English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | سياسة | الريف والسادية الرقمية… حين تحل الغرائز محل العقل

الريف والسادية الرقمية… حين تحل الغرائز محل العقل

الريف والسادية الرقمية… حين تحل الغرائز محل العقل

بقلم : فكري سوسان  

«La violence symbolique est une violence douce, insensible et invisible pour ses propres victimes.» —Pierre Bourdieu

«Isocial media danno diritto di parola a legioni di imbecilli che prima parlavano solo al bar dopo un bicchiere di vino, senza danneggiare la collettività. Venivano subito messi a tacere, mentre ora hanno lo stesso diritto di parola di un Premio Nobel. È l’invasione degli imbecilli». —Umberto Eco 

لم يعد العنف الرقمي ظاهرة افتراضية عابرة، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية ومن طبيعة النقاش العمومي في كثير من المجتمعات، بما فيها المجال العمومي بالريف. ففي حالات كثيرة، يتحول الخلاف من مواجهة للأفكار إلى تبادل للإهانات والتشهير والإقصاء، وهو ما يدفع إلى التوقف عند ما يسميه بعض الباحثين بـ «السادية الرقمية«.

لقد اتسعت دائرة الكلام، وتعددت المنابر، وأصبح التعبير متاحاً للجميع، لكن الحجة تفقد أحياناً مكانها أمام الانفعال، ويحل عند البعض التجريح محل النقاش، وتتحول القسوة اللفظية إلى وسيلة لإثبات المواقف أو الدفاع عن الانتماءات. فبدل مناقشة الأفكار، يجري أحياناً تصنيف أصحابها، وبدل تفنيد الآراء، يتم اللجوء إلى السخرية أو التشهير أو الإهانة. وهكذا يصبح الخلاف في أغلب الأحيان مناسبة للإيذاء أكثر منه فرصة للحوار.

ويستعمل بعض الباحثين مفهوم «السادية الرقمية «Sadisme numérique لوصف ذلك الميل إلى إلحاق الأذى بالآخرين عبر الفضاء الرقمي، وإلى استمداد نوع من الرضا أو المتعة من الإهانة أو التشهير أو السخرية أو الإقصاء. فالأمر لا يتعلق بالنقد أو الاختلاف أو الجدل الفكري المشروع، بل بتحول الألم الرمزي للآخر إلى مادة للتفاعل والفرجة.

ولا يقتصر الاهتمام بهذه الظاهرة على الباحثين في علم الاجتماع الرقمي، بل أصبحت أيضاً موضوعاً لتقارير دولية. فقد نبهت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى تنامي العنف اللفظي والتنمر الإلكتروني داخل الفضاءات الرقمية، معتبرة أن هذه الممارسات لم تعد تمس الأفراد فقط، بل أصبحت تؤثر في جودة النقاش العمومي وفي الثقة الاجتماعية.

والسادية الرقمية ليست مجرد سلوك سيئ على الإنترنت أو انحراف عابر في التواصل، بل قد تعكس أحياناً حاجة إلى الشعور بالقوة أو التفوق عبر إضعاف الآخرين وإيذائهم. كما أن إخفاء الهوية أو استعمال الحسابات الوهمية يقلل لدى بعض المستخدمين من الشعور بالمساءلة الأخلاقية، وهو ما يجعل تجاوز الحدود في الخطاب أكثر سهولة مما هو عليه في العلاقات المباشرة. وهكذا تتحول بعض أشكال الإحباط أو القلق أو الكبت إلى عدوان رمزي يمارس ضد الآخرين.

ورغم قسوة عبارة أمبرتو إيكو، فإنها تثير سؤالاً حقيقياً حول تحولات المجال العمومي الرقمي. فالمشكلة لا تكمن في اتساع حرية التعبير، بل في تراجع معايير النقاش أحياناً، وفي اختفاء الحدود بين المعرفة والانفعال، وبين الخبرة والضجيج، وبين الحجة والإساءة.

