English French German Spain Dutch

rif category

قيم هذا المقال

0

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

الرئيسية | كتاب الرأي | من الهجرة إلى البحر.. هل يصبح ساحل بني بوفراح محركا جديدا للتنمية؟

من الهجرة إلى البحر.. هل يصبح ساحل بني بوفراح محركا جديدا للتنمية؟

من الهجرة إلى البحر.. هل يصبح ساحل بني بوفراح محركا جديدا للتنمية؟

بقلم: يحيى أعبود

من يقرأ اليوم الدراسة التي أنجزها بول باسكون وهيرمان فان دير فوستن حول بني بوفراح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، يكتشف منطقة كانت تواجه معادلة اقتصادية صعبة: موارد مائية محدودة، زراعة ضعيفة المردودية وشديدة الارتهان للأمطار، نمو سكاني، وفرص محلية غير كافية لاستيعاب السكان. وكانت الهجرة، داخل المغرب وخارجه، إحدى الإجابات الرئيسية عن هذه المعضلة.

لكن بعد قرابة نصف قرن، يحق لنا أن نطرح سؤالا مختلفا: ماذا لو أصبح البحر نفسه أحد أهم موارد بني بوفراح الاقتصادية؟

ساحل ظل على هامش الاقتصاد

كانت نظرة باسكون إلى بني بوفراح تنطلق أساسا من العلاقة بين الإنسان والأرض والماء. الزراعة وتربية الماشية والهجرة والسوق كانت في قلب التحليل. وحتى الصيد البحري، رغم وجوده، ظل محدودا في قدرته على تغيير الاقتصاد المحلي.

ولم تكن السياحة غائبة تماما عن الدراسة. فقد سجل الباحثان وجود نواة سياحية صغيرة في كالا إيريس، كما أثارا إمكانية تشجيع الاستثمار السياحي المحلي على الساحل. لكن المنطقة حينها لم تكن تمتلك شروط التحول إلى وجهة سياحية كبيرة.

واليوم تبدو الصورة مختلفة.

كالا إيريس وتوريس لا تمتلكان الشاطئ فقط. هناك بحر وجبال وخلجان ومسالك طبيعية وتراث تاريخي وقرى ومجتمع فلاحي وثقافة محلية وميناء للصيد.

بل إن البوابة الرسمية للسياحة المغربية تقدم منطقة الحسيمة باعتبارها أكثر من مجرد وجهة للاستجمام على الشاطئ، وتشير تحديدا إلى توريس دي الكالا وآثار أبراج المراقبة وإمكانات المشي والاستكشاف في المنطقة.

وهنا تكمن الفرصة.

ليس المطلوب «ماربيّا» جديدة

من الخطأ، في تقديري، أن نفهم تثمين الساحل باعتباره سباقا لبناء الفنادق والإقامات الإسمنتية.

أكبر ثروة تملكها هذه المنطقة هي بالتحديد أنها ليست كذلك.

هدوء الساحل، وطبيعته، والقرى والجبال المحيطة به، والأنشطة التقليدية المرتبطة بالبحر والأرض، كلها عناصر تسمح ببناء نموذج سياحي مختلف، يقوم على القيمة لا على الكثافة.

يمكن أن تصبح كالا إيريس قطبا للأنشطة البحرية والصيد والمطاعم والإقامة والخدمات، بينما تتخصص توريس في السياحة الطبيعية والتراثية والمشي والمسارات الساحلية.

وتوجد بالفعل إشارات إلى مسار ساحلي يقارب 12 كيلومترا بين كالا إيريس وتوريس، في مجال طبيعي يرتبط بالمنتزه الوطني للحسيمة. وفي المقابل، ما زال الوصول إلى كالا إيريس يعتمد بدرجة كبيرة على السيارة، ما يكشف أن تحسين الربط والخدمات يظل جزءا أساسيا من أي تصور تنموي جاد.

يمكن تخيل منتج سياحي متكامل يبدأ صباحا في كالا إيريس، يعبر الساحل سيرا أو بالدراجة نحو توريس، يكتشف التراث والطبيعة، ويتناول الزائر غذاء من المنتجات المحلية، ثم يعود بحرا.

هنا تصبح الرحلة نفسها منتجا اقتصاديا.

محطة التحلية تغير جزءا من المعادلة

الماء كان من أهم القيود التي أبرزها كتاب باسكون في بني بوفراح. واليوم دخلت تقنية تحلية مياه البحر إلى المعادلة المحلية. وهذا التطور مهم، لأن السياحة والإقامة والمطاعم والخدمات لا يمكن أن تتوسع دون ضمان مياه الشرب.

لكن ينبغي ألا نقع في الخطأ المعاكس، وجود التحلية لا يعني أن الموارد أصبحت بلا حدود. فأي توسع سياحي جدي ينبغي أن ينطلق من سؤال بسيط: كم زائرا تستطيع المنطقة استقباله دون الإضرار بمائها وساحلها ونظامها البيئي وقدرتها على معالجة المياه العادمة؟

التنمية المستدامة هنا لا تعني منع الاستثمار، بل تحديد حجمه بما يتناسب مع قدرة المجال.

كيف يصل المال إلى سكان بني بوفراح؟

هذا هو السؤال الأهم، ليست قيمة السياحة في عدد السياح الذين يصلون إلى الشاطئ، وإنما في مقدار القيمة الاقتصادية التي تبقى داخل المنطقة بعد مغادرتهم.

