English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | سياسة | مرتضى اعمراشا يكتب : ماذا خسر المغرب بانحطاط الريف؟

مرتضى اعمراشا يكتب : ماذا خسر المغرب بانحطاط الريف؟

مرتضى اعمراشا يكتب : ماذا خسر المغرب بانحطاط الريف؟

 بقلم: المرتضى إعمراشا

حين أصدر المفكر الهندي أبو الحسن الندوي كتابه المرجعي الشهير "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، لم يكن يبتغي مجرد البكاء على أطلال مجد غابر، أو رصد تراجع رقعة جغرافية وسياسية بعينها، بل كان يستشرف بعبقرية نادرة عمق الرزء النسقي الخفي الذي يحل بالبشرية برمتها حين تخبو جذوة الروح في منبع من منابع حراستها الأخلاقية والوجودية؛ فالانحطاط في وعي الندوي ليس نقصاً في العتاد ولا تراجعاً في مظاهر العمران المادي، بل هو تبدل في ميزان القيم، وعجز الحارس التاريخي عن إمداد المجموع البشري بطاقة التزكية والأنفة. وعلى هدي هذه المشكاة الفكرية العميقة، يبدو التساؤل حول المسألة الترابية والامتدادات المجالية داخل الكيان المغربي الجامع ملحاً بأسئلة المعنى لا بأرقام المادة؛ إذ إن مقاربة واقع "الريف المغربي" من خلال حصر كينونته في أرقام إحصائية صامتة، أو مؤشرات استهلاك عابرة، أو بنى تحتية إجرائية جافة، تسقط الوعي الوطني في حمأة الاختزالية السلوكية، وتغفل أن خسارة المغرب بانحطاط الريف ليست خسارة مجال طبوغرافي محصن بالمرتفعات، بل هي رزء وطني نسقي أحدث خللاً عميقاً في الميزان الأخلاقي والروحي للبلاد كلها، بعد أن ضعف ذلك الرافد العتيق الذي ساهم تاريخياً في بناء الشخصية المغربية وصونها من عوادي السيولة والابتذال.

إن فهم كنه هذه الخسارة المشتركة يتطلب بالضرورة انتشال الريف من التعريفات الإدارية الضيقة، وإعادة وضعه في مقامه الفلسفي الأصيل بوصفه "وظيفة حضارية حارسة" تلعب دور صمام الأمان والعمود الخفي في البنية الكلية للذات المغربية؛ فالشعوب والأمم الكبرى لا تحيا بالخبز وحده ولا تستقر بالوفرة المادية الصرفة، بل تتنفس بالمعاني التي تختزنها أطرافها وهوامشها الحية. لقد كان الريف يمثل تاريخياً نموذجاً للعمران البشري الصلب، القائم على خشونة العيش وكدح الأرض البكر، وهو ما جعل منه عبر العصور بمثابة قوة تصحيحية وتوازن خفي يعادل ترهل الحواضر الداخلية وسيولة السهول النفعية كلما أصابها التحلل والدعة. وحين يصاب هذا الثغر الحصين بالبلاء الائتماني والضمور القيمي، فإن المغرب ككل يفقد مرجعيته التقويمية الحية، ويتحول المجال الذي كان يمثل آلية تنبيه أخلاقي دائمة تذكر المجموع بجذور الميثاق الفطري الأول، إلى محاكاة مشوهة لقيم الاستهلاك المائعة، مما يترك الجسد الوطني كله مكشوفاً بالكامل أمام رياح الاستلاب المعولم دون حصن رمزي يلوذ إليه الوعي لاستعادة عنفوانه الحضاري وطهارته الأصيلة.