ولعل أخطر ما أنتجته هذه السادية الرقمية هو ذلك المعجم المشحون بالعنف اللفظي الذي أخذ يتسرب إلى بعض النقاشات العمومية داخل الفضاء الريفي على الخصوص. فبدل لغة الحجة والاختلاف، تنتشر أحياناً مفردات التخوين والتحقير والإذلال، ويصبح التشهير بالمخالف وسيلة سهلة لإقصائه أو النيل من سمعته.

فالمخالف لا يُناقش، بل يُلاحق ويُصنَّف ويُجرَّد من كل شرعية رمزية. وتتحول بعض الصفحات والتعليقات إلى فضاءات للتنمر الجماعي، حيث تحل الغرائز محل العقل، والانفعال محل التفكير، والعدوانية محل الحوار.

إننا أمام انتقال تدريجي من ثقافة الاختلاف إلى ثقافة العداء، ومن النقاش إلى الإدانة، ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الانتصار. وهنا لا تعود الكلمات مجرد كلمات، بل تصبح أدوات رمزية للإقصاء والإيذاء وإنتاج الكراهية داخل المجال العموم، وهو مسار لا يخدم النقاش العمومي ولا يفيد المجتمع في شيء.

وفي الريف، تكتسب هذه الظاهرة خصوصية إضافية. فالمجال الاجتماعي يظل محدوداً نسبياً، والناس يعرفون بعضهم بعضاً، وتتداخل العلاقات العائلية والمهنية والسياسية والثقافية. ولهذا فإن العنف الرقمي لا يبقى دائماً داخل الشاشات، بل يمتد أحياناً إلى العلاقات اليومية وإلى صورة الأشخاص داخل محيطهم الاجتماعي.

ولا يعني ذلك أن هذه الظاهرة حكر على الريف أو أنها أكثر انتشاراً فيه مقارنة بغيره من المناطق، فهي ظاهرة عالمية تكاد ترافق جميع المجتمعات المتصلة بالفضاء الرقمي. غير أن خصوصية النسيج الاجتماعي المحلي، حيث تتقاطع العلاقات العائلية والمهنية والسياسية، تجعل آثارها أكثر وضوحاً وأشد تأثيراً في الحياة اليومية.

وقد يجد المرء نفسه مستهدفاً بسبب رأي أو موقف أو مبادرة أو نجاح مهني أو حضور إعلامي أو انتماء معين. وتصبح وسائل التواصل امتداداً لخلافات قديمة أو حساسيات محلية أو استقطابات سياسية. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد نقاش حاد، بل بشكل من أشكال العنف الرمزي الذي يترك آثاراً حقيقية على الأفراد وعلى المناخ العام.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما تتحول بعض الفضاءات الرقمية إلى ما يشبه «الأسراب الرقمية» التي تتحرك بسرعة كبيرة وتنتج أحكاماً جماعية جاهزة. فالإدانة تسبق أحياناً الفهم، والانفعال يسبق التحقق، والاصطفاف يسبق التفكير. كما قد تتقاطع هذه الديناميات مع حملات منظمة أو مع استغلال للتوترات والانقسامات المحلية والإقليمية، مما يزيد من حدة الاستقطاب ويضعف مناعة المجتمع الفكرية.

كما أن المنصات الرقمية نفسها تكافئ أحياناً الخطابات الأكثر حدة وإثارة. فخوارزميات المنصات تمنح انتشاراً أكبر للمحتويات التي تثير الانفعال والغضب والاستقطاب، بينما تحظى الأفكار الهادئة والنقاشات الرصينة بقدر أقل من الاهتمام. وهكذا يصبح الصوت الأعلى أكثر حضوراً من الفكرة الأقوى، ويصبح الصدام أكثر جاذبية من الحوار.

