قيم هذا المقال
شباب الريف الحسيمي يعبّر عن أسفه ويشيد بجهود مكونات الفريق (0)
الحسيمة.. سرقة الكهرباء يقود عدد من الاشخاص الى المحاكمة (0)
تراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوى منذ مارس بعد الاتفاق الامريكي الايراني (0)
لأول مرة.. ميناء موتريل يعتمد نظام التعرف على الوجه بدل ختم الجوازات (0)
فتح مؤقت للحدود المغربية الجزائرية لتسليم دفعة جديدة من المهاجرين المغاربة (0)
انخفاض في أسعار المحروقات بالمغرب تزامنا مع الاتفاق الأمريكي الإيراني (0)
شهادة في حق مركز الذاكرة المشتركة بمناسبة تتويجه بجائزة ابن رشد للوئام
تقديم
في سياق الاحتفاء بالمبادرات المدنية والثقافية التي جعلت من الذاكرة جسراً للمصالحة، ومن الثقافة أداةً للحوار، ومن حقوق الإنسان أفقاً للعمل المشترك بين الشعوب، حظي مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بتتويج دولي مرموق تمثل في نيله جائزة ابن رشد للوئام لسنة 2026 بمدينة قرطبة الإسبانية.
وبهذه المناسبة، قدمت الباحثة الأنثروبولوجية المكسيكية الإسبانية ساندرا روخو فلوريس شهادة تكريمية استعرضت فيها تجربة المركز ومساره الممتد لأكثر من عقدين في خدمة قضايا الذاكرة والعدالة الانتقالية والديمقراطية والسلم. وقد توقفت عند أبرز مبادراته ومشاريعه الدولية، وفي مقدمتها المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور والجائزة الدولية “الذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم”، كما أبرزت الأدوار التي اضطلع بها المركز في تعزيز الدبلوماسية الثقافية وبناء جسور الحوار بين المغرب ومحيطه المتوسطي والإفريقي والإيبيرو-أمريكي.
وتكتسي هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن باحثة متخصصة في الأنثروبولوجيا الثقافية، ما يمنحها قيمة معرفية وأكاديمية تتجاوز بعدها الاحتفائي، لتشكل قراءة موضوعية في تجربة مدنية أصبحت مرجعاً في مجالات الذاكرة المشتركة وحقوق الإنسان والحوار بين الثقافات.
وفي ما يلي النص الكامل للشهادة التكريمية التي ألقتها الباحثة ساندرا روخو فلوريس خلال حفل تسليم جائزة ابن رشد للوئام 2026 بجامعة قرطبة.
⸻
الشهادة التكريمية
السيدات والسادة،
أصحاب المعالي والسعادة،
ممثلو الأوساط الأكاديمية والثقافية والمدنية،
أصدقاء الوئام بين الشعوب،
يشرفني أن أتناول الكلمة اليوم لتكريم مؤسسة جعلت، على امتداد عشرين عاماً كاملة، من الذاكرة والديمقراطية والسلم ليس مجرد قيم تتغنى بها، بل ممارسة يومية ثابتة وشجاعة ومؤثرة في الواقع. إنها مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بالمغرب.
إننا أمام واحدة من أهم التجارب المدنية والثقافية التي عرفها الضاء المتوسطي المعاصر. مؤسسة أدركت أن الذاكرة لا ينبغي أن تُستخدم لإحياء الأحقاد، بل لبناء المصالحة؛ وأن الديمقراطية لا يمكن أن تختزل في المؤسسات وحدها، بل تحتاج إلى الثقافة والفكر النقدي والمواطنة الفاعلة؛ وأن السلم ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور فعلي للعدالة والكرامة الإنسانية والحوار بين الشعوب.
نعيش اليوم في زمن تطبعه الحروب والتطرف والتعصب والاستقطابات الهوياتية الحادة. ومنذ تأسيسه، ظل المركز يدافع بإصرار عن رؤية إنسانية عميقة للعالم، تقوم على اللقاء والاعتراف بالآخر وبناء فضاءات مشتركة للتعايش.