هذه الوظيفة الرمزية الحارسة لم تكن ترفاً نظرياً، بل نسجتها وقائع السرد التاريخي الهادئ في محطات كبرى شكلت وعي السيادة والكرامة في الوجدان المغربي؛ حيث تكشف العودة إلى القرون الأولى للهجرة، وتحديداً عند استنطاق جغرافية "إمارة نكور" في الشمال، عن التأسيس العمراني والروحي الأول للأمانة والميثاق، إذ مثلت هذه الإمارة منارة مبكرة استطاعت المزاوجة بين الاستقلالية المجالية الذاتية والاندماج العضوي الموصول بالثوابت الجامعة للأمة، مشكلة نمطاً من العمران الأخلاقي الذي ترفع عن مركزية الحواضر دون أن ينفصل عن روح الملة. ومع الانتقال إلى تدافع العصور الوسطى، تبرز أنثروبولوجيا العيش في المرافئ المتوسطية التي وثقتها المصادر المرجعية، لتظهر كيف تحول الريف في محطات مواجهة التحرشات الخارجية إلى تجمع مرابط يزكي قيم الشهادة والمجاهدة، ويمد الدولة المركزية بالمدد البشري كلما أصاب مراكزها العمرانية التراخي. ليتوج هذا التراكم الشاهدي في التاريخ الحديث داخل مختبر المقاومة الريفية الملحمي بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهي التجربة الفذة التي رفعت مجتمع الكفاف والكدح، المحاصر بالآلة الاستعمارية الحديثة، إلى رتبة التجلي العيني للعقل المسدد القائم على الاعتماد الذاتي والترفع عن الاستجداء؛ وحين خفت هذا الدور التاريخي العظيم، خسر المغرب جزءاً حيوياً من ذاكرته الحركية، وحُرم الوعي الوطني من ذلك النموذج الحي الذي كان يبرهن واقعياً على أن الحرية والسيادة تصنعهما الصلابة النفسية قبل الوفرة المادية.

ولم تكن تلك الانتصارات التاريخية إلا ثمرة طبيعية لخزان أخلاقي متين صاغ علاقة إنسان الريف بالوجود، وهي علاقة تجلت أسمى مظاهرها في الارتباط الحميمي بالأرض؛ فالأرض في هذا السياق الرمزي لم تكن يوماً عقاراً للاستغلال النفعي أو مساحة للمراكمة المالية الصامتة، بل كانت مستودعاً للأمانة الإلهية يرتبط صونها بصون العِرض وحفظ هيبة الكينونة الباطنية. من قساوة الجغرافيا وتطويع الصخر تولدت قيم الكدح الصارم والصبر الطويل والأنفة التي تأبى العيش على الهامش أو قبول الفتات، وفي كنف هذا العمران البدوي الخشن اكتسبت "الكلمة" قيمتها المطلقة وصارت بمثابة العهد الغليظ الذي يعلو فوق العقود المكتوبة والمصالح المؤقتة، لأن الوفاء بالالتزام كان يمثل الحارس الوحيد لشرف الذات. لقد كان المغرب كله يستمد من هذه المنظومة القيمية الصلبة توازنه الداخلي؛ إذ كانت تلك الخشونة تضبط إيقاع الهوية الوطنية وتكبح جماح المادية الجارفة التي تصيب مجتمعات الرفاه، وحين ينحط هذا الخزان الروحي، يفقد المغرب ذلك النموذج المتعفف الكادح الذي كان وجوده يمثل إحراجاً لزمن السيولة والنفعية الضيقة.

بيد أن عقود التحولات الحديثة المتسارعة قد أحدثت تصدعاً عميقاً في بنية هذا العمران الإنتاجي التقليدي، حيث تم تقويض اقتصاد الكدح والاعتماد على النفس ليحل محله اقتصاد الريع والانتظارية والاتكال على الهامش؛ فبعد أن تميز الريف تاريخياً بنمط معيشي صارم يحول المدر والخراب إلى مدرجات زراعية حية تشهد على تواصل الإنسان الأخلاقي مع أرضه عبر طقس العمل التزكوي، أدت السياسات الترابية الجافة والتحولات السوسيو-اقتصادية العميقة إلى تفكيك البنية القبلية والاجتماعية الراسخة. ونتج عن ذلك انسلال العقل المسدد من التنظيم المعيشي اليومي، ليحل محله الائتمار المعيشي الخارجي القائم على ريع التحويلات المالية الخارجية والتجارة غير المنظمة العابرة للحدود، فتحول إنسان الريف من منتج يكتفي بذاته ويحمي أنفته بكدحه، إلى مستهلك ينتظر ما تجود به شبكات الأسواق العولمية. هذه الخسارة الرمزية والثقافية لم تكن محصورة في حدود المجال الريفي وحده، بل كانت خسارة للمغرب برمته؛ إذ إن تقويض ركائز الاستقلالية الاقتصادية المعيشية عنى بالضرورة تراجع طاقة الكرامة المادية التي كانت تسند مواقف السيادة في الوعي الجماعي للبلاد.

