قيم هذا المقال
شباب الريف الحسيمي يعبّر عن أسفه ويشيد بجهود مكونات الفريق (0)
الحسيمة.. سرقة الكهرباء يقود عدد من الاشخاص الى المحاكمة (0)
تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوى منذ مارس بعد الاتفاق الامريكي الايراني (0)
لأول مرة.. ميناء موتريل يعتمد نظام التعرف على الوجه بدل ختم الجوازات (0)
فتح مؤقت للحدود المغربية الجزائرية لتسليم دفعة جديدة من المهاجرين المغاربة (0)
انخفاض في أسعار المحروقات بالمغرب تزامنا مع الاتفاق الأمريكي الإيراني (0)
المرتضى إعمراشا يكتب : بين ذاكرة الستر وسوق الفضائح
بقلم: المرتضى إعمراشا
وقف الامبراطور الروماني نيرون ذات يوم في شرفة قصره يتمتع برؤية روما وهي تحترق ، وكان يقف الى جانبه مرافقه الفيلسوف زينون. فسأله نيرون كيف وجد منظر روما وهي تحترق فقال له الفيلسوف: (إذا احترقت روما فسيأتي من يعيد بناءها، ولربما أتى البناء الجديد بأحسن مما كانت عليه، لكن الذي يحز في نفسي هو أنني أعلم أنك فرضت على شعبك تعلم شعر رديء فقتلت فيهم المعاني . وهيهات إذا ماتت المعاني في شعب أن يأتي من يحييها فيه من جديد).
هذا ما يحدث الآن، في غفلة من وعينا الجمعي، وبشكل شبه يومي؛ يكفي أن تفتح هاتفاً ذكياً وتلج إحدى منصات البث المباشر، لتجد أمامك شاشات صغيرة متجاورة، يرتفع منها صراخ وضجيج وتبادل اتهامات، يشارك فيها أبناء وبنات من الريف، بعضهم يتحدث من شقة باردة في أنتويرب أو أمستردام، وبعضهم الآخر من مقهى في الناظور أو الحسيمة، في مشهد سريالي يُعرض فيه مستور العائلات، وتُنشر فيه جراح البيوت والخلافات الشخصية الأكثر حميمية أمام آلاف المتابعين، الذين يوزعون "اللايكات" والتفاعلات بنهم لا ينتهي.
هذا المشهد، الذي بات مألوفاً برغم قسوته، لم يكن ممكناً مجرد تخيله قبل عقدين من الزمن، فالأمر هنا لا يتعلق بمجرد سوء استعمال لتكنولوجيا طارئة، أو بظاهرة تقنية عابرة يمكن حلها بـ "بلوك" أو إغلاق حساب، بل نحن أمام زلزال صامت يضرب أعمق نقطة في كيان المجتمع الريفي، ويطرح سؤالاً مصيرياً لا مفر من مواجهته: كيف انتقل هذا المجتمع، الذي عُرف تاريخياً بصلابة منظومته الأخلاقية وتحصينه الشديد لـ "الحرمة" والوقار، إلى مساحة مستباحة يتاجر فيها البعض بالفضيحة، ويتحول فيها ما كان يُعد بالأمس خطيئة وجودية تستوجب الخجل والتواري، إلى بضاعة رائجة في سوق الفرجة الرقمية؟
دعونا نتخلى عن تلك الرومانسية الزائدة التي تمجد الماضي وتصوره كفردوس مفقود، فالمجتمع الريفي القديم، في الدوار والجبل، لم يكن مجتمعاً من القديسين؛ كانت فيه صراعات عائلية مريرة، وضغائن، وقسوة، ومشكلات مرتبطة بالفقر والعزلة والجهل، لكن الفارق الجوهري والعميق بين الأمس واليوم يكمن في وجود "كوابح أخلاقية صلبة" وسلطة ردع رمزي لا يمكن لأي فرد الانفلات منها. كانت جغرافيا الدوار والمجالس العائلية المباشرة تفرض نوعاً من الرقابة الأخلاقية الصارمة، حيث السمعة هي الرأسمال الوحيد للكائن، والكلمة لها هيبة المواثيق؛ وكان "الستر" بمثابة العقد غير المكتوب الذي يحمي السلم الأهلي، فإذا وقعت عثرة أو نزاع، كان طوق العائلة أو الجوار يتدخل لإخماد النار وتغطية الجرح، لا خوفاً من الحقيقة، بل احتراماً لحرمة الإنسان وصوناً لحياء المجال المشترك.
