English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | الريف عشية الذكرى العاشرة للحراك: كيف ننتقل من جمود الملف إلى أفق للتعاقد؟

الريف عشية الذكرى العاشرة للحراك: كيف ننتقل من جمود الملف إلى أفق للتعاقد؟

الريف عشية الذكرى العاشرة للحراك: كيف ننتقل من جمود الملف إلى أفق للتعاقد؟

مع اقتراب أكتوبر 2026، يعود سؤال الريف إلى الواجهة والسؤال الذي يفرضه الوضع الراهن هو: كيف يمكن تجاوز حالة جمود ملف ازمة حراك الريف الى افق الانفراج؟ الانتقال من حالة للشك المتبادل إلى مدخل لتعاقد وطني يطوي ازمة أكملت عقدها الأول يتم استثمارها من جهات معادية للمغرب في سياق دولي واقليمي يشهد تحولات أصبحت تشكل تحديا حقيقيا لا تخفى على أحد؟

سؤال يفرضه الزمن والواقع

مع اقتراب الذكرى العاشرة لمقتل محسن فكري وانطلاق الاحتجاجات في الحسيمة، يكتسب سؤال الخروج من جمود الملف راهنية مضاعفة. فبعد قرابة عقد، ما زالت آثار الأزمة حاضرة في الثقة بالمؤسسات، وفي أوضاع الأسر، وفي صورة المنطقة عن نفسها وصورة الدولة عنها. وهي مناسبة تفرض على الدولة والأحزاب والنخب، في الموالاة والمعارضة، الانتقال من إدارة الازمة الى حلها عبر صياغة جواب جماعي قابل للتطبيق والتنفيذ.

هذا السؤال تفرضه كذلك تحولات إقليمية ودولية - كما قلنا في السؤال أعلاه- جعلت قضايا الهوية والحدود والهجرة والأمن أوراقا جيوسياسية متداخلة. وكل فراغ سياسي أو تنموي داخلي يفتح مساحة لاستثماره من جهات تبحث عن الضغط على المغرب أو التشويش على مصالحه. لذلك يغدو ترميم الثقة في الريف جزءا من تحصين الجبهة الداخلية، إلى جانب كونه استحقاقا حقوقيا وتنمويا ووطنيا.

التدبير الأمني: وظيفة وحدود

أوقف التدبير الأمني والقضائي موجة الاحتجاج وفرض هدوء ميدانيا في لحظة شديدة التوتر، لكنه لم ينتج وحده جوابا سياسيا يعالج أسباب الأزمة أو يعيد بناء الثقة. فالاحتجاج ينتمي إلى حقل الاجتماع السياسي؛ وتهدئة الشارع تختلف عن تسوية الملف، مثلما يختلف إنفاذ القانون عن بناء القبول والشرعية.

في 5 شتنبر 2017، كتب عبد ربه في مقال منشور بالصحافة الورقية والإلكترونية «حراك الريف: حالة انسداد الأفق تخدم المشاريع الانفصالية» أن المقاربات الإطفائية تترك الأزمة مفتوحة على توظيفات أخطر. ولم يكن المقصود ادعاء قراءة المستقبل، بل التنبيه إلى أن الفراغ الذي تتركه السياسة تملؤه خطابات أكثر تشددا. واليوم برزت في المهجر أصوات انفصالية تتيح مادتها لخصوم المغرب فرصة للاستثمار فيها. وجود هذه الأصوات يستوجب يقظة استراتيجية، بقدر ما يستوجب التمييز بينها وبين سكان الريف ومطالبهم الاجتماعية والثقافية المشروعة. فالخلط بين الاحتجاج والانفصال يمنح دعاة الانفصال ما يبحثون عنه: احتكار الحديث باسم المنطقة.

رصيد إصلاحي أضعفته أزمة الثقة

داخليا، أضعفت أزمة حراك الريف جزءا من الرصيد الذي راكمه المغرب في الإصلاح السياسي والعدالة الانتقالية. وقد ساهمت الرؤية الملكية، منذ بداية العهد الجديد، في منح المغرب موقعا متميزا داخل محيطه الإقليمي، ظهر أثره حين عصفت رياح الربيع العربي باستقرار دول عديدة. غير أن منجزات الإصلاح تفقد جزءا من قوتها حين تعجز المؤسسات عن تحويلها إلى ثقة يومية وعدالة ترابية محسوسة.

ويحتفظ الوجدان الريفي برصيد إيجابي ارتبط بالزيارات الملكية المتكررة إلى المنطقة، وبأوراش إعادة الإعمار والتنمية، وبإشارات القرب التي حملت أملا واسعا في بداية العهد الجديد. ثم جاءت سنوات التوتر، وصدر عن بعض الأصوات كلام جارح في حق الملك وأسرته واضرت بمبدأ دستوري أساسي وهو وجوب الاحترام والتوقير لشخص الملك. وهي عبارات تستحق أسفا واضحا ومراجعة مسؤولة، لأنها لا تمثل أخلاق اهل الريف ولا تختزل مشاعر أهله. واستعادة دفء تلك الصلة تظل ممكنة من خلال مبادرات تحفظ كرامة الجميع، وتجدد الثقة، وتمنح المؤسسات قدرة أكبر على الإنصات والإنجاز.