إذا كان السائح ينام في مؤسسة محلية، ويأكل سمكا اشتراه المطعم من صياد محلي، ويستهلك منتجات زراعية من بني بوفراح، ويخرج إلى البحر مع صاحب قارب من المنطقة، ويستعين بدليل محلي، فإن الدرهم السياحي ينتقل من نشاط إلى آخر داخل الاقتصاد المحلي، عندها لا يعود الشاطئ مجرد مكان للاستجمام، بل يصبح سلسلة قيمة اقتصادية.

أما إذا كانت الفنادق كبيرة ومعزولة وتشتري احتياجاتها من خارج المنطقة وتشغل نسبة محدودة من السكان المحليين، فقد يرتفع عدد السياح دون أن يتغير الاقتصاد الاجتماعي لبني بوفراح بالقدر المنتظر، وهذه نقطة ينبغي التفكير فيها قبل البناء، وليس بعده.

السياحة ليست شهر أغسطس فقط

الموقع الرسمي للسياحة المغربية يعتبر الفترة من يونيو إلى سبتمبر مناسبة للسياحة الشاطئية في الحسيمة، لكنه يشير أيضا إلى ملاءمة الربيع والخريف للزيارة، وهذه فرصة حقيقية.

في الصيف هناك السباحة والإبحار والغوص والأنشطة البحرية، وفي الربيع والخريف يمكن تطوير المشي والدراجات والسياحة الطبيعية والتراثية والطعام المحلي والرحلات البحرية والصيد السياحي.

ويعني ذلك الانتقال من سؤال:

"كم شخصا يمكن أن نحضر إلى الشاطئ في أغسطس؟"

إلى سؤال أكثر ذكاء:

"كيف نجعل الزائر يبقى مدة أطول، وينفق أكثر محليا، ويأتي خلال أشهر مختلفة من السنة؟"

من تحويلات المهاجرين إلى "تصدير المكان"

هنا نعود إلى باسكون، أحد أهم ما توضحه دراسته أن بني بوفراح أصبحت تاريخيا مرتبطة بشدة بالاقتصاد الخارجي، ومن أبرز قنوات ذلك الهجرة وتحويل الأموال إلى الأسر، أي أن الإنسان كان يغادر المجال بحثا عن الدخل ثم يعيد جزءا منه إليه.

السياحة تقلب اتجاه العملية بطريقة مثيرة للاهتمام:

بدلا من أن يذهب ابن بني بوفراح إلى حيث يوجد رأس المال، يأتي المستهلك ورأس المال إلى بني بوفراح.

وهذا لا يعني أن السياحة ستلغي الهجرة أو تحل محل الزراعة. بل إن النموذج الأقوى قد يكون الجمع بين البحر والزراعة والصيد والسياحة والخدمات في اقتصاد محلي أكثر تنوعا.

لكن يجب ألا نقتل الدجاجة التي تبيض ذهبا

الخطر الحقيقي هو أن نكتشف قيمة الساحل ثم ندمر مصدر هذه القيمة، فإذا تحولت الواجهة البحرية إلى سلسلة متصلة من الإسمنت والمباني والسيارات، فقد تفقد بني بوفراح خلال عشرين عاما ما يجعلها مختلفة اليوم.

لذلك ينبغي تحديد المناطق القابلة للبناء، والمناطق التي يجب أن تبقى طبيعية، والطاقة الاستيعابية للشواطئ، وقدرة شبكة الماء والتطهير، وقواعد البناء والارتفاع، قبل فتح الباب أمام الاستثمار العقاري الواسع.

فالمنتزه الوطني للحسيمة والمشهد الطبيعي للجروف والخلجان يمثلان بالفعل جزءا من الجاذبية السياحية للمنطقة.

والهدف ليس بناء أكبر عدد من الأسرة السياحية، بل تحقيق أعلى فائدة اقتصادية واجتماعية ممكنة لكل متر من الساحل نستهلكه.

فرصة تاريخية لبني بوفراح

قبل قرابة نصف قرن، وصف باسكون مجتمعا يعاني من اختلال صعب بين الإنسان والموارد والأرض والماء.

أما اليوم، فلدينا عنصر لم يحصل على موقع مركزي في الاقتصاد الذي درسه: الساحل كأصل اقتصادي متكامل.

كالا إيريس، توريس وقرى بني بوفراح يمكن النظر إليها ليس كمواقع منفصلة، بل كأجزاء من وجهة واحدة تجمع البحر والجبل والقرية والزراعة والصيد والطبيعة.

وهنا تحتاج المنطقة، قبل أي مشروع ضخم، إلى مخطط اقتصادي وبيئي واضح للساحل يجيب عن أربعة أسئلة:

ماذا نبني؟ أين نبني؟ ماذا نحمي؟ وكيف نضمن أن يبقى أكبر جزء ممكن من الثروة الجديدة في أيدي سكان المنطقة؟

إذا أجبنا جيدا عن هذه الأسئلة، فقد نشهد خلال العقود المقبلة تحولا يشبه في أهميته التحول الذي وثقه باسكون، ولكن في الاتجاه المعاكس:

من اقتصاد يدفع أبناءه إلى الخارج بحثا عن الموارد، إلى اقتصاد يجعل العالم يأتي إليه ليستفيد من موارده، دون أن يفقدها.

 

مشاركة في: Twitter Twitter

المرجو عدم تضمين تعليقاتكم بعبارات تسيء للأشخاص أو المقدسات أو مهاجمة الأديان و تحدف كل التعليقات التي تحتوي على عبارات أو شتائم مخلة بالأداب....

للكتابة بالعربية

rif media