ما الذي تغير إذن؟
التحول لم يبدأ من شاشة الهاتف، بل من تفكك النسيج البشري نفسه، فعلى مدى العقود الأخيرة، عاش الريف نزيفاً ديموغرافياً حاداً وموجات هجرة كاسحة نحو أوروبا ونحو الحواضر المغربية الكبرى، وهو ما أدى إلى اقتلاع أعداد هائلة من الأفراد من بيئتهم الحاضنة، وفي الشتات والمنافي، حيث تذوب الروابط التقليدية وتطغى الفردانية، وجد الكثير من أبناء الهجرة أنفسهم يعيشون فراغاً فكرياً ونفسياً قاتلاً، واغتراباً مستمراً يستجدي الانتباه والاعتراف داخل مجتمعات لا تراهم إلا على الهامش، وفي غياب مؤسسات ثقافية رصينة ومشاريع فكرية جادة تستوعب هذا القلق الوجودي وتمنح الحياة معنى، تحولت المنصات الرقمية إلى "ساحة بديلة" لإثبات الذات وتحقيق الحضور، وحين التقت هذه الهشاشة النفسية للمغترب مع آليات "اقتصاد المنصات" التي تكافئ الإثارة والصدمة وتدفع بالفضائح إلى الواجهة لأنها تجلب أعلى نسب المشاهدة وتدر عائداً مالياً، سقطت الكوابح وتراجعت سلطة الضمير، ليصبح نبش أسرار الآخرين وتشويه السمعة طريقاً سريعاً ومبتذلاً لنيل الشهرة والمال الوهميين.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في هؤلاء الأقلية الذين يمارسون التشهير والابتزاز الرقمي، بل في "جمهور الفرجة" بشراهته المخيفة في استهلاك الفضائح، فالمرء يصاب بذهول بارد وهو يرى تلك البثوث المباشرة التي تفتقر لأي قيمة معرفية أو أخلاقية تستقطب آلاف المتابعين، بينما تُخنق المبادرات الثقافية والآداب الجادة في المهد لعدم وجود تفاعل. هذا الجمهور، الذي يسهم بإعجابه ومشاركته وصمته في إبقاء سوق الفضائح رابحة، يمارس تواطؤاً مضمراً يعكس أزمة قيم مستفحلة؛ لقد أصبحت عورات الناس وسيلة للترفيه والتسلية العابرة، وتلاشت قيمة الجوار والأمان الثقافي التي كانت تجعل من سمة أي فرد في المنطقة جزءاً من كرامة الجماعة كلها.
المشكلة إذن ليست تقنية، بل هي أزمة ضمير ومعنى، وفقدان للإرث الأخلاقي الحقيقي الذي يمكنه الإجابة عن أسئلة الراهن، فالريف الذي صمد عبر تاريخه الطويل أمام الحصار والحروب بفضل تماسك جبهته الداخلية ونبل قيمه، يواجه اليوم خطراً ينبع من أحشائه؛ خطر ينزع الحياء الرمزي من النفوس ويحول الإنسان من كائن أخلاقي مستخلف إلى مجرد مستهلك منفعل في مسرح الفضيحة الكونية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الفقر، ولا التهميش التنموي، ولا نزيف الهجرة، فكل هذه الانكسارات المادية يمكن للزمن والسياسات تصحيحها؛ بل الخطر الحقيقي يكمن في أن يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تجاه كرامة الإنسان، وأن يصبح ما كان يثير الخجل بالأمس مادة للترفيه اليوم.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