تلازم هذا الانحلال المعيشي مع نزيف ديموغرافي حاد تمثل في موجات الهجرة الجماعية المتلاحقة نحو الحواضر الكبرى ونحو الشتات الأوروبي، وهي الظاهرة التي تجاوزت في عمقها فكرة الانتقال الجغرافي للأفراد بحثاً عن فرص الشغل، لتغدو عملية اقتلاع للفطرة وتجفيفاً منبتاً لقيم المجال الروحية؛ فلقد كان الريف يقوم على آلية معقدة وصارمة للنقل الائتماني والأخلاقي بين الأجيال داخل كنف الأسرة الممتدة المتضامنة، ومع إفراغ المداشر من طاقاتها الحية، حدث انقطاع حاد في هذه السلسلة التزكوية الحية. إن زرع الإنسان الريفي في سياقات الشتات المعطل أو غيتوهات الهامش الحضري حوّل طاقته الوجودية من فعل الشهادة والسيادة إلى محاولات مضنية للتكيف مع منظومات قيمية تقوم على الفردانية والاستهلاك الشره، لتخسر الأمة المغربية بذلك الذاكرة الائتمانية الحية لهذا الإقليم، بعد أن باتت صلة الأجيال الجديدة بأرض أجدادها صلة موسمية سياحية مقطوعة عن كدح المجاهدة الأصيل، مما جعل الهجرة أداة لتفكيك البنية الأخلاقية للوطن بدل أن تكون وسيلة لامتداده الحضاري.

ويتضاعف عمق هذه الخسارة الثقافية والوجودية حين نتأمل الضمور الإدراكي واللساني الذي يمس لغة "تاريفيت" في عقودها الأخيرة؛ فاللسان في الفلسفة الائتمانية والوعي الحضاري ليس مجرد أداة للتواصل الإجرائي النفعي أو وسيلة لنقل المصالح اليومية العابرة، بل هو وعاء الأمانة الروحية وحارس الحياء الفطري المودع في وعي الجماعة. يمثل هذا اللسان بنية إدراكية فريدة صاغت علاقة الإنسان بالكون والخالق عبر قرون من الكدح والمجاهدة، وتحمل ألفاظه المفتاحية كثافة مفهومية لا يمكن نقلها بالحرف أو ترجمتها في قوالب جافة؛ فحين يُستدعى لفظ يشير إلى الشجاعة في هذا اللسان، فإنه لا يحيل على القوة البدنية المجردة، بل على تلك القوة الأخلاقية الموصولة برعاية الحرمات وصون الميثاق وحماية الضعيف في أوقات الشدة، وحين ينطق بلفظ يعبر عن الحكمة والرزانة، فإنه يعكس ذلك التعقل العملي المسدد الذي يدبر به الشيوخ شؤون الجماعة بعيداً عن أهواء النفس المسترسلة. وتكمن خطورة هذا الضمور اللساني المعاصر في الانطفاء الإدراكي الكامل لسياق وجودي صان الحياء والستر لقرون؛ فعندما تتراجع الكلمة الملتزمة لصالح العبارات الاستهلاكية المائعة، يفقد الإنسان قدرته على تسمية الأشياء بأسمائها الأخلاقية الأصيلة، ويحرم الكيان المغربي الجامع من تمايزه الوجودي الخلاّق ومناعته الثقافية ضد النمذجة العولمية الجافة التي تجعل الألسن كلها تنطق بلسان نفعي واحد ومجرد من الروح.

هذا الانكشاف الثقافي واللساني وجد ذروته القصوى مع دخول الثورة الرقمية واجتياح منصات التواصل الاجتماعي لأعمق مداشر الريف المعتكفة، حيث أحدث هذا الاختراق الشبكي المعاصر انقلاباً جذرياً في الكينونة الأخلاقية للمجال، ناقلاً المجتمع من "رتبة الستر والتعفف" إلى "ثقافة الاستعراض والفرجة"؛ فلقد كان إنسان الريف التقليدي يمثل رتبة المؤتمن المستور، حيث العيش خلف جدران الحياء الصارمة وفي كنف الأسرة المصونة يفرض نوعاً من الستر الوجودي النابع من باطن الالتزام بالتقوى والتعفف، دون حاجة إلى العرض أو البحث عن الإشادة الخارجية. أما الاختراق الرقمي المعاصر، بما يحمله من استعباد خفي وإملاءات خوارزمية تسير الوعي من وراء البحار، فقد حوّل الفرد من ذات فاعلة ممتلئة بالنية والستر إلى مأمور مستعرض يخضع لثقافة البحث عن الإثارة الزائفة، مما ساهم في تحطيم حصن الحياء التقليدي، وتحويل البيوت المستورة والحرمات التاريخية إلى مواد استهلاكية معروضة للعموم على شاشات الهواتف من أجل كسب سريع مقطوع عن عرق الجبين وكدح الأرض. هذا التبدل أحدث خسارة كبرى في صورة الإنسان المغربي عن نفسه وعن مجاله، حيث تآكلت الحرية الباطنية والسيادة الأخلاقية لصالح قيم السيولة والاستهلاك التي تبتذل الكائن البشري وتحوله إلى زبون رقمي دائم يبحث عن الوفرة المادية السريعة ولو على حساب الميثاق والستر.

