قيم هذا المقال
جدل في إسبانيا حول أسرة مغربية قيل إنها تتلقى 4000 يورو شهرياً من المساعدات الاجتماعية (4.00)
غموض يلف مستقبل خط موتريل–الحسيمة بعد استحواذ باليريا على أنشطة أرماس (0)
انتخابات الحسيمة.. بين وجوه جديدة ووجوه أنهكها طول الانتظار (0)
بلجيكا.. النيابة العامة تطالب بـ7 سنوات سجناً لمغربي في قضية تهريب الكوكايين (0)
طقس حار ورياح عاصفية وزخات رعدية قوية بعدد من مناطق المملكة (0)
الحركة الشعبية تراهن على محمد لعرج لاستعادة مقعدها بالحسيمة (0)
المرتضى اعمراشا يكتب : الخزوماشوقية
بقلم: المرتضى إعمراشا
ليس ثمة ما يبعث على الأسى والتأمل المرير في مآلات الأفكار الكبرى، أكثر من مراقبة تلك الانزياحات التراجيدية التي تطرأ على المفاهيم حين تغادر مضاربها الفلسفية القلقة لتستقر في ساحات الاستهلاك الجماهيري المبتذل، إذ ليس أكثر إثارة للسخرية من أن يتحول نقد الخطاب الديني، الذي وُلد في أصله كمشروع معرفي شاق ومكابد، يتطلب إحاطة صارمة بالتاريخ وتمرسًا بالفلسفة ووعيًا باللسانيات وتفكيكًا حذرًا لأدوات التأويل، إلى مجرد صرعة استهلاكية تُتداول بخفة على أرصفة مواقع التواصل الاجتماعي. فبعد أن كان السؤال المنهجي عن طبيعة علاقة النص المقدس بالسياق التاريخي، وعن الحدود المعقدة للسلطة الدينية، وعن آليات تشكل المفاهيم الفقهية والكلامية عبر العصور، وعن الشروط السياسية والاجتماعية لإنتاج المعرفة، سؤالًا وجوديًا يحتاج إلى سنوات طوال من القراءة الصامتة والبحث المضني والشك المنهجي، أصبح يكفي اليوم في زمن الاستلاب الرقمي أن تحفظ شذرات مبتورة من قاموس الحداثة، وأن تستدعي عن ظهر قلب أسماءً معدودة من فلاسفة التنوير، وأن تعلق صورة نيتشه أو ماركس أو سبينوزا على واجهة حسابك الافتراضي، لكي تنصب نفسك فجأة في مقام الديان الذي يوزع صكوك الغفران التنويرية وشهادات الحرمان الرجعية على الناس. وهنا، لا تكمن المشكلة الحقيقية في أن هؤلاء يوجهون سهام النقد نحو الدين، ولا حتى في اتخاذ بعضهم موقفًا جذريًا من الموروث الديني ورموزه، فالنقد مهما اشتط يظل حقًا فكريًا مشروعًا وضرورة حضارية لا غنى عنها، بل إن المجتمعات التي تفقد شجاعتها في مساءلة مسلماتها وتخاف من تفكيك يقينياتها تحكم على نفسها بالموت السريري وتتحول في النهاية إلى مجرد متاحف بائسة للأفكار المحنطة، إنما الخلل العميق والمأساة الحقيقية تكمن في ذلك الانزياح المخيف لعملية النقد، من كونها منهجًا مستمرًا في التفكير والمساءلة، إلى كونها هوية اجتماعية مغلقة ومتصلبة، ومن كونها فعلًا معرفيًا يبتغي تحرير العقل، إلى أداء جماهيري استعراضي يبتغي حصد الإعجابات وتصفيق القطيع، ومن كونها سؤالًا مفتوحًا ومشرعًا على كل الاحتمالات، إلى يقين جديد ودوغما مستحدثة لا تسمح لنفسها بأن تُسأل أو تُنتقد.