وسيكون لاستئناف الزيارات الملكية إلى المنطقة، وهي زيارات بقيت حاضرة بقوة في ذاكرة السكان، أثر رمزي بالغ في تجاوز المسافة التي اتسعت خلال السنوات الأخيرة. وتزداد قيمة هذا القرب حين يسنده أداء مؤسساتي منتظم يحول العناية الملكية إلى مشاريع ناجزة، وآجال معلنة، ومسؤوليات قابلة للمساءلة.

الحسيمة مرآة خلل جماعي

قد يطول الحديث عن ثغرات تدبير الأزمة التي أعقبت الوفاة المأساوية لمحسن فكري داخل شاحنة للنفايات. غير أن اختزال المسؤولية في طرف واحد يحجب الدرس الأهم: لقد كانت الحسيمة مرآة كشفت عيوب الجميع، وطرحت أسئلة عميقة حول معنى الوساطة والاحتجاج والتمثيل السياسي في مجتمع تغيرت بنيته ووسائل تواصله.

استطاع شباب قادمون من خارج قنوات التأطير التقليدية أن يتصدروا المشهد ويحركوا قطاعات واسعة من المجتمع. وهذه القدرة تكشف قوة الاحتجاج، كما تكشف فراغا تركته الأحزاب والنقابات والجمعيات والنخب الثقافية. وقد أبرزت الخطب الملكية في تلك المرحلة قصور الوسطاء السياسيين والاجتماعيين، وطرحت ضمنيا السؤال نفسه: كيف تُرك الشارع والقوات العمومية في مواجهة مباشرة؟

وسم الأحزاب بـ«الدكاكين السياسية» من قبل نشطاء الحراك عبّر عن انهيار الثقة في التمثيل، لكنه عمّق بدوره المسافة مع الوسائط الممكنة. أما تفسير ضعف الأحزاب بعوامل ذاتية فقط فيغفل بيئة سياسية وإدارية ساهمت بدورها في إضعاف الاستقلالية والمبادرة. وقد أكدت احتجاجات شبابية لاحقة أن أزمة الوساطة ما زالت قائمة، وأن تغيير الوجوه وحده لا يعيد الثقة ما لم تتغير قواعد المشاركة والمحاسبة ولكن علينا الاعتراف أيضا ان ذلك يمر بالضرورة بإصلاح سياسي جذري لا محيد عنه .

النقد الذاتي مسؤولية متبادلة

بالنسبة إلى معتقلي حراك الريف، يمنح مرور قرابة عقد مسافة زمنية تسمح بقراءة أكثر هدوءا ونضجا. لكن النقد الذاتي المطلوب لا يخص المعتقلين وحدهم؛ إنه مسؤولية تتوزع بين من دبّر القرار الأمني والقضائي، ومن تعثر في تنفيذ البرامج، ومن غاب عن الوساطة، ومن قاد الاحتجاج، ومن ساهم في الاستقطاب الإعلامي، ومن استثمر الجراح من الخارج.

مشروعية المطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي رفعها الحراك ثابتة في جوهرها. وفي المقابل، تستحق حدة بعض الشعارات، والعبارات الشخصية الجارحة، ومنطق التخوين، وضعف التقدير السياسي للمآلات مراجعة صريحة من داخل تجربة الحراك نفسها. مثلما تستحق المتابعات والأحكام الثقيلة، وطريقة التواصل الرسمي، وتأخر الإنجاز التنموي، مراجعة مؤسساتية شجاعة. فالنقد الذاتي يزيد أصحابه قوة حين يكون متبادلا، ويصبح أداة للإنصاف بدل أن يتحول إلى محاكمة أخلاقية لطرف واحد.

كما أن معالجة الآثار الإنسانية والقضائية للأزمة تمثل مدخلا أساسيا لخفض التوتر. وتستطيع مبادرة حقوقية وإنسانية منصفة، تفضي إلى الإفراج عما تبقى من المعتقلين ومواكبة أسرهم وإعادة إدماجهم، أن تفتح بابا جديدا أمام الثقة، خصوصا إذا اقترنت بإقرار المسؤوليات وضمانات تحول دون تكرار أسباب الأزمة.

من إدارة الأزمة إلى أفق التعاقد

السؤال العملي اليوم هو: ما المقاربات القادرة على تجاوز جمود الملف؟ الإجابة الجادة تبدأ بإشراك النخب الريفية في الداخل والمهجر، والقوى المدنية والمؤسسات المنتخبة، لصياغة أرضية حد أدنى مع الدولة المغربية. والمقصود ليس تفاوضا على الانتماء الوطني، بل تعاقد داخل الوطن، يعيد ترتيب الأولويات ويحول الثقة من شعور مطلوب إلى التزامات متبادلة قابلة للقياس.

