قيم هذا المقال
المغرب.. إحباط مخططات إرهابية بالغة الخطورة تستهدف المساس الخطير بالنظام العام والامن (0)
موجة حر متواصلة بالمغرب.. درجات الحرارة قد تتجاوز 48 درجة بعدد من المناطق (0)
جنايات فاس تفعّل المسطرة الغيابية في متهمين في ملف “باديس” (0)
جمعية مغربية بالخارج تستنكر إلغاء رحلات موتريل ـ الحسيمة (0)
مطالب بتشديد مراقبة المطاعم بالحسيمة بعد حادث التسمم الغذائي الجماعي (0)
الحسيمة.. السجن النافذ لرجل وإمرأة متهمان باستدراج اشخاص للبغاء عبر وسائل التواصل (0)
أفلاي ينتقد تحميل المغاربة مسؤولية أحداث الشغب في هولندا (0)
من الناظور إلى ألميريا.. الحسن بلعربي يحكي رحلة الكتابة بين العلم والأدب
حوار
الحسن بلعربي، كاتب وأستاذ الهندسة الكيميائية بجامعة ألميريا، بإسبانيا. يتحدث الكاتب والأكاديمي المقيم بمدينة ألميريا عن روايتيه «بيوت من طين» (منشورات ديوان، يوليوز 2020) وعن مجموعته القصصية « نهرالعفاريت» (منشورات ديوان، يونيو 2026)، وهما عملان يستكشفان الذاكرة والهوية والحوار بين الثقافات.
- أستاذ بلعربي، لقد كرّستم جزءاً كبيراً من حياتكم للتدريس والبحث العلمي. متى شعرت بالحاجة إلى كتابة الأدب؟
- كان الأدب حاضراً في حياتي منذ البداية. قبل أن أصبح أستاذاً جامعياً، كنت طفلاً نشأ وهو يصغي إلى الحكايات في شوارع الناظور، وفي كنف الأسرة، ومن خلال التراث الشفهي. لقد ساعدني العلم على فهم العالم، أما الأدب فقد منحني القدرة على فهم الإنسان بصورة أعمق.
- ماذا تمثل لكم اليوم رواية «بيوت من طين»، وهي روايتكم الأولى؟
- أراها عودة إلى الطفولة، وفي الوقت نفسه إعادة بناء للهوية. لم أرد أن أكتب مذكرات، بل سعيت إلى استعادة عالم وجداني كامل. فالطين في عنوان الرواية يرمز إلى الهشاشة، وإلى التواضع، وإلى القدرة التي نمتلكها جميعاً على تشكيل تاريخنا بأيدينا. كل بيت، وكل زقاق، وكل شخص، يشكل جزءاًمن ذلك المشهد الداخلي الذي نظل نحمله معنا أينما ذهبنا.
- كثير من القراء يشيدون بالبعد الإنساني الذي ترسمون به شخصياتكم.
- لأنني أكتب من منطلق الامتنان. حتى الصعوبات التي عشناها كانت مليئة بالتضامن والكرامة. كان يهمني أن أعيد الاعتبار للحياة اليومية لأناس بسطاء نادراً ما يظهرون في السرديات الرسمية، مع أنهم يشكلون الدعامة الحقيقية للذاكرة الجماعية.
- تبدو الذاكرة في الرواية وكأنها شخصية قائمة بذاتها.
- هذا صحيح. فالذاكرة لا تستعيد الماضي كما كان تماماً، بل تعيد تأويله باستمرار. في كل مرة نتذكر فيها شيئاً، فإننا نعيد تشكيله أيضاً. ولهذا تمتزج في الرواية الوقائع بالمشاعر وبالصمت. فالذاكرة الفردية ليست خاصة بالكامل؛ إنها تتقاطع مع التاريخ، ومع الأسرة، ومع كل ما ورثناه عبر الأجيال.
- صدرت لك مؤخرا « نهرالعفاريت». ماذا سيجد القارئ فيها مقارنة بروايتك الأولى؟
- هناك استمرارية، ولكن هناك أيضاً تطور واضح. فإذا كانت «بيوت من طين» تنبع من الذاكرة والطفولة، فإن « نهر العفاريت»، وهي مجموعة قصصية، تدخل فضاءً أكثر رمزية، حيث تكتسب المخيلة والتراث الشفهي حضوراً أكبر. كنت أرغب في استكشاف الكيفية التي تواصل بها الأساطير والحكايات الشعبية التأثير في طريقتنا لفهم الواقع.
- عنوان «نهر العفاريت» يثير فضول القارئ. من هم هؤلاء العفاريت؟
- ليسوا عفاريت بالمعنى المتداول أو كائنات خارقة للطبيعة، بل هم رموز لكل ما يسكن أعماق الإنسان: الذكريات، والهواجس، والحدوس، والأحلام، والمخاوف التي ترافقه طوال حياته. أما النهر، فيمثل ذلك الحد الفاصل بين المرئي واللامرئي، وبين ما يدركه العقل وما يعجز عن تفسيره. وقد حرصت على أن يظل هذا الفضاء مفتوحاً للتأويل، بحيث يستطيع كل قارئ أن يعثر فيه على معناه الخاص.