ولعلنا في غمرة هذا التيه المعرفي نحتاج إلى استدعاء استعارة تراثية عميقة، وهي لفظة «الحشوية»، لا لكي نستخدمها باعتبارها حكمًا تاريخيًا جامدًا على جماعة بعينها أو فرقة محددة، فالمصطلح نفسه كان ملتبسًا وشديد السيولة وتعدد الاستعمالات في تراثنا الإسلامي، واستُخدم في سياقات جدلية لتبادل التهم بين الفرق المتخاصمة، وإنما نستدعيها هنا باعتبارها استعارة نقدية ومفتاحًا تحليليًا لظاهرة معرفية ونفسية أوسع وأخطر، وهي ظاهرة «التخمة» التي تخدع صاحبها، فتجعله يتوهم أن كثرة المواد المتراكمة تعني بالضرورة عمق المعرفة، وأن كثرة النقول المستنسخة تبدو وكأنها حجة دامغة، وأن كثرة الكلام والضجيج اللفظي يمثل فكرًا ورؤية. ومن قلب هذا الفهم تتخلق أمامنا حاجة ملحة لنحت تسمية ساخرة وموازية تصلح في سياقنا المعاصر والمأزوم لوصف هذا التشوه الجديد، ولتكن هذه التسمية هي «الخزوماشوقية»، بوصفها تعبيرًا دقيقًا عن نوع آخر من الحشو المستحدث، حشو لم يعد يكترث بتكديس النصوص المقدسة والأحاديث والمرويات التراثية، وإنما استبدل بها حشو المصطلحات الرنانة والمقولات الغربية والاقتباسات المنزوعة من سياقاتها والشعارات التنويرية الجاهزة. فإذا كانت الحشوية القديمة في أحد تجلياتها واستعمالاتها الجدلية في التراث، تُنتقد وتُرفض بسبب تعاملها السطحي وغير المنهجي مع كثرة المرويات وتغييبها للعقل الفاحص، فإن الخزوماشوقية الرقمية المعاصرة تمثل بكل أسى حشوية من نوع جديد وبنسخة محدثة، حشوًا يرتدي عباءة التنوير، تتراكم فيه أسماء الفلاسفة والمفكرين الغربيين تمامًا كما كانت تتراكم روايات المحدثين، وتُستدعى فيه الاقتباسات المترجمة كما كانت تُستدعى الآثار والأخبار القديمة، وتتحول فيه صورة المفكر الحداثي إلى ما يشبه السند المقدس الذي يمنح العصمة للفكرة، وكأن مجرد ذكر اسم ميشيل فوكو أو فريدريك نيتشه يعفي المتحدث عن إقامة الحجة المنطقية وعناء البرهان.
وهكذا بفعل هذه التحولات المتسارعة نجد أنفسنا نقف بذهول أمام مفارقة طريفة ومحزنة في آن واحد، فقد كان الحشوي القديم يقف في الساحات ليقول باعتزاز قال فلان وحدثنا فلان، بينما يقف الخزوماشوقي المعاصر على منصات التواصل ليقول بالاعتزاز الزائف نفسه قال نيتشه وأثبت فوكو وفكك سبينوزا، فالأول في بساطته التراثية كان يعتقد واهمًا أن كثرة الروايات وتطويل الأسانيد تصنع الحقيقة المطلقة، والثاني في ادعائه الحداثي يعتقد واهمًا أن كثرة رص أسماء الفلاسفة واستعراض المصطلحات المعقدة تصنع الحداثة والوعي المتقدم، وبينهما إذا ما أمعنّا النظر وتجاوزنا القشور الخادعة لا يوجد أي اختلاف في البنية الذهنية أو الهيكل المعرفي الذي يحكم طريقة التفكير، بل الاختلاف محصور فقط في نوعية المادة المحشوة داخل هذه البنية، فالعقل المستقيل هو ذاته العقل المستقيل، سواء كان يستقيل أمام نص تراثي مغرق في القدم، أو يستقيل أمام مقولة فلسفية مترجمة حديثًا. إن التنوير في معناه الجاد والأصيل لم يكن في أي محطة من محطاته التاريخية مجرد حفلة تنكرية نتبادل فيها الاقتباسات المستوردة، ولم يكن يومًا مجرد موقف مضاد وعنيف من الدين فحسب، ولم يتأسس قط على كونه مجموعة من الشتائم والانفعالات الموجهة إلى رجال الكنيسة أو المؤسسة الدينية، لقد كان حركة تاريخية مركبة ومسيرة معقدة مليئة بالآلام والمراجعات وإعادة النظر الجذرية في مصادر السلطة والمعرفة، وفي تشريح العلاقة الشائكة بين العقل المتسائل والتقاليد الراسخة، وفي رسم حدود التماس بين الدولة المدنية والدين، وفي إعادة تعريف معنى الحرية الإنسانية، وحتى عندما نتأمل موقف مفكري التنوير الكبار من الإسلام أو من الأديان عمومًا، نجد أنه لم يكن موقفًا أحاديًا صلبًا أو كتلة صماء كما يروج له أتباع التنوير السطحي اليوم، بل تراوح هذا الموقف تاريخيًا بين الإعجاب الشديد والنقد المنهجي الصارم والعداء الأيديولوجي وسوء الفهم العميق، تبعًا لطبيعة المفكر نفسه والسياق التاريخي الذي يكتب فيه.
