية، بهدف فهم مظاهر التحولات والوقائع الاجتماعية وكيفية تطورها ..
محمد لمرابطي
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