وتنسجم هذه الملاحظة مع نتائج «مؤشر اللياقة المدنية الرقمية» (Digital Civility Index)، الذي تنشره شركة مايكروسوفت منذ سنوات، حيث تشير نتائجه إلى أن خطاب الكراهية، والإهانة، والتنمر الإلكتروني، والمعلومات المضللة، أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه مستخدمي الفضاء الرقمي في مختلف أنحاء العالم.

كما تؤكد دراسات عديدة في علوم الاتصال والإعلام الرقمي أن خوارزميات المنصات لا تمنح الأفضلية للمحتوى الأكثر جودة، بل للمحتوى الأكثر قدرة على إثارة التفاعل. ولذلك تنتشر الرسائل التي تثير الغضب أو الاستقطاب بسرعة أكبر من النقاشات الهادئة والمتوازنة، وهو ما يساهم في تعميق الاستقطاب وإعادة إنتاجه داخل المجال العمومي.

ولعل من الضروري أيضاً أن يدرك كثير من الذين يكتبون أو يناقشون الشأن العام، ومن بينهم المثقفون والجامعيون والإعلاميون، أنهم يتحركون أحياناً داخل شروط اجتماعية ومهنية أكثر استقراراً من تلك التي يعيشها جزء واسع من سكان الإقليم. فالكثير من الأسر بمدينة الحسيمة ونواحيها تواجه ضغوط المعيشة، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الشغل، وغموض المستقبل بالنسبة للشباب.

فليس كل غضب يولد داخل الفضاء الرقمي، بل إن جزءاً منه يأتي من الحياة اليومية نفسها. والشاشة لا تخلق دائماً الإحباط، لكنها تمنحه أحياناً صوتاً وصورة ولغة. وعندما تتراكم البطالة، وتتقلص الآفاق، ويشعر الشباب بالقلق تجاه المستقبل، يصبح الفضاء الرقمي منفذاً للتعبير، لكنه قد يتحول أيضاً إلى فضاء لتصريف الإحباط والتوتر.

وهنا تبرز مسؤولية المثقفين والباحثين والفاعلين الثقافيين. فالمنطقة تحتاج إلى طاقات قادرة على إنتاج الأفكار، وفتح النقاشات، واقتراح حلول واقعية للتحديات التي تواجهها. فالمثقف لا تقتصر وظيفته على تشخيص الأزمات أو وصف الاختلالات، بل تمتد إلى الإضاءة والاقتراح وفتح إمكانات جديدة للفعل الجماعي.

وربما تكمن إحدى المفارقات التي يعيشها المجال العمومي الريفي في الرقابة الذاتية على الكلمات والمفاهيم. فقد أصبحت بعض المفاهيم، في بعض النقاشات العمومية، مثل «النخبة»، و«الريف الكبير»، و«الحراك»، و«المخزن»، و«العدالة المجالية»، تثير قدراً من التوجس يفوق أحياناً النقاش حول مضامينها. وأصبح بعض المثقفين والفاعلين يترددون في استعمالها خشية سوء التأويل أو التصنيف أو الدخول في سجالات لا تنتهي.

غير أن المجتمعات لا تتقدم بالخوف من المفردات، بل بالقدرة على مناقشتها وتأويلها ووضعها في سياقاتها الصحيحة. فالحديث عن النخب لا يعني الادعاء بالوصاية، والحديث عن الحراك لا يعني إعادة إنتاج الانقسام، والحديث عن الريف الكبير لا يعني بالضرورة مشروعاً سياسياً أو إيديولوجياً خارج أفق الدولة الوطنية المغربية. إنها مفاهيم تساعد على الفهم، وأدوات للتفكير، وبدونها يصبح النقاش أكثر فقراً وأكثر عرضة للانفعال وسوء التأويل.