بيد أن ما حدث مع الانفجار الرقمي هو أن مواقع التواصل الاجتماعي بخوارزمياتها التي تقتات على الاستقطاب والتسطيح، اختزلت كل هذه المسائل الفلسفية والتاريخية المركبة وحولتها بقسوة إلى ثنائيات ضدية ساذجة وقابلة للاستهلاك السريع، فأصبح العالم مقسمًا بحدة إلى متدين في مواجهة تنويري، وعقلاني يصارع خرافيًا، وتقدمي يلعن رجعيًا، وفي ظل هذا التقسيم الفاشي والمانوي للعالم صار المطلوب من الفرد الفزع أن يختار فريقه الكروي الفكري أولًا وأن يعلن ولاءه للمعسكر قبل أن يكلف نفسه عناء فهم طبيعة القضية. وهنا تحديدًا تبدأ الكارثة الحقيقية في التبلور، لأن النقد الحقيقي والجاد يبدأ دائمًا من منطقة القلق المعرفي وينطلق من حزمة من الأسئلة الصعبة حول نشأة الفكرة وسياقها وحججها وتاريخها، أما النقد الجماهيري الغوغائي فيبدأ غالبًا بسؤال إقصائي واحد حول المعسكر الذي ينتمي إليه صاحب هذه الفكرة، فالأول يريد فهم الفكرة بعمق لكي يفككها وينقدها بموضوعية، بينما الثاني لا يهتم بالفكرة إطلاقًا بل يريد تصنيف صاحبها ووضعه في خانة محددة لكي يسهل عليه شيطنته والانتصار عليه أمام الجمهور. ولهذا السبب الدقيق، فإن بعض أكثر الخطابات التي تملأ الفضاء الرقمي اليوم والتي تقدم نفسها بزهو وغرور باعتبارها نقدًا جذريًا للخطاب الديني، ليست في حقيقتها العميقة سوى استنساخ مشوه وإعادة إنتاج حرفية للخطاب الديني نفسه ولكن بطريقة معكوسة، فكما أنه يوجد خطاب ديني متكلس يختزل تعقيدات العالم في مجموعة من الأحكام الفقهية الجاهزة والقوالب الصارمة، يوجد في المقابل خطاب تنويري شعبي وشعبوي يختزل العالم بأسره في مجموعة من الأحكام الجاهزة والشعارات المضادة، وكما يوجد من المتدينين من يتعامل مع النصوص الدينية وكأنها أجوبة نهائية ومغلقة تسد الطريق أمام طرح أي أسئلة جديدة، يوجد اليوم من المتنويرين من يتعامل مع مقولات الحداثة ونظريات الفلاسفة وكأنها هي الأخرى أجوبة نهائية وحقائق مطلقة قبل حتى دراسة الأسئلة التي أنتجت تلك المقولات في بيئتها الأصلية.
والأغرب من هذا كله، والذي يدعو للتأمل في سيكولوجيا الجماهير، أن هذين الطرفين اللذين قد يبدوان على السطح متخاصمين بشراسة وفي حالة حرب ضروس، هما في العمق النفسي والمعرفي يشتركان بشكل يبعث على الدهشة في بنية معرفية واحدة ويتنفسان من رئة نفسية واحدة، وهي رئة اليقين السهل، فهذا الطرف الأول يقول لك بثقة عمياء وإقصاء للآخر إن الأمر واضح ولا يحتاج لجدال لأن الدين قال كذا، وذاك الطرف الثاني يرد عليه بثقة لا تقل عمى وإقصاءً بأن الأمر محسوم ومبتوت فيه لأن التنوير والعلم قال كذا، فالأول في كسله المعرفي يضع النص المقدس في نهاية النقاش ليخرس به محاوره، والثاني في كسله المماثل يضع شعار العقل كصنم جديد في نهاية النقاش ليلغي به وجود الآخر. إنها والحال هذه ليست أبدًا مواجهة ملحمية بين النور والظلام أو بين العقل واللاعقل كما يحلو لبعض غلاة دعاة المعسكرين أن يتخيلوا في سكرتهم الأيديولوجية، وإنما هي في حقيقتها المرة مواجهة بائسة بين شكلين من أشكال الجمود الفكري، وصراع عبثي بين دوغما دينية قديمة ودوغما علمانية حديثة، ولذلك كله فإنني حين أتأمل المشهد الثقافي الراهن، لا أرى أن أخطر ما أصاب الخطاب الديني المعاصر هو وجود من ينتقده أو يفكك بنيانه فهذا مسار طبيعي وصحي، كما أنني لا أرى أبدًا أن أخطر ما أصاب مشاريع التنوير العربية هو وجود من يختلف معها ويناصبها العداء، بل إن الأخطر والأشد فتكًا بالعقل العربي هو أن تتحول عملية النقد نفسها إلى طقس جماهيري استعراضي وحفلة زار فكرية، يصبح فيها مجرد مهاجمة الدين وشتم المقدسات دليلًا قاطعًا على العمق الفكري، تمامًا كما كان مجرد الدفاع الأعمى عن التراث دليلًا لا يُرد على التقوى والصلاح عند بعض الأوساط التقليدية.
