English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

  1. شخص يقدم على وضع حد لحياته شنقا بمستشفى محمد الخامس بالحسيمة (0)

  2. الأحوال الجوية بالمغرب: أجواء حارة وامطار رعدية بالأطلس والريف خلال الأيام المقبلة (0)

  3. الحسيمة.. سقوط شاب في ظروف غامضة من جبل "موروبياخو" (0)

  4. هولندا تفتح باب تسليم مطلوبين إلى المغرب ضمن اتفاق جديد يشمل جرائم أوسع (0)

  5. اصطدام قوي بين حافلة وسيارة خفيفة يخلف إصابات نواحي الحسيمة (0)

  6. حجز طائرة مسيّرة ضخمة تستعمل في تهريب المخدرات بين المغرب واسبانيا (0)

  7. بعد الهجوم على والدته … ناصر الزفزافي يوجّه رسالة من السجن (0)

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | الواجهة | مرتضى اعمراشا يكتب : زليخة.. حين تصبح الذاكرة متحفاً ينبض بالمقاومة

مرتضى اعمراشا يكتب : زليخة.. حين تصبح الذاكرة متحفاً ينبض بالمقاومة

مرتضى اعمراشا يكتب : زليخة.. حين تصبح الذاكرة متحفاً ينبض بالمقاومة

بقلم: المرتضى إعمراشا

ليست المأساة الكبرى في تاريخ الشعوب أن تُهزم عسكرياً؛ فالهزائم قد تُرمّم، والحدود يُعاد رسمها. المأساة الحقيقية تكمن في انتزاع القدرة على تسمية الألم، وتحويل الذاكرة إلى ملفات مؤجلة في دهاليز السلطة، أو مادة محرجة تُدار بالصمت بدل الاعتراف. فالأمم لا تنهار بخسارة الأرض فحسب، بل بفقدان الحق في رواية تاريخها كما عاشته؛ وهنا يكمن الصراع في جوهره: إنه صراع على المعنى، وعلى شرعية الحكاية، وحق تحويل الدم إلى وعي جماعي جزءٍ من الضمير الوطني.

وعليه، لا يُختزل الحديث عن “متحف الريف” بالحسيمة في مشروع ثقافي مؤجل، بل هو قضية اعتراف أخلاقي وسياسي بذاكرة ظلت لعقود تتحرك خارج السردية الرسمية. فالمتاحف في عمقها الفلسفي ليست مخازن للآثار، بل مؤسسات تُقرر أي ماضٍ يستحق الحياة داخل الوعي الوطني؛ وهي بذلك ليست حياداً ثقافياً، بل سلطة رمزية تعيد ترتيب التاريخ وفق منطق المركز.

في غضون ذلك، كان الريف يبني متحفه الحقيقي بصمتٍ أشد فصاحة من الخطب؛ متحفاً لا تحرسه الإدارة، بل أفئدة الأمهات.. ولا تحفظ وثائقه الخزائن، بل الأجساد.. إنه متحف مفتوح منذ عقود في العيون المتعبة، وفي طقوس الانتظار الطويل. فالريف ليس مجرد جغرافيا، بل كيان تاريخي تشكّل من تفاعل العزلة والكرامة والمقاومة، حيث الجبال أرشيف حجري، والريح تحمل رجع خطوات المنفيين والمطاردين. إن المكان حين يتشبع بالألم، يتحول إلى شاهد صامت لا يمكن اختزاله في احتجاج عابر أو ملف أمني، بل هو توتر طويل بين ذاكرة لم تعترف بها السلطة، ومنطق تدبير لا يتقن لغة المصالحة.

لقد برعت الدولة الحديثة في إنتاج “تاريخ رسمي” مصقول لإخفاء التصدعات تحت رخام السردية الوطنية، غير أن الشعوب لا تعيش التاريخ بهذا البرود؛ فهي تكتبه بالأعصاب الحية وبمداد من دموع الأمهات. ومن هنا يتجلى الفرق بين “التاريخ المكتوب” الذي تصنعه السلطة، و”التاريخ المعيش” الذي يصنعه الناس وهم يعبرون الألم. فالهامش لا يحتاج لختم المركز ليكون حقيقياً، لأن القيمة الأخلاقية للتاريخ تُستمد من أولئك الذين عاشوه خارج الضوء؛ فالمركز ينتج الرواية، بينما ينتج الهامش المعنى.

وضمن هذا السياق، تجاوز اعتقال ناصر الزفزافي أبعاده القانونية؛ ليغدو امتداداً رمزياً لصراع طويل حول الكرامة. وحين تشعر الجماعة أن صوتها لا يجد مكاناً في المؤسسات، تبدأ الذاكرة في البحث عن سبل للبقاء: تتحول الأسماء إلى علامات، والأفراد إلى استعارات، والأحداث إلى بنية عاطفية للمجتمع.

وفي قلب هذه المأساة، تقف “زليخة”؛ لا بصفتها والدة معتقل، بل كصورة مكثفة لذاكرة الريف التي تحاول الحفاظ على توازنها. إن حضورها الصامت يقول ما تعجز عنه الخطب؛ فهي تمارس “المقاومة بالوجود” في أكثر صورها بلاغة، محولةً النسيان إلى مستحيل. إن الأفعال الصامتة، في علم الاجتماع السياسي، أخطر من الاحتجاجات العابرة، لأنها تُنتج شرعية أخلاقية لا يمكن محاصرتها؛ فزليخة بعينيها المستنزفتين تحولت إلى حقيقة إنسانية عارية لا تحتاج إلى تفسير.

إن كل محاولات السلطة لتقليص هذا الحضور لا تزيده إلا رسوخاً. فالريف اليوم لم يعد منطقة تطالب بمتحف، بل صار هو نفسه متحفاً حياً للألم والكرامة؛ “أرشيفاً عاطفياً” يتناقل الأحزان المكبوتة عبر الأجيال. هذا الألم الذي لا يجد علاجه يتحول إلى ثقافة كامنة، تحفظ الذاكرة وهي لا تزال تنزف؛ مما يجعله أكثر خطورة، لأنه لا يعرض الماضي كزمن انتهى، بل كجرح مفتوح يعيد تشكيل الحاضر.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الدول التي تؤجل المصالحة مع ذاكرتها تخلق شروخاً لا تتوقف عن التمدد. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالأمن وحده، بل بالعدالة الرمزية؛ أي بشعور الناس أن تاريخهم معترف به، وأن آلامهم ليست خارج الوطن.

زليخة ليست تفصيلاً عاطفياً، بل هي جوهر الحكاية؛ البرهان الحي على أن الإنسان حين يحمل ذاكرته بكرامة، يغدو أقوى من كل محاولات المحو. فالسلطات تتغير، والخطابات تتبدل، لكن الذاكرة التي تتجذر في الألم والكرامة تبقى أبدية.

وتلك هي الحقيقة التي غابت عن كثير من السلطات عبر التاريخ: الشعوب قد تصمت طويلاً.. لكنها حين تقوم قد لا تتمكن من اسكاتها مرة أخرى.

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media