إن هذا التدهور الرمزي والبلاء الائتماني المتشابك يستلزم الدخول في مناقشة نقدية هادئة وعميقة للرؤية التنموية الحديثة التي سادت في العقود الأخيرة، والتي اختزلت النهوض بالأقاليم والهوامش في المؤشرات الاقتصادية الجافة والمشاريع المادية الصامتة؛ فالأطروحات الحداثية الميكانيكية ترنو واهمة أن شق الطرق واختراق الإسمنت للمجال وتشييد البنايات الصامتة هو غاية الوجود العمراني وغاية التنمية، مغفلة أن الإنسان هو جوهر هذا الوجود وحارس معناه، وأن تحديث البنى التحتية الإجرائية مع ترك البنى الأخلاقية والروحية للتآكل والذوبان ليس تقدماً بل هو إفلاس حضاري ويحدث تشوهاً هوياتياً كبيراً. إن خسارة المغرب الحقيقية لا يمكن أن تقاس بالأرقام والنسب المئوية وحدها، بل بما يتآكل من معانيه العميقة وصمامات أمانه الروحية؛ فحداثة البناء مع انحطاط القيم تعني فقدان آلية التنبيه الأخلاقي الحية، وتحويل المجالات التاريخية النابضة بالقيم إلى مساحات صامتة تخضع لمنطق السوق والمضاربة، مجردة من ذلك العقل العملي المسدد الذي يزاوج بين الفكر والعمل وبين الجهد والأخلاق.

إن انحطاط الريف وتراجع دوره الرمزي والأخلاقي والتاريخي داخل الوعي الوطني ليس مجرد شأن إقليمي خاص أو معضلة ترابية محصورة في الشمال، بل هو نذير رزء نسقي يصيب الكيان المغربي برمته؛ فعندما تفقد الأمة حصونها الرمزية التي كانت تعادل ترهل الحواضر وسيولة السهول، يصبح الجسد الوطني كله مكشوفاً بالكامل أمام رياح التحلل القيمي المعولم دون سند يلوذ إليه الوعي لاستعادة طهارته الفطرية وعنفوانه الحضاري. إن علاج هذا البلاء الائتماني لا يكون بقرارات إدارية فوقية أو حلول تقنية مبتذلة، بل بانتفاضة وعي وطني شامل يعيد الاعتبار لعلو المعاني وسمو الميثاق الروحي على حساب نفعية المادة الصامتة والسيولة الرقمية الجارفة، واضعاً الوعي العام أمام سؤاله الميثاقي الكبير والمفتوح:

فهل تستطيع أمة من الأمم أن تحافظ على توازنها الحضاري وسيادتها الروحية الممتدة إذا هي سمحت بتآكل روافد شهادتها الكبرى واحداً تلو الآخر، وظنت أن تشييد البنيات المادية الصامتة يغنيها عن صون الإنسان المؤتمن المستور؟ وما الذي يتبقى من روح المغرب وجوهره الأصيل حين يخسر الريف بوصفه معنى وقيمة ووظيفة أخلاقية حارسة، قبل أن يكون مجرد حيز جغرافي على الخارطة الترابية؟ تظل الإجابة مشروطة شرطاً مطلقاً بقدرة الأمة على حراسة تنوع مصادرها الأخلاقية الفطرية، وتجديد عهود ميثاقها الأصيل، ليبقى كل رافد من روافدها الخفية حياً، نابضاً، وشاهداً بالحق في مسيرة الوجود.

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media