وربما آن الأوان لتجاوز هذه الفزاعات الرمزية، والانتقال من «فوبيا المفاهيم» إلى مناقشة القضايا التي تشير إليها. فالمنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الحساسيات اللفظية بقدر ما تحتاج إلى أفكار جديدة، وإلى حلول عملية، وإلى نقاش هادئ يركز على المستقبل أكثر مما يركز على إعادة فتح الجراح.

فالإصرار على وضع الإصبع في الجرح لا يكفي لعلاجه، كما أن إعادة إنتاج الغضب لا تخلق بالضرورة مخرجاً من الأزمات. فالريف يحتاج اليوم إلى مثقفين يصنعون المعنى أكثر مما يصنعون الضجيج، وإلى أصوات تفتح النوافذ بدل توسيع الجدران، وإلى كفاءات تساهم في إنتاج الحلول بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات.

والسادية الرقمية ليست قدراً محتوماً، كما أن الفضاء الرقمي ليس فضاءً للعنف فقط. فالمنصات نفسها التي تسمح بالإهانة تسمح أيضاً بالتضامن، وبنشر المعرفة، وببناء المبادرات الجماعية، وبخلق شبكات جديدة من التعاون. ويمكن للمدرسة، والجامعة، والجمعيات، ووسائل الإعلام، والأسرة، أن تساهم جميعها في ترسيخ أخلاقيات الحوار والاختلاف.

وربما تبدأ المواجهة من أمور بسيطة: إعادة الاعتبار للحجة، واحترام الاختلاف، ورفض التشهير، وتشجيع المحتوى الرصين، وإعطاء قيمة أكبر للكلمة الهادئة وللنقد المسؤول. فالمجتمعات تتقدم عندما تتعلم كيف تدير أزماتها، وعندما تملك الشجاعة لتسمية مشكلاتها، ثم البحث الجماعي عن حلولها.

وكما يحتاج الجسد إلى اللقاح من أجل التعرف على الفيروس ومقاومته، فإن المجال العمومي في الريف يحتاج هو الآخر إلى نوع من «المناعة الفكرية» أو «المناعة المدنية». وتتمثل هذه المناعة في القدرة على التمييز بين الحجة والإهانة، وبين النقد والتشهير، وبين الاختلاف والعداء.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «المواطنة الرقمية citoyenneté numérique »، الذي أخذ يحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الدولية، ولا سيما في برامج اليونسكو، باعتباره إطاراً يقوم على ترسيخ ثقافة المسؤولية في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، واحترام الاختلاف، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية.

وتقع مسؤولية بناء هذه المناعة على عاتق المثقفين والجامعيين والباحثين والفاعلين الجمعويين والإعلاميين، إلى جانب المدرسة والأسرة ومؤسسات التنشئة المختلفة. فالمطلوب ليس القضاء على الاختلاف أو إسكات النقد، لأن المجتمعات الحية تقوم على التعدد والنقاش، بل منع النقاش من أن يتحول إلى أداة للإيذاء، وإلى شكل من أشكال السادية التي تقوض الثقة وتضعف الروابط الاجتماعية.

فالريف، إذا جاز استحضار العبارة الشهيرة التي رددها التونسي أحمد الحفناوي خلال الثورة التونسية، قد «هَرِم» من كثرة الانقسامات والتشنجات والاستقطابات التي استنزفت جزءاً من طاقته الجماعية. لقد هَرِم الناس من إعادة النقاشات نفسها، ومن تدوير الخلافات ذاتها، ومن تحويل كل اختلاف إلى معركة، وكل رأي إلى اصطفاف، وكل كلمة إلى تهمة.

وقد آن الأوان لإنتاج هذه المناعة المشتركة التي تسمح بإدارة الخلاف، واحترام الاختلاف، وحماية المجال العمومي من العنف الرمزي. وربما يشكل ذلك أحد أهم الرهانات الثقافية والفكرية ــ بل وحتى السياسية والاجتماعية والاقتصادية ــ التي سيتوقف عليها مستقبل المنطقة خلال السنوات المقبلة.

 

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media