رقصاتُ الريف في دفاتر كولونيل إسباني.. أرشيفٌ ثمينٌ بعدسةٍ كولونيالية
بقلم فكري سوسان
في أربعينيات القرن الماضي دوّن ضابطٌ إسباني رقصاتِ الريف وأغانيه بالرسم والنوتة والكلمة.
نقرأ اليوم سجلّه النادر بامتنانٍ وحذرٍ معاً: نأخذ منه ما حفظ، ونردّ عليه عدسته.
Emilio Blanco Izaga
لو أراد شخصٌ أن يكتب تاريخ الريف، فهل يبدأ بالمعارك أم بالرقصات؟
قد يبدو السؤال غريباً. فالريف، في المخيال المغربي والإسباني معاً، ارتبط طويلاً بالحرب أكثر مما ارتبط بالاحتفال؛ ارتبط بأنوال وعبد الكريم الخطابي والمقاومة أكثر مما ارتبط بالأغنية والدفّ والرقصة الجماعية. لكن المجتمعات لا تُعرَف فقط بما خاضته من حروب، بل أيضاً بالطريقة التي احتفلت بها، وغنّت بها، وبنت بها ذاكرتها اليومية. ففي تلك التفاصيل التي تبدو هامشية أحياناً تختبئ تصورات الناس عن الجماعة والسلطة والكرامة والانتماء.
من هذه الزاوية تحديداً تكتسب أعمال الكولونيل الإسباني إيميليو بلانكو إيثاغا (Emilio Blanco Izaga) أهمية استثنائية. ففي أربعينيات القرن الماضي نشر سلسلة من الدراسات بعنوان «الرقصات الريفية (Las danzas rifeñas) في مجلة »ا« África ، التي كانت تصدر في مدريد، وتُعد من أهم المنشورات الاستعمارية الإسبانية، حيث كانت موجَّهة إلى الضباط والموظفين الإداريين في المغرب، وتجمع بين التقارير العسكرية والملاحظات الإثنوغرافية. وقد صدرت مقالات إيثاغا في الأعداد 55 يوليو 1946، و56-57 أغسطس-سبتمبر 1946، و 59-60 نوفمبر-ديسمبر . 1946 والمفارقة أن واحداً من أغنى الأرشيفات التي وصلتنا عن الرقص والغناء التقليديين في الريف لم يأتِ من أبناء المنطقة أنفسهم، بل من دفتر ضابطٍ في جيش الاحتلال.
ولم يكن إيثاغا ضابطاً عادياً. فهو من قدامى المحاربين في حملة 1909-1913، وحصل على الميدالية العسكرية الفردية عام 1915. وفي عام 1927، كان متمركزاً في التدخلات العسكرية بتطوان، وبعد عامين انتقل إلى الريف. أمضى معظم حياته النشطة في المغرب، متنقلاً بين قبائل غمارة، وصنهاجة، وبني عمارت، وبقوية، وبني ورياغل، قبل أن يصبح مندوباً للشؤون الأهلية في مندوبية المقيم العام. ولم يغادر المغرب إلا لبضعة أشهر عندما عُيّن أميناً عاماً لحكومة الأراضي الإسبانية في خليج غينيا. توفي في سبتة عام 1949.
وقد شغل منصب «الإنترفنتور« (interventor)، أي الموظف المدني-العسكري المكلف بإدارة القبائل ومتابعة شؤونها، وكان في الوقت نفسه مولعاً بالملاحظة والتوثيق. رسم الراقصات، ودوّن الأغاني، وسجل الإيقاعات، وجمع النوتات الموسيقية، وترك وراءه مادةً لا تقدر بثمن لكل من يريد أن يفهم كيف كان الريف يرى نفسه قبل أن تعيد الهجرة والمدرسة الحديثة والدولة الوطنية تشكيل كثير من ملامحه.
غير أن قيمة هذه النصوص لا تكمن فقط فيما حفظته، بل أيضاً في الطريقة التي حفظته بها. فهي وثيقة مزدوجة: تخبرنا عن الريف، وتخبرنا في الوقت نفسه عن نظرة ضابطٍ إسباني إلى الريف.
