الإفراج عن معتقلي حراك الريف ليس مسطرة تقنية مجردة
سارة سوجار
حين تضعف المؤسسات، وتعجز عن التفاعل الجدي مع مطالب الحرية والكرامة والعدالة، فإنها تفتح المجال أمام الضجيج الفارغ، والردود غير المسؤولة. وحين تتراجع أدوار المؤسسات السياسية والمدنية، تتصدر المشهد الأصوات العبثية، ويصبح التشويش سيد الموقف و الكلمة و الجدل، بديلا عن النقاش الحقيقي.
لكن قضية معتقلي حراك الريف أكبر من كل هذا العبث. أكبر من حملات التشهير، ومن محاولات الاختزال، ومن السهام الموجهة اليوم في غير اتجاهها الحقيقي. هذا الملف استمر حيا رغم سنوات القمع والمزايدات، ورغم كل محاولات ربطه بقضايا هامشية لتفريغه من معناه السياسي والحقوقي، ورغم الحملات الشرسة التي لم تتوقف عند التشهير، بل وصلت إلى المؤامرات المعلنة والخفية التي حيكت حوله، من قريب و من بعيد.
ما لا يفهمه كثيرون أن الحقيقة الكبرى في هذا الملف ليست فقط في الاعتقال، بل في معجزة الصمود التي صنعها المعتقلون وعائلاتهم ,الثبات على الموقف رغم العزلة والسجن والهجوم، والقوة الأخلاقية التي واجهوا بها سنوات طويلة من الاستنزاف.
معتقلو حراك الريف كانوا أبطالا في المحكمة، وأبطالا داخل الزنازين، وأبطالا وهم يخوضون الإضرابات عن الطعام، وأبطالا وهم يكتبون ويدافعون ويتكلمون باسم الحرية والكرامة. هؤلاء ليسوا مجرد معتقلين سياسيين، بل رموز لمرحلة كاملة من تاريخ المغرب، وعنوان للصدق والاستمرار ونكران الذات.
أما النقاش الدائر اليوم حول “العفو” بمنطق ماذا قدموا أو ماذا لم يقدموا، فهو محاولة لتلويث جوهر القضية وتحويلها إلى نقاش تقني ضيق. العفو حق دستوري يجب ان يستفيد منه جميع المواطنات و المواطنون ، و لا يدخل في صلاحيات الملك فقط بل البرلمان أيضا، لكن هذه الملفات لا تحل بمنطق المساطر التقنية الباردة، لأنها ملفات سياسية وحقوقية مرتبطة بإرادة حقيقية لإصلاح طريقة تدبير الدولة لملفات الاحتجاج والتوتر الاجتماعي والحقوقي. لذلك فالقرار فيها ليس مسطريا، بل سياسيا و بعمق حقوقي.
لقد قلناها وسنظل نقولها: ملف الريف هو المدخل الحقيقي لأي انفراج سياسي وحقوقي جدي. والإفراج عن المعتقلين سيكون خطوة أساسية نحو بناء مرحلة جديدة عنوانها عدم التكرار، و ترسيخ الضمانات الاساسية، واحترام الحقوق والحريات.
أما اختزال الملف في نقاشات تقنية أو حسابات ضيقة، فهو انتقاص من قيمته التاريخية والإنسانية. لأن مضمون هذا الملف في جوهره هو سؤال الحرية التي نريدها لهذا البلد، وكيفية تدبير الاختلاف، و الاعتراف بالهوية والمطالب الاجتماعية والسياسية بمنطق الديمقراطية لا بمنطق العقاب و الأمننة.
ملف الريف هو أيضا ملف العدالة المجالية والاجتماعية، وملف الذاكرة، وملف سبل تدبير العلاقة بين الدولة ومواطنيها و مواطناتها. وكل من تابع هذا المسار، يدرك جيدا لماذا لا يزال المعتقلون في السجن، ويدرك أيضا لماذا سيبقون رموزا حقيقية لمغرب اليوم: مغرب المقاومة، والصمود، والكرامة، والحرية.
و لا تنسوا ان الافراج عن معتقلي حراك الريف هو الموضوع …
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