- هل تُعدّ « نهرالعفاريت» أكثر تحرراً من الناحية السردية؟
- نعم. فإذا كانت «بيوت من طين» تقوم على بناء سردي أكثر تماسكاً وانضباطاً، فإن « نهرالعفاريت» تمنح السرد حرية أكبر في التقدم وفق إيقاعه الداخلي، دون أن تفرض عليه مساراً صارماً. إنها تتصالح مع اللايقين، وتدعو القارئ إلى خوض الرحلة دون أن يكون في حاجة إلى امتلاك جميع الإجابات.
- تبدو مؤلفاتك وكأنها تبنيان جسوراً بين المغرب وإسبانيا.
- ذلك أمر طبيعي في مساري الشخصي. فقد عشت سنوات طويلة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت هذه التجربة جزءاً لا يتجزأ من رؤيتي للعالم. أؤمن بأن الثقافات لم تُخلق لتتصادم، وإنما لتتحاور وتتفاعل. والأدب يمتلك قدرة استثنائية على تقريبنا من واقع الآخر، وعلى تفكيك كثير من الأحكام المسبقة.
- أنتم تعيشون وتعملون أيضاً أستاذاً جامعياً بمدينة ألميريا. ما المكانة التي تحتلها هذه المدينة في كتاباتكم؟
- ألميريا ليست مجرد المدينة التي أقيم فيها، بلأصبحت جزءاً من الطريقة التي أنظر بها إلى العالم. نورها، ومناظرها الطبيعية، وتناقضاتها، كلها تتسلل، بصورة أو بأخرى، إلى ما أكتبه. وحتى عندما لا أذكرها مباشرة، فإنها تظل حاضرة كبنية وجدانية تشكل خلفية السرد.
- وماذاعن مدينة الناظور؟
- الناظورهي المدينة التي رأيت فيها النور، وهي التي احتضنت طفولتي وجزئا من شبابي، وهي الأم التي لن يعوضها أحد مهما رحلتُ وارتحلتُ، ومن الطبيعي أن تكون لها مكانة بارزة في كل أعمالي.
- هل تتغذى التجربة الأكاديمية والإبداع الأدبي أحدهما من الآخر؟
- بلاشك. فالجامعة تُبقيني على تواصلٍ دائم مع شباب ينتمون إلى خلفياتٍ متنوعة، ويحملون أسئلةً جديدة ورؤىً متجددة في النظر إلى الحياة. والتدريس، في جوهره، هو أيضاً تعلّم فن الإصغاء، وهذا الإصغاء ينعكس بصورة مباشرة على الكتابة ويثريها.
- ماذا تتمنون أن يشعر به القارئ عندما يطوي الصفحة الأخيرة من « نهر العفاريت »؟
- أتمنى أن يغلق الكتاب وهو يحمل أسئلة أكثر مما كان يحمل عندما بدأ قراءته. أؤمن بأن الأدب لا يقدّم أجوبةً نهائية، وإنما يفتح آفاقاً جديدة للتأمل، ويثير الأسئلة، ويدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف ذاته والعالم من حوله.
- ماهي القضايا التي ترغبون في مواصلة استكشافها في مشاريعكم المقبلة؟
- ما تزال الذاكرة والهوية، وفضاءات التقاء الثقافات المختلفة، تشكل محور اهتمامي. كما تزداد جاذبية تلك المنطقة الفاصلة بين الواقع والمتخيل بالنسبة إليّ، لأنني أؤمن بأن الحكايات ليست مجرد وسيلة للسرد، بل هي أيضاً طريقة لفهم ذواتنا.
- ماذا تتمنون أن يجد القارئ الإسباني في كتبكم؟
- أتمنى أن يجد فيها ما يلامس تجربته الإنسانية، وأن يشعر بقربها منه، حتى وإن كانت تنطلق من الضفة الأخرى للمتوسط. ففي نهاية المطاف، نتقاسم جميعاً الأسئلة ذاتها حول الجذور، والذاكرة، والانتماء، والمكان الذي نسميه وطناً.
- بعد «بيوت من طين» و« نهرالعفاريت»، ما مشروعك الأدبي المقبل؟
- أعمل حالياً على رواية جديدة. وما زلت أواصل استكشاف القضايا الكبرى التي رافقتني منذ سنوات، مثل الذاكرة، والهوية، والغربة، والحوار بين الثقافات، ولكن من منظور مختلف هذه المرة. إنه مشروع أكثر طموحاً، تتشابك فيه الحكاية الشخصية من جديد مع الذاكرة الجماعية. وما زال الوقت مبكراً للكشف عن تفاصيل كثيرة، غير أنني أستطيع القول إنها ستكون رواية تدعو القارئ إلى التأمل في الروابط التي تجمع البشر، متجاوزةً الحدود والجغرافيا والزمن.
- لوطُلب منك أن تختصر عملاك في صورة واحدة، فأي صورة ستختار؟
- ستكون «بيوت من طين» بابَ البيت الذي نشأت فيه، أما « نهر العفاريت» فسيكون جسراً يدعو إلى العبور نحوالمجهول. الأولى تتحدث عن البدايات، والثانية عن الرحلة. وفي العمق، كلتاهما تتحدثان عن رحلة الإنسان في البحث عن ذاته.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