من هذا المنطلق، نقترح عرض مشروع «ميثاق من أجل مستقبل الريف: الثقة، التعاقد والعدالة المجالية» على المثقفات والمثقفين والباحثين والفاعلين المدنيين والمهنيين وكفاءات الريف في الداخل والمهجر، قصد مناقشته وتدقيقه والتوقيع عليه. اختيار كلمة «التعاقد» مقصود؛ فهي تنقل النقاش من النيات والرموز إلى حقوق وواجبات، وبرامج وآجال، وآليات تتبع ومساءلة. وهي صيغة تحفظ كرامة الدولة وكرامة الريف، وتتيح لكل طرف أن يتحمل نصيبه من المسؤولية.

هذا الميثاق لا يدعي تمثيل سكان الريف أو احتكار التعبير عنهم. إنه مبادرة مدنية أولية ترمي إلى كسر العزلة، وإعادة فتح المجال أمام التفكير المشترك، وبناء أرضية وطنية تجمع حولها إرادات متعددة. ويمكن أن يقوم على المبادئ والالتزامات الآتية:

1. الوحدة الوطنية إطار جامع، وخصوصية الريف التاريخية والثقافية واللغوية رافد يغني هذه الوحدة.

2. رفض الانفصال والعنف والكراهية، مع حماية الحق في التعبير والاحتجاج السلمي والمطالبة بالإنصاف.

3. معالجة حقوقية وإنسانية عادلة لآثار ملف الحراك، تشمل المعتقلين وأسرهم والاندماج اللاحق.

4. تعاقد ترابي واضح حول الصحة والتعليم والشغل والبنية التحتية والاستثمار، بمؤشرات وآجال منشورة.

5. ربط المسؤولية بالمحاسبة، والكشف المنتظم عن نسب تنفيذ المشاريع ومصير الاعتمادات والتعثرات.

6. إشراك الشباب والنساء والكفاءات المحلية ومغاربة العالم في تصور السياسات وتتبعها وتقييمها.

7. تحويل القرب الملكي والرمزي من المنطقة إلى انتظام مؤسساتي يضمن الاستمرارية والفعالية.

إلى النخبة الريفية: من النقد إلى المبادرة

تملك النخبة الريفية اليوم فرصة للانتقال من تشخيص المأزق إلى المساهمة في فتح أفق. ودورها لا يقوم على التحدث باسم السكان، بل على توفير لغة مشتركة، وفرز الممكن من الشعارات، وربط المطالب بالسياسات العمومية، وصناعة مساحة حوار تحمي الوطن والمنطقة معا. كما أن توقيع الميثاق ليس تزكية رمزية، بل التزام بالإنصات، والاختلاف المسؤول، والدفاع عن الحلول السلمية، وتتبع ما يُتفق عليه.

ويمكن أن تنتظم مناقشة هذه الأرضية حول سؤال واحد: «كيف نجعل المستقبل في الريف مفعم بالأمل؟ فهذا السؤال يضعنا أمام معيار عملي: هل يستطيع الشاب أن يرى صلة بين الخطاب والواقع؟ وهل يلمس المواطن أثرا للبرامج المعلنة؟ وهل تستعيد المؤسسات ثقتها عبر الإنصات والشفافية والإنجاز؟ وهل يتحول اختلاف الذاكرة والتقدير إلى طاقة للتعاقد بدل أن يبقى وقودا للقطيعة؟

فرصة وطنية لكسر الجمود

عشر سنوات مدة كافية لخفض حرارة اللحظة، لكنها لم تكن كافية لمعالجة كل آثارها. وقد آن الأوان للانتقال من سؤال «من أخطأ أولا؟» إلى سؤال «كيف نصحح المسار معا؟». الميثاق المقترح ليس وصفة جاهزة، بل بداية لمسار يحتاج إلى إرادة سياسية، وشجاعة فكرية، واستجابة مؤسساتية، وثقة تُبنى بالنتائج.

إن مستقبل الريف شأن وطني، والتعاقد حوله يقوي الدولة ويحمي المنطقة من العزلة ومن الاستغلال الخارجي. ويستمد هذا المسار قوة إضافية من المكانة الدستورية للمؤسسة الملكية ومن رصيد العناية الملكية الذي عرفته المنطقة، على أن تترجمه الحكومة والمؤسسات والجماعات الترابية إلى عمل منتظم ونتائج مستدامة.

لهذا أتوجه بهذه الدعوة إلى النخبة الفكرية والمدنية الريفية: لنجعل من الميثاق أرضية للتفكير والتصحيح والاقتراح، لا وثيقة لتصفية الحسابات. ولنعمل على صياغة حد أدنى وطني يربط الثقة بالتعاقد، والكرامة بالمسؤولية، والتنمية بالعدالة المجالية. نجاح هذا المسار رهين بإرادة صادقة من جميع الأطراف، وبقدرتنا على وضع مصلحة الوطن ومستقبل الريف فوق الحسابات الضيقة.

د. سفيان الحتاش : باحث

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media