قيم هذا المقال
اليورو يتجاوز 11 درهماً لأول مرة منذ سنوات مقابل العملة المغربية (5.00)
المنصوري تتوصل بتهنئة من أمناء «البام» السابقين باستثناء إلياس العماري (1.00)
الحسيمة.. الأستاذ أحمد الهلالي يدخل يومه الثالث من الاعتصام للمطالبة بتنفيذ حكم قضائي (0)
الحسيمة.. نجاة فتاتين من الغرق بعد سقوطهما من «جيتسكي» بشاطئ أُسفيحة (0)
المرتضى اعمراشا يكتب : الورقة السياسية.. المنطقة الرمادية وشروط العقلانية النضالية (0)
الحسيمة.. المستشفى الإقليمي يتعزز بـ18 طبيباً في مختلف التخصصات (0)
سبتة: أكثر من 1200 مغربي يختارون العودة الطوعية بعد تفكيك مخيم «ترامبولين» (0)
المرتضى اعمراشا يكتب : الورقة السياسية.. المنطقة الرمادية وشروط العقلانية النضالية
بقلم: المرتضى إعمراشا
تضعنا التجربة التاريخية للحركات الاحتجاجية، دوماً، أمام لحظة فارقة يتراجع فيها سؤال «من يملك الحق؟» لصالح سؤال أشد قسوة وإزعاجاً: «ماذا فعلنا بهذا الحق؟ وإلى أي نتيجة استطعنا أن نقوده؟». فليس كل حق قادراً، بمجرد كونه حقاً، على أن يتحول تلقائياً إلى واقع ملموس، وليست كل قضية عادلة محكومة بالانتصار لمجرد أن أصحابها كانوا صادقين في الدفاع عنها. السياسة، في جوهرها البنيوي، لا تنشغل فقط بنبل الدافع، بل بمقدار ما يستطيع هذا الدافع أن يتركه في حياة الناس من أثر. ولهذا فإن التاريخ لا يحفظ فقط أصحاب المواقف الأكثر صلابة، بل يخلد أيضاً من امتلكوا في اللحظات الحرجة الجرأة على تحويل الألم إلى فرصة، والغضب إلى قوة تفاوضية، والمطلب الأخلاقي إلى مكسب سياسي يحفظ الكرامة ويفتح آفاق المستقبل.
وهنا تحديداً تبدأ المعضلة الكبرى التي كثيراً ما تعجز الحركات الاحتجاجية عن مواجهتها بوضوح: ماذا نفعل حين يكون المبدأ صحيحاً، لكن الطريق الذي نسلكه إليه لم يعد ينتج شيئاً سوى إعادة إنتاج المعاناة؟ وماذا نفعل حين يصبح الحفاظ على "صورة الموقف" أغلى من القضية التي نشأ الموقف أصلًا للدفاع عنها؟ في مثل هذه اللحظات، تنقسم النخب والجمهور عادة إلى معسكرين؛ فريق يرى أن أي زحزحة عن السقف الأول هي خيانة للتضحيات، وفريق يرى أن السياسة تقتضي ألا تبقى واقفاً في المكان نفسه بينما الخريطة تتغير من حولك. الأول يخشى أن يتحول التنازل إلى انكسار ممتد، والثاني يخشى أن يتحول الجمود إلى هزيمة غير معلن عنها، تُمرر تحت يافطة "الصمود".
غير أن المأساة الحقيقية تبدأ حين يتحول الخلاف السياسي السليم إلى محكمة أخلاقية، وحين يُصبح الاختلاف في تقدير الوسائل والمناورات اتهاماً صريحاً في النيات والضمائر. عندها لا يعود السؤال: أي الطرق كفيل بانتزاع المكاسب للناس؟ وإنما يستحيل الصراع إلى سباق في الطهارة والنقاء الفردي: من الأكثر وفاءً؟ من الأكثر صلابة؟ ومن الأقل قابلية للتفاوض؟ وكأن القضية لا تحتاج إلى عقول قادرة على تحريك الواقع الصعب، بل تحتاج فقط إلى رموز يُتقنون الاحتفاظ بأعلى صورة أخلاقية لأنفسهم. وهذه واحدة من أخطر المفارقات في تاريخ النضالات الاجتماعية: أن يتحول الدفاع عن القضية إلى دفاع عن صورة الفاعل داخل القضية، ولو كان الثمن هو استمرار النزيف.
إن تشريح بنية القوة يُعلمنا أن الدولة -مهما اختلفنا مع سياساتها- ليست مجرد خطابات أو انفعالات أخلاقية، بل هي شبكة معقدة من المؤسسات والمصالح والحسابات الأمنية والسياسية والتوازنات الداخلية والخارجية. والتعامل مع السلطة بمنطق المظلومية المجردة يشبه من يحاول عبور نهر جارف مطارداً بوهم أن الماء يجب أن يحترم عدالة قضيته! قد تكون محقاً أخلاقياً، لكن النهر لا يعترف إلا بقوانين التدفق والتدافع. من هنا، فإن فهم موازين القوى ودراسة الخصم ليس استسلاماً ولا إعجاباً به، بل هو الشرط الأول والأسياسي لأي محاولة جادة لتغييره أو انتزاع الحقوق منه.
وفي المقابل، فإن الوجه الآخر لهذه الحقيقة لا يقل أهمية: ليست كل مرونة حكمة، كما ليست كل تسوية إنجازاً. فالتفاوض يمكن أن يكون باباً لانتزاع الحرية والكرامة، ويمكن أن يستحيل إلى مجرد أداة لإلتفاف على مطالب الناس وإغلاق الملفات دون معالجة أسبابها الجذرية. لذلك، لا ينبغي أن يُسأل أي مخرج سياسي فقط: «هل أنهى الصراع؟»، بل يجب أن ينصب السؤال على المضمون: ماذا أبقى؟ ماذا غيّر؟ هل خفف ألم الناس؟ هل أعاد الاعتبار للضحايا؟ أم أنه كان مجرد تسكين مؤقت لا يخدم سوى الاستقرار الظاهري؟
إن الخطر الأكبر الذي يتهدد أي قضية عادلة ليس فقط بطش الخصوم، بل قدرتها الذاتية على نقل مركز المعركة من الخارج إلى الداخل، فتتحول المواجهة مع الظلم إلى صراع استنزاف بين أبناء القضية الواحدة حول من هو الأكثر ثباتاً ومن هو الخائن. تستطيع الحركات أن تعيش وتتطور باختلاف الآراء واجتهاد التقديرات، لكنها تنهار حتماً إذا أصبح كل رأي مغاير خيانة، وكل مراجعة شجاعة تراجعاً، وكل تفاوض طعناً في الذاكرة.
ـ يجب أن يظل «الإنسان» هو الأصل وهو الغاية، لا المادة الإعلامية ولا الرقم في بيانات الاعتقال. إن السجون ليست رمزاً يجب الحفاظ عليه لإثبات الصلابة، بل هي واقع مؤلم ينبغي إنهاؤه متى ما أمكن ذلك بأسلوب يحفظ الكرامة والحقوق. فالنضج الحقيقي لأي حركة مجتمعية يتجلى في امتلاك الشجاعة لمواجهة الذات وطرح الأسئلة الصعبة: ماذا حققنا؟ وما الذي يمكن إنقاذه؟ فالشجاعة لا تتجلى فقط في مواجهة بنى السلطة، بل تتجلى، وبنفس القدر، في مواجهة أوهامنا عن أنفسنا وعجزنا عن تحويل المبدأ إلى واقع يعيشه الناس.
المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