ولهذا أصبح مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم مرجعاً دولياً في مجالي الدبلوماسية الثقافية وحقوق الإنسان.
ومن أبرز تجليات هذا العمل المتميز المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة بالناظور الذي يبلغ اليوم دورته الخامسة عشرة.
خمسة عشر عاماً جعل فيها من السينما لغةً عالمية للذاكرة والتعايش والدفاع عن القيم الإنسانية.
خمسة عشر عاماً جمع فيها بمدينة الناظور مفكرين ومخرجين وفنانين وحقوقيين وأكاديميين من مختلف القارات.
خمسة عشر عاماً أثبت خلالها أن الثقافة يمكن أن تكون أداةً لصناعة السلام.
ولم يكن المهرجان مجرد تظاهرة سينمائية كبرى، بل تحول إلى فضاء استثنائي للتأمل والحوار، حيث تتلاقى الذاكرات وتتفاعل التجارب، وتتحول الجراح التاريخية إلى جسور للتفاهم.
وبفضل هذا المهرجان، أصبحت مدينة الناظور والمغرب فضاءً دولياً للنقاش حول العدالة الانتقالية والذاكرة التاريخية وحقوق الإنسان والتعايش بين الثقافات.
وإلى جانب المهرجان، أطلق المركز مبادرة أخرى ذات أهمية كبرى، هي الجائزة الدولية “الذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم”.
فمنذ إحداثها سنة 2016، أصبحت هذه الجائزة واحدة من أبرز المنصات الدولية للاعتراف بالشخصيات والمؤسسات التي تعمل من أجل المصالحة وحقوق الإنسان والتفاهم بين الشعوب والثقافات.
إنها ليست جائزة رمزية أو بروتوكولية فحسب، بل إعلان أخلاقي وقيمي. فمن خلالها يكرم المركز شخصيات ومؤسسات تجسد مساراتها القيم الكونية للكرامة الإنسانية والتسامح والديمقراطية والسلام.
ويكفي الاطلاع على قائمة المتوجين بها لإدراك مكانتها الدولية.
فمن بين المكرمين:
الرئيس الكولومبي الأسبق والحائز على جائزة نوبل للسلام خوان مانويل سانتوس؛
ورئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو؛
والنقابي التونسي والحائز على جائزة نوبل للسلام حسين العباسي؛
والسياسية الفرنسية المغربية نجاة بلقاسم؛
ومؤسسة الثقافات الثلاث للمتوسط؛
وعائشة الخطابي ابنة القائد التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي.
كما تم تكريم المصور البرازيلي العالمي سيباستياو سالغادو، والناشطة البيئية ليليا وانيك، إلى جانب مؤسسات ملتزمة بالعدالة المناخية وحقوق الإنسان.
وفي الدورة الأخيرة، مُنحت الجائزة للمستشار الملكي المغربي عمر عزيمان، أحد أبرز مهندسي تجربة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، وإلى جانبه الشاعرة والمفكرة الكويتية سمو الأميرة سعاد الصباح.
ومن خلال هذه اللمحات الموجزة من العمل الكبير الذي راكمه المركز، يتضح أنه نجح في بناء شبكة دولية من الفكر والثقافة والالتزام الإنساني تربط المغرب بأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والفضاء المتوسطي.
غير أن أية مؤسسة عظيمة لا تقوم إلا بالنساء والرجال الذين يصنعونها.
وفي حالة مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، لا بد من الإشادة بالشخصيات التي طبعت مساره الفكري والأخلاقي، وفي مقدمتها:
عبد السلام بوطيب، وعبد السلام الصديقي، ومحمد النشناش.
لقد كان عبد السلام بوطيب من أكثر الشخصيات إدراكاً للقيمة الاستراتيجية للذاكرة المشتركة وللدبلوماسية الثقافية. فمنذ سنوات طويلة وهو يعمل بلا كلل من أجل جعل الحوار بين الثقافات أداةً عملية للتعايش والمصالحة.
وبفضل جهوده، لم يكتف المركز بترسيخ المهرجان الدولي للسينما والذاكرة المشتركة، بل نجح أيضاً في نقل رؤية متوسطية وإنسانية لحقوق الإنسان عبر مختلف مبادراته.