إننا نعيش اليوم نوعًا غير مسبوق من التخمة التنويرية، وهي تخمة تشبه إلى حد التطابق التخمة الغذائية التي تصيب الجسد، فكما أن كثرة المواد الغذائية وتراكمها في المعدة لا تعني بالضرورة جودة الغذاء أو صحة البدن بل قد تؤدي إلى التسمم وعسر الهضم، كذلك فإن كثرة تدفق المعلومات لا تعني بناء الوعي، لقد أصبح الإنترنت بقوة خوارزمياته الجبارة قادرًا على أن يضع أمام شاب في العشرين من عمره عشرات الساعات من المحتوى المكثف عن نيتشه وفرويد وماركس وفوكو وسبينوزا وداروين، لكن هذا الإنترنت العظيم نفسه يقف عاجزًا تمامًا عن أن يمنح هذا الشاب بالسرعة نفسها القدرة المنهجية على قراءة هؤلاء المفكرين الكبار داخل سياقاتهم التاريخية والسياسية، أو يمنحه الأدوات المعرفية لفهم خلافاتهم الفلسفية العميقة والتمييز الدقيق بين أفكارهم وتطورها ومعرفة ما الذي قالوه فعلًا في متون كتبهم وما الذي نُسب إليهم زورًا أو اختزالًا. والنتيجة الكارثية لهذا الضخ المعلوماتي العشوائي هي ولادة أمية جديدة ومركبة تتخفى وتترعرع داخل وفرة معرفية هائلة، أمية لا تدرك جهلها بل تتوهم المعرفة، ففي الماضي كانت المشكلة الكبرى تتمثل في أن الإنسان الشغوف لا يجد كتابًا يقرأه، أما اليوم فقد انقلبت الآية ولم تعد المشكلة في شح المصادر، وإنما في أن الإنسان يجد أمامه ملايين الكتب والمقالات والمقاطع والاقتباسات بضغطة زر، ثم يخرج من كل هذا الركام الهائل وهو أكثر يقينًا ودوغماطيقية وأقل معرفة وفهمًا وتواضعًا.
وفي هذا المستنقع المعلوماتي تصبح وسائل التواصل الاجتماعي بيئة مثالية وحاضنة نموذجية لنمو السفسطة في أبشع صورها، فالسفسطة في معناها الفلسفي الأعمق ليست مجرد الكذب البواح أو المغالطة المنطقية الصريحة التي يسهل كشفها، بل هي تلك القدرة الخبيثة والمهارة الأدائية على صناعة مظهر الحجة، أن يبدو الكلام المنمق وكأنه برهان عقلي قاطع، وأن يبدو المتكلم المستعرض وكأنه قد انتصر في المعركة الفكرية وأفحم خصمه حتى لو لم يحدث في الحقيقة وفي ميزان العقل شيء من ذلك على الإطلاق. وهذا هو بالتحديد جوهر المشكلة في الغالبية العظمى من المناقشات والسجالات الرقمية التي نشهدها يوميًا، فالمتحاورون في قرارة أنفسهم لا يبحثون عن الحقيقة ولا تقض مضاجعهم الأسئلة الوجودية، بقدر ما يبحثون بلهفة نرجسية عن تلك اللحظة المسرحية التي يبدو فيها أحدهما أكثر ذكاءً وحدة وسخرية أمام الجمهور المتابع، فالجمهور هنا لا يقف موقف المتفرج البريء أو المستمع المحايد، بل إنه يمثل جزءًا عضويًا وأساسيًا من صناعة الحجة وتوجيه دفة الحوار، والمتكلم سواء كان من دعاة التراث أو من أدعياء التنوير يدرك جيدًا أن أمامه جمهورًا متحفزًا ينتظر الدماء المعنوية، ولذلك فهو لا يخاطب عقل خصمه بحثًا عن نقطة التقاء، بل يخاطب بذكاء انتهازي تصورات جمهوره المسبقة عن خصمه ليعزف على أوتار غرائزهم وتخندقاتهم. وهكذا يتحول النقاش المعرفي الجاد من حوار يهدف لإنتاج المعنى إلى مسرح للفرجة، وتتحول المعرفة من مكابدة ذاتية إلى أداء استعراضي، وتتحول الحجة العقلية من بناء منطقي متماسك إلى مجرد لقطة أو فيديو قصير قابل للانتشار السريع، ويتحول الباحث الرصين الذي يفني عمره بين المخطوطات والكتب إلى مجرد مؤثر يلهث خلف الترند ويرتهن لمزاج الخوارزميات، ولأن المنصة الرقمية بطبيعتها التقنية والرأسمالية لا تسأل أبدًا عن من معه الحق أو من يمتلك الحجة الأقوى بل تسأل سؤالًا براغماتيًا واحدًا عن ما الذي يمكن أن يثير الغرائز وينتشر بسرعة، فإن الأفكار الأكثر تعقيدًا وتركيبًا وعمقًا ليست بالضرورة هي الأفكار الأكثر انتشارًا ورواجًا، بل إن كلما كان الموضوع المطروح أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى مقدمات وتفكيك كانت فرص اختزاله وتشويهه وتحويله إلى جملة صادمة مستفزة أكبر بكثير، وكلما تحلى المفكر بشجاعة أن يقول لا أدري جاء شخص آخر أقل علمًا وأكثر وقاحة ليحصد آلاف المشاهدات لأنه نظر إلى الكاميرا بثقة العارف وقال إليكم الحقيقة المطلقة التي لا يريدونكم أن تعرفوها.
وحين يصل الفكر الإنساني إلى هذه المرحلة المنحدرة من التحزب والهوياتي، يكون قد بدأ فعليًا يفقد شيئًا جوهريًا وثمينًا من روحه النقدية ومن مسوغات وجوده، لأن التنوير حين يتحول إلى مجرد هوية اجتماعية مغلقة وقبيلة فكرية تحرس حدودها الوهمية، يفقد شرطه الأساسي كفعل تنويري مستمر ومتمرد، والعقلانية حين تنتشي بذاتها ولا تسمح لنفسها بالنقد والمراجعة المستمرة وتفكيك أسسها تتحول ببطء إلى عقيدة صلبة ومقدس جديد لا يقل خطورة عن المقدسات القديمة. ولذلك كله فإننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى، ربما نحتاج إلى ممارسة نقد صارم وجذري للتنويروية الزائفة بقدر حاجتنا الماسة إلى نقد الخطاب الديني التقليدي، ليس لأن فكرة التنوير في ذاتها تمثل مشكلة أو عائقًا، وإنما لأن خطاب التنوير نفسه في بيئة هشة يمكن أن يتكلس ويتحول إلى بنية تشبه تمامًا الخطاب الديني الدوغمائي، وذلك حين يصبح أتباعه ومريدوه أكثر اهتمامًا بحراسة أسوار الهوية وتكفير المخالفين من اهتمامهم باختبار الأفكار وتطويرها وتنسيبها. وهنا تحديدًا تصبح الخزوماشوقية كمفهوم مستحدث أداة تحليلية مفيدة وكاشفة، إنها صرخة غضب ليست موجهة ضد التنوير كأفق للتحرر، وإنما هي موجهة بقوة ضد التحول البائس للمشروع التنويري إلى مجرد عملية حشو ذهني جديد، هي صرخة ضد أن يصبح نقد الدين والتراث مهنة مستباحة بلا أدوات منهجية ولا رصيد معرفي، وضد أن يصبح الاستشهاد المبتور بفيلسوف أجنبي بديلًا كسولًا عن فهم نسقه الفكري المركب، وضد أن تصبح السخرية الفجة من المؤمن البسيط دليلًا متوهمًا على العقلانية والتعالي الفكري.
إن المعركة الحقيقية والوجودية التي يجب أن تُخاض اليوم في ساحاتنا الثقافية، ليست معركة استقطابية بين فسطاط الحشوية وفسطاط التنويريين كما تصوّر لنا المنصات الرقمية، وإنما هي معركة أعمق وأشرف، معركة بين المنهج الصارم الذي يولد الأسئلة وبين الحشو الكسول الذي يراكم الإجابات، وربما يكون علينا كواجب معرفي وأخلاقي وقبل أن نتوجه بمطالبنا الملحة للمسلمين بضرورة نقد وتفكيك خطابهم الديني المتكلس، أن نلتفت أولًا ونطالب من يسمون أنفسهم نقاد الخطاب الديني بأن يمارسوا النقد على ذواتهم وأن يفككوا خطابهم الاستعلائي وأن يمتلكوا الشجاعة الكافية لوضع التنوير عاريًا تحت مشرط السؤال المنهجي نفسه الذي طالما وضعوه بلا رحمة أمام جسد الدين. إن أخطر وأفدح ما يمكن أن يحدث لمشروع التنوير في بلداننا المنهكة، ليس أن يفشل فشلًا ذريعًا ويندثر فهذا وارد في حركة التاريخ، وإنما الخطر الحقيقي هو أن ينجح نجاحًا جماهيريًا سيئًا ومزيفًا، أن يتحول من كونه مشروعًا نبيلًا لتحرير العقل البشري من الأغلال إلى مجرد هوية جديدة براقة تستعبد العقل من جديد وتكبله بشعاراتها، وأن ينحدر من كونه دعوة شجاعة وقلقة إلى طرح السؤال إلى كونه مجرد دكان يوزع مجموعة من الإجابات المعلبة والجاهزة للاستهلاك، وعندها يصبح المشهد الثقافي مضحكًا ومأساويًا في آن واحد، حشوي تقليدي يكدس الروايات والأحاديث دون فقه لمتونها يقابله خزوماشوقي حداثي يكدس الاقتباسات والمصطلحات دون فهم لأنساقها الفلسفية، كلاهما يقف منتصبًا يظن يقيناً أنه يملك الحقيقة المطلقة ويقبض على مفاتيح الخلاص، وكلاهما يخلط بخطيئة معرفية كبرى بين امتلاك الجواب الجاهز وبين امتلاك المعرفة الحية التي تتولد من رحم المكابدة والشك. ولعلنا أمام كل هذا العبث المستشري لم نعد نحتاج إلى مزيد من هذا الضجيج التنويري الأجوف الذي يصم الآذان ولا ينير العقول، بل بتنا في أمس الحاجة إلى قليل من التواضع المعرفي الحقيقي، لم نعد نحتاج أبدًا إلى مزيد من أولئك الذين يقفون على المنابر الرقمية ليقولوا لنا بثقة الأنبياء الجدد إنهم اكتشفوا الحقيقة النهائية، بل نحتاج بشوق بالغ إلى ذلك المفكر الإنسان الذي يمتلك من الشجاعة والنبل ما يجعله يقف ليقول لنا أين يمكن أن يكون هو نفسه مخطئًا وأين تكمن حدود عقله ونسبية فكرته، ففي زمن هذه التخمة التنويرية البائسة قد يصبح أكثر الناس تنويرًا وعمقًا هو ذلك الإنسان أقلهم ادعاءً للتنوير وأزهدهم في رفع شعاراته، وأكثرهم عقلانية ورصانة هو ذلك الذي يحتفظ دائمًا وفي كل ظروفه بحق الشك القاسي في قدرات عقله هو قبل أن يمارس حق الشك في عقول خصومه، أما هذه الخزوماشوقية التي تجتاحنا اليوم في صورتها الرقمية المعاصرة والصاخبة، فليست في نهاية المطاف سوى الوجه الآخر والأكثر بشاعة وتخفياً للحشوية القديمة الميتة، إنها المأساة تتكرر في صورة مهزلة حين يصبح الحشو نفسه أكثر حداثة وادعاءً من الحشوية ذاتها، وحين يتغير فقط نوع التبغ الذي يُحشى به العقل البشري بينما يبقى هذا العقل المحشو والمسلوب الإرادة قابعًا على حاله من الجمود والكسل واليقين الزائف ينتظر من يحرره من محرريه المزعومين.
.....................
* * الخزوماشوقية: مصطلح طلابي ريفي بجامعة محمد الأول بوجدة، يصف الحشو الفكري والتراثي وتكديس المعرفة دون فهم أو نقد أو إنتاج. المصدر: طلبة جامعيون بوجدة.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