يفتتح إيثاغا مقالاته بنبرة هجومية تجاه ما يسميه «الأدب الكولونيالي» ويسخر من الكتّاب الذين لا يرون في المغرب سوى »النخلة والحظايا والمئذنة وابن خلدون». وهو يقدم نفسه باعتباره رجل الميدان الذي يرى الأشياء كما هي، لا كما تصفها الكتب.
لكن هذه الثقة المطلقة في "العين العارية" هي أول ما ينبغي للقارئ المعاصر أن يتوقف عنده. فليس هناك نظر بلا وساطة. وكل وصف يحمل معه، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، منظومة كاملة من التصورات والأحكام المسبقة. والرجل الذي سخر من الكليشيهات الاستشراقية كان يحمل هو أيضاً كليشيهاته الخاصة، وإن بدت له أكثر علمية وموضوعية.
ومع ذلك، فإن هذا لا ينتقص من قيمة ما دوّنه. فالمهم في الأرشيف ليس أن يكون صاحبه بريئاً من الأحكام، بل أن نعرف كيف نقرأه.
أول ما يلفت الانتباه في كتابات إيثاغا أنه لا ينظر إلى الرقص باعتباره مجرد تسلية أو استراحة من مشاق الحياة. فهو يكتب حرفياً:
«El significado de las danzas rifeñas, cuantas veces reflexioné sobre el asunto, siempre se me antojó ser el de una necesidad social, más que el de entretenimiento».
أي:
»كلما تأملت معنى الرقصات الريفية بدا لي أنها تعبّر عن حاجة اجتماعية أكثر مما تعبّر عن مجرد ترفيه. «
هذه العبارة وحدها تكفي لإخراج الرقص من خانة الفولكلور إلى فضاء الأنثروبولوجيا. ففي نظر إيثاغا، يؤدي الرقص وظيفة اجتماعية داخل الجماعة، ويستجيب لحاجة تتجاوز مجرد الترفيه.
وما يلفت الانتباه أن هذه الملاحظة تقترب كثيراً مما ستؤكده الأنثروبولوجيا الحديثة لاحقاً. فالطقوس والاحتفالات تؤدي دوراً أساسياً في إعادة إنتاج المجتمع، وترسيخ تماسكه، ونقل قيمه من جيل إلى آخر.
ومن هنا تبرز أهمية أعمال إيثاغا؛ فهي لا تقتصر على توثيق الحركات والإيقاعات، وإنما تفتح نافذة لقراءة المجتمع الريفي من خلال الجسد.
لقد رسم إيثاغا خريطة دقيقة للرقصات الريفية. فهو يميز بين «أرال-لي يارال-لي بويا» المرتبطة بمحفّة العروس، و«مالي مالي» في قلعية، ورقصات الحرب لدى آيت ورياغل، والرقصات المحجبة، ورقصات الجبل والساحل.
لكن الخطأ الأكبر الذي قد يقع فيه القارئ المعاصر هو أن يظن أن إيثاغا كان مهتماً بالرقص لذاته.
في الواقع، يصعب فصل هذه الدراسات عن سياقها التاريخي. فالرجل كان يكتب بعد سنوات قليلة من حرب الريف، وفي منطقة ما تزال آثار أنوال وعبد الكريم الخطابي حاضرة في الذاكرة الإسبانية. ولم يكن الاهتمام بالقبائل الريفية، في تلك المرحلة، مجرد فضول ثقافي بريء. فالإدارة الاستعمارية كانت قد اكتشفت، بعد عقود من المواجهة، أن معرفة المجتمع لا تقل أهمية عن معرفة الجغرافيا.
ولهذا فإن سؤالاً بسيطاً يفرض نفسه: ماذا كان يبحث عنه إيثاغا في الرقصات؟
الجواب، على الأرجح، ليس الإيقاع ولا الحركة وحدهما.
لقد كان يبحث عن المجتمع نفسه.
فالأنثروبولوجيا الكولونيالية في النصف الأول من القرن العشرين كانت تنطلق من افتراض أساسي: أن العادات والطقوس والأغاني تكشف ما لا تكشفه الوثائق الرسمية. وكان الاعتقاد سائداً بأن فهم المجتمع يمر عبر دراسة تفاصيل حياته اليومية، لأنها تحمل آثار ما كان يسمى آنذاك » الشخصية الجماعية «أو »الطبع القومي«.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصراره على ربط الرقص بكل شيء تقريباً: بالمرأة، وبالقبيلة، وبالسلطة، وبالأخلاق، وبالتاريخ. ففي نظره، تكشف الرقصة عن المجتمع الريفي بقدر ما تكشف عن إيقاعها.
غير أن هذا الطموح نفسه هو مصدر قوة النص ومصدر ضعفه في آن واحد.
فمن جهة، أتاح له أن يسجل تفاصيل دقيقة لم يكن معظم معاصريه يرونها جديرة بالتوثيق. ولولا هذا الجهد لضاعت نصوص كثيرة من الأغاني والأهازيج.
لكن من جهة أخرى، دفعه إلى الوقوع في نزعة تفسيرية مبالغ فيها. فكل ما يراه يتحول عنده إلى دليل على طبيعة ثابتة للمجتمع الريفي، وكأن التاريخ لا يفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج نفسه.
وحين يحاول تفسير بنية الرقصة نفسها يكتب:
«La danza rifeña tiene todas las características del conjunto de la masa movida por una iniciativa y realización totalmente dependiente de la colectividad».
أي:
» تحمل الرقصة الريفية جميع خصائص الجماعة التي تقوم مبادرتها وتنفيذها على الجماعة نفسها.«
هذه الملاحظة مهمة لأنها تكشف ما رآه إيثاغا في المجتمع الريفي: مجتمعاً تتقدم فيه الجماعة على الفرد.
فالصف الراقص، والحركة المتناسقة، والإيقاع المشترك، كلها عناصر دفعته إلى رؤية الرقصة باعتبارها صورة مصغرة للمجتمع نفسه. غير أن هذا التفسير يطرح سؤالاً آخر: هل كان يصف ما يراه فعلاً، أم كان يبحث عما يؤكد أفكاره المسبقة عن المجتمعات القبلية؟
هنا يبدأ الحد الفاصل بين الوصف والتحليل.
ومن أكثر الجوانب إثارة في سجل إيثاغا المكانة التي يمنحها للنساء.
فالكتابات الاستعمارية عن الريف كانت تميل عادة إلى التركيز على الرجل المحارب، والبندقية، والقبيلة. أما هو فيضع المرأة في قلب المشهد الثقافي.
فهو يكتب:
«La danza rifeña es femenina y colectiva. El hombre no baila, no es un danzante».
أي:
»الرقصة الريفية أنثوية وجماعية؛ فالرجل لا يرقص، وليس هو بطل المشهد الراقص.«
وقد تكون العبارة مبالغاً فيها إذا أُخذت بحرفيتها، لكنها تكشف إدراكاً حقيقياً للدور الذي اضطلعت به النساء في حفظ الذاكرة الشفوية.
بل إنه يذهب أبعد من ذلك حين يقول:
«Son sus mejores y únicos juglares sus mujeres».
أي:
»خير شعراء الريف ومنشديه هنّ نساؤه. «
وفي موضع آخر يكتب:
«El pandero nace con la niña».
أي:
»الدفّ يولد مع الطفلة. «
ورغم اللغة الرومانسية الواضحة، فإن هذه الملاحظات تلتقط حقيقة اجتماعية يعرفها الريفيون جيداً: أن الإزران والأهازيج وأغاني الأعراس انتقلت عبر النساء أكثر مما انتقلت عبر أي مؤسسة أخرى.
لقد كانت النساء، في كثير من الأحيان، أرشيفاً حياً للمجتمع.
لكن هنا تبدأ أيضاً حدود هذه النظرة.
فإيثاغا، مهما بلغت دقة ملاحظاته، لم يكن باحثاً محايداً جاء من خارج التاريخ. كان ضابطاً في جيشٍ استعماري، يحمل معه تصورات عصره وأحكامه المسبقة. ولهذا فإن الوصف الدقيق كثيراً ما يتحول عنده إلى حكم قيمي. فحين يرى إحدى الراقصات تحاول الخروج من الصف الجماعي لإبراز شخصيتها، يصف ذلك بأنه:
«Gesto imprudente e inútil de rebeldía».
أي:
»بادرة تمرّد طائشة وعقيمة.«
وهنا تتكلم ذهنية الضابط أكثر مما تتكلم عين الإثنوغرافي. فما يراه تمرداً غير مشروع قد يراه باحث آخر تعبيراً مشروعاً عن الفردية داخل الجماعة. بل إن هذه العبارة تكشف شيئاً أعمق: ميل المعرفة الكولونيالية إلى رؤية المجتمعات المحلية باعتبارها جماعات متجانسة، ثابتة، لا مكان فيها للاختلاف أو المبادرة أو التغير.
وربما تكون أهم عبارة كتبها إيثاغا كله هي أيضاً أكثرها عمقاً:
«La danza rifeña no es más que la proyección sobre el escenario natural de sus viejas instituciones y primeras concepciones sociales».
أي:
»ليست الرقصة الريفية سوى إسقاط حيّ لمؤسسات المجتمع القديمة وتصوراته الاجتماعية الأولى على مسرح الطبيعة.«
في هذه العبارة يتجاوز إيثاغا وصف الرقصة ليقارب المجتمع نفسه. فالرقصة تغدو انعكاساً لبنية اجتماعية كاملة. وإذا حررنا هذه الفكرة من إطارها الكولونيالي، بقي فيها ما يستحق التأمل: فالرقص كان إحدى الوسائل التي عبّر بها المجتمع الريفي عن نفسه، وصاغ من خلالها ذاكرته الجماعية.
ما الذي يعنيه اليوم أن يكون جزء من ذاكرة الريف الثقافية محفوظاً في أرشيف ضابطٍ من جيش الاحتلال؟
إنه سؤال يواجه كل مجتمعات ما بعد الاستعمار. فالأرشيف الكولونيالي يحفظ ويشوّه في آن واحد. ينقذ المادة، لكنه يفرض عليها أحياناً تفسيراً غريباً عنها. ولهذا فإن الموقف الأمين ليس رفض أعمال إيثاغا لأنها كولونيالية، ولا قبولها دون نقد لأنها وثائق نادرة. الموقف الأمين هو أن نقرأها قراءة مزدوجة: نأخذ منها الأغاني والنوتات والرسوم والملاحظات الميدانية، ونناقش في الوقت نفسه الأحكام التي أحاطت بها.
لقد دوّن الكولونيل الإسباني النغمات والخطوات بدقة لافتة، لكنه لم يكن دائماً قادراً على فهم المعاني التي كانت تختبئ خلف ما دوّنه.
أما اليوم، وبعد قرنٍ تقريباً، فتنبع قيمة هذه الصفحات من أنها تعيد إلينا صورة مجتمعٍ كامل كان يفكر ويحتفل ويحزن ويتذكر، ويصوغ جزءاً من ذاكرته بالغناء والحركة والإيقاع.
وهذا ربما هو الدرس الأهم الذي يتركه لنا إيثاغا: أن المجتمعات لا تكتب تاريخها بالوثائق وحدها، بل تكتبه أيضاً بالأغاني التي تحفظها، وبالرقصات التي تبتكرها، وبالذاكرة التي تنقلها من جيل إلى جيل.
ففي هذا الأرشيف، الذي دوّنه ضابط استعماري قبل أن يغادر الحياة في سبتة عام 1949، هناك أكثر من مجرد رقصات. هناك مرآة لمجتمع كان يحتفل بوجوده، ويؤكد هويته، وينقل تراثه، قبل أن تُعاد كتابة تاريخه بأقلام أخرى.
وقبل أن يكتب المؤرخون تاريخ الريف، كان الريفيون يكتبون جزءاً من ذلك التاريخ بأصواتهم وأجسادهم.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