لقد دافع دائماً عن فكرة أساسية مفادها أن الذاكرة ينبغي أن تسهم في بناء المواطنة الديمقراطية، وهي الفلسفة التي وجهت مختلف أعمال المركز وأنشطته.
أما عبد السلام الصديقي، الاقتصادي والمفكر ووزير التشغيل الأسبق، فقد منح للمركز بعداً استراتيجياً وفكرياً بالغ الأهمية، وظلت مسيرته مرتبطة بالدفاع عن العدالة الاجتماعية والحوار الديمقراطي وتحديث الفكر السياسي المغربي.
ومن جهته، يمثل محمد النشناش أحد أبرز رموز الحركة الحقوقية المغربية. فقد كرّس حياته للدفاع عن الحقوق الأساسية، وكان من مؤسسي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، كما كان عضواً في هيئة الإنصاف والمصالحة.
إن اجتماع هذه الأسماء في تأسيس المركز وتطويره يفسر إلى حد بعيد خصوصية هذه المؤسسة التي ولدت من تجربة تاريخية وفكرية وإنسانية مرتبطة بالنضال الديمقراطي والمصالحة وبناء مستقبل مشترك بين الشعوب والذاكرات.
ولهذا كله يستحق مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، بكل جدارة، جائزة ابن رشد للوئام لسنة 2026.
لأن وراء هذه المؤسسة جيلاً من النساء والرجال الذين فهموا أن السلام لا يُمنح بل يُبنى.
وأن الديمقراطية لا تُرتجل بل تُربّى عليها الأجيال.
وأن الذاكرة لا ينبغي أن تفرق بين الشعوب، بل أن تساعدها على الاعتراف المتبادل بإنسانيتها المشتركة.
كما يستحق التقدير أعضاء المركز المنتخبون خلال آخر جمع عام:
خالد بن التهامي، المؤسس وأمين المال؛
زبيدة الفاتحي، المكلفة بالعلاقات المؤسساتية؛
عبد العزيز قوقاس، المسؤول عن التواصل والإعلام؛
نادية لمهيدي وأز العرب القرشي، اللذان يضطلعان بأدوار أساسية في البعد الأكاديمي والعلمي للمركز؛
عبد الرحيم لقبيدة، المسؤول عن الجانب اللوجستي؛
وأحمد سعيد القادري، المكلف بالتقوية المؤسساتية والمواكبة الدولية للمهرجان.
إنهم جميعاً يمثلون جيلاً من بناة الجسور المؤمنين بأن البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يكون فضاءً للقاء لا للفصل.
فهذا التكريم يجسد الوئام بين الثقافات، وقليل من المؤسسات اليوم يجسد هذا الوئام العملي والملموس كما يجسده مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم.
إنه يستحقه لأنه جعل من الذاكرة أداةً للمصالحة.
ويستحقه لأنه دافع عن الديمقراطية من خلال الثقافة والفكر.
ويستحقه لأنه عمل من أجل السلام عبر الحوار والاحترام المتبادل.
ويستحقه لأنه جعل من الدبلوماسية الثقافية أداةً حقيقية للتقارب بين الأندلس والمغرب وأوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إن اسم ابن رشد يرمز إلى العقل والانفتاح الفكري واللقاء بين الحضارات، وهي القيم نفسها التي تتجسد اليوم في العمل اليومي لمركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم.
فحيث يقيم البعض الجدران، اختار المركز بناء الجسور.
وحيث يغذي البعض الخوف والانقسام، اختار نشر المعرفة المتبادلة والتعايش.
وحيث تُستخدم الذاكرة أحياناً لإثارة الصراعات، جعلها المركز وسيلة للشفاء والمصالحة والتقارب.
ولهذا السبب العميق نستحق اليوم أن نحتفي بهذه المؤسسة.
لأن مؤسسات من هذا النوع تذكرنا بأن الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يزال ممكناً من خلال الثقافة والحوار والأمل.
شكراً جزيلاً